الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - من حقيبة الزمن ..بيروت ... يا ... بيروت

من حقيبة الزمن ..بيروت ... يا ... بيروت

    

    

                        بقلم:عبدالوهاب عبدالستار الجواري                                  

                   

نظل العمر كله نلهج بأسمها لانها درة تاج الشرق وعاصمة العرب حين لم تكن (قرية) تدعي الديمقراطيه على أمتداد الوطن الكبير من موريتانيا غربا حتى الخليج شرقا , كانت ثمة ملجأ يقري الضيف ويفتح أبوابه لمن لايجد عند مسقط رأسه الهواء الممتليء بنسمات الحرية فيولي وجهه شطر لبنان وعاصمته التي جمعت كل مافي قارات الدنيا يومها من حيوات تزخر بما لذ وطاب من أسباب العيش ومتنفسا لمن ضاقت نفسه من الكبت والضيق ..

هكذا كانت بيروت حبيبتي الخالده يوم  وصلتها للالتحاق بعملي في اواخر الشهر العشر من عام 1970 وأمتدت أقامتي فيها خمس سنوات حتى بداية الشهر العاشر من عام 1975 وغادرتها مكرها أطاعة للتعليمات ولو لم أكن موظفا علي التزامات الوظيفه لكنت الى يومنا هذا محتضنا ارضها وملتحفا سمائها ومستمتعا بالقرب من شواطئها حيث لابحر في الدنيا يشبه بحر بيروت ..

 

 هذه المقدمة أسوقها تمهيدا لذكرياتي عن لبنان وبيروت التي جرني اليها الاخ الاستاذ أبو عبدالله سيف الدين الالوسي بسياحته في ربوع لبنان التي نشرتها (الگاردينيا ) الغراء بثلاث حلقات كانت غاية في المتعة لمن أسعده الحظ بالعيش في لبنان فكيف والحال كانت خمس سنين وفي عز  ايام الشباب وفي ريعان ربيع بيروت وصفاء ايامها ..... وكم كانت روعة عودتي لها في عام 2006 بعد اكثر من ