الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - من حقيبة الزمن / بيروت .. يا ...بيروت /٢

من حقيبة الزمن / بيروت .. يا ...بيروت /٢

  

   من حقيبة الزمن / بيروت..... يابيروت ( 2 )

         

         بقلم/عبدالوهاب عبدالستارالجواري           

        

قد يكون من الصعب أسترجاع ذكريات خمس سنين مرة واحده , خصوصا اذا كانت تلك الايام ملىء بما هو جميل .. والحمد لله الذاكره مازالت بخير بفضله تعالى .. وما نذكره هنا هو استرجاع لما عشناه في ربوع القطر الشقيق من ايام واحداث ووقائع تستحق تذكرها لاطلاع من فاتته تلك الايام أو سبقته  ..

واولا .. لبنان وأهله لهم علينا فضل الضيافة والرعاية التي لاتنسى .. وطيبتهم المتمثلة بترحيب اللبناني بضيفه بقوله ( تكرم عينك) .. وهويقولها صادقا وتنبع من صميم قلبه وتحسها بافعاله .. وثانيا ... جمال طبيعة لبنان النادره .. شيء لايمكن نسيانه لمن عاش هناك وتمتع بهواء وزرقة ماء بحره  والنسيم العليل في ربوع جباله ووديانه ..

 

وليالي بيروت ايامها كانت مضرب الامثال فكيف تريد ان تقضي امسيتك او ليلتك الامر يعود لك في الاختيار ..
وكانت مقهى ( النصر) على الروشه واحدة من خياراتي حيث كنا نلتقي ومجموعة من الاصدقاء القادمين من بغداد او المقيمين بلبنان لتمضية الوقت فيها وقد يستمر مكوثنا فيها كل الوقت او ننتقل الى مربع آخر .. ولكثرة ترددي عليها اصبحت وجها معروفا لدى ( الشيف) كما يسمونه في لبنان وهو امر اوقعني بمفارقة لاانساها لطرافتها ودلالة معانيها .. فذات ليلة اصطحبت شقيقي رحمة الله عليه وكان بزيارة قصيرة لبيروت ومعه الاخ المرحوم الدكتور عادل زيدان السفير ووكيل وزارة التربية الاسبق اصطحبتهما الى تلك المقهى وكان الوقت مساء ولكن قبل الوقت الذي اعتدت على الذهاب فيه الى المقهى , ولما ولجنا داخلها تفاجاء ( الشيف ) بحضوري المبكر وهو لايعلم من برفقتي فأستقبلني مرحبا بقوله باللهجة اللبنانيه المحببه (أهلين شو الليله أسم الله مبكر) فغمزته طالبا تجاوز الامر لاءنني كنت أحمل أحتراما خاصا لشقيقي الذي هو بمثابة الوالد بالنسبة لي ولا تسمح التقاليد التي تربينا عليها ان نحل انفسنا من التزاماتنا تلك في مثل هذه المواقف ... وكانت تلك الواقعه مدار تذكير لي بها من الاخ المرحوم عادل زيدان حيث تزاملنا العمل بوزارة الخارجيه , وكنا نتذكرها ونضحك ونستذكرها بسرور ..

         
ومن الروشه الى شارع ( الحمرا ) حيث المقاهي على الطريقة الفرنسيه وكراسيها على الرصيف تسمح للجالس برؤية الغادي والرائح والشارع الشهير يمور بالحسان من كل جنس ولون وبالشباب المقلد لكل انواع الصرعات التي تطلق في اوربا او امريكا ولايسبقهم في بلاد العرب احد في نقللها او تطبيقها .. واشتهرشارع الحمرا بمقاهيه (الهورس شو .. والموفنبيك .. والستراند ) ولكل منها زبائنه..

 

وقد اختصت (الستراند) باتخاذها مكانا للقاء السياسي العراقي المرحوم ( عمر نظمي ) بأصدقائه صباح كل يوم ..

وكانت الى جانب المقهى سينما ( ستراند ) التي لن انسى مشاهدتي فيها لفلم ( الدكتور زيفاغو ) بطولة عمر الشريف وهو العرض الاول لهذا الفلم في البلاد العربيه , اذ كانت بيروت سباقة في كل شيء جميل ..

               
وفي احد الشوارع المتفرعة عن شارع الحمرا يقع فندق ( نابليون ) الذي كان الصديق الصحفي العراقي المعروف ( غازي العياش ) ينزل فيه كلما حل ببيروت في سفراته الكثيرة اليها اذ كان مراسلا لمجلة ( الاسبوع العربي ) المتميزة في وقتها بنقل الاحاديث والتقارير المشوقة للقاريء العربي وبحكم علاقاته بالاوساط الصحفية اللبنانيه عرفني على الكثيرين منهم ..

ورغم كثرة فنادق بيروت كان رحمه الله لايستسيغ النزول الابهذا الفندق ومن عادته عند وصوله الاتصال بي لاننا بالاصل من محلة واحدة وتربط عائلتينا وشائج قديمه.... ومن عادته ان ياكل (البصل) في اول وجبة يتناولها بعيد وصوله اعتقادا منه ان البصل مفيد لتجاوز الاضطراب الصحي الناجم عن تقلب الاجواء لاسيما في حالة الانتقال من بلد الى آخر ...

    

ولذلك كنا نذهب الى مطعم ( اسطمبول) الذي يقع في شارع خلف شارع الحمرا وهو مشهور باختصاصه بتقديم ( المشاوي) وما زال الى يومنا هذا , ومن ثم تبدأ السهرة فرغم كونه رحمه الله لايتعاطى الكحوليات الا انه مغرم بالتردد على النوادي الليله ... وعمل فيما بعد مع الصحفي اللبناني علي بلوط على نشر مجلة (الدستور) واصبح مديرا لمكتبها في بغداد ..

    

وفي شارع فرعي آخر من الحمرا يقع فندق ( ماي فلاور) وباره ذي الطابع الاسكتلندي المشهور وعليه يتردد الكثير من مراسلي الصحف الاجنبيه وبعض الشباب العراقيين والعرب ممن عاشوا في لبنان ودرسوا في مدارسه وجامعاته او من ابناء الاسر العراقية الارستقراطيه وكان يدير البار رجل لبناني اسمه (جورج) اشتهر لدى رواد البار بحزمه وحسمه اذ ان جورج لايتأخر دقيقة واحده بعد الساعة الحاديه عشرة عن ضرب ( الجرس) الذي يعني انتهاء العمل وعدم تقديم أي مشروب للزبائن على الطريقة الانگليزيه ....

ومقابله يقع بار آخر (موفنبيك) وطابعه انكليزي ايضا  ويتردد عليه صحافيون اجانب اذكر منهم ( روبرت فيسك ) المقيم ببيروت حتى هذا اليوم  الا انه لم يحظ بشهرة وعدد رواد ( الماي فلاور) .. ويدير هذا البار رجل انگليزي ذو شاربين غليضين وكان يسكن بنفس البناية التي سكنتها وله كلب كبير الحجم يتناوب هو وزوجته على الاهتمام برعايته وكان مصدر رعب للسكان الذين يخشون حجمه الا انه لم يتعرض لاحد منهم .. وقد ذهب الرجل الانكليزي ضحية لاحداث لبنان المؤسفه.

       

وكانت ليلة رأس السنة الميلادية مناسبة متميزة في بيروت وشارع الحمرا بالذات اذ يغص منذ بداية الليل بالشباب من الجنسين ولا يقتصر الامر عليهم فقط اذ يحضر الكثير من العوائل لمشاهدة الاحتفال ببدأ السنة الجديده.. فتراهم وقد لبسوا (الطراطير) الملونه......وهم يطلقن العنان لمزاميرهم ترحيبا بالعام الجديد ..... وكنا نحتفل بها على طريقتنا التي يديرها الاخ مجيد الدهان ويكون منزله مكان الاحتفال في كل سنة حيث يتجمع الاحبة والاصدقاء من العوائل العراقية واللبنانيه وغيرهم ممن يكون موجودا في بيروت تلك الليلة ... وفي عام 2006 وبعد اكثر من ثلاثين عاما على مغادرتي لبيروت عدت الى شارع الحمرا لاستعادة ذكرياتي ومنه عرجت على شارع (السادات) الذي يقع فيه منزل الاخ مجيد الدهان ورحت أتطلع اليه من الشارع مستذكرا ليالي قضيناها بفرح وسرور مع اصدقاء واحبة لايفرق بينهم ما فرق جمعنا هذه الايام ...

وفي بداية السبعينات من القرن الماضي حفلت الاغنية العربيه  بعصرها الذهبي و التي كانت بيروت منطلقها الى جميع العواصم العربيه .. وكانت اغاني ( وديع الصافي ) تصدح في كل مكان لاسيما رائعته (على الله تعود ) ..

http://www.youtube.com/watch?v=WlzzK-JO0gw

واتحف (سيد مكاوي) الطرب العربي باغنية (يامسهرني) التي شدت بها الحنجرة السماويه (أم كلثوم) .. الى جانب أغاني سيدة الطرب الملائكي (فيروز) التي كان لايستقيم فطور الصباح بدونها ..

وهكذا عشنا ايامنا ببيروت الي كانت تعيش احلى واجمل ايامها قبل ان يكدر صفو عيشها صوت المدافع والرشاشات .. ولله الحمد عاد اخوتنا اللبنانيون الى تعايشهم المشترك الذي ندعو لهم بدوامه بعيدا عن كل مكروه ..

            
ومن جملة ما امتازت به بيروت نواديها الليلية المنتشره في العاصمه وفي ربوع المصايف اللبنانيه .. وكانت جموع من الفنانين اللبنانيين والعرب تحي لياليها .. فثمة (جورج وسوف) ولما يزل شابا في ريعان العمر تنتشر صوره على طول الطريق من بيروت الى بحمدون .. وكذلك الحال بالنسبة لغيره من اهل الفن مصريين وسوريين وقليل من العراقيين اذ لم يكن يومها معروفا لدى العرب سوى المرحوم ناظم الغزالي الذي كان الكثير من الفنانيين العرب يرددون اغانيه العراقية الحلوه مثل ( طالعه من بيت ابوها ) او(فوگ النخل)..
والى حلقة اخرى من الذكريات عن لبنان وبيروت واهل لبنان أدعو لهم من صميم قلبي الممتليء بحب لبنان وأهله باستمرار صفاء عيشهم المشترك .

عبدالوهاب عبدالستار الجواري.. في 30 ايلول 2012

للراغبين الأطلاع على الحلقة الأولى .. يرجى النقر على الرابط أدناه:   

http://www.algardenia.com/ayamwathekreat/635-2012-09-23-19-16-59.html    

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

547 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع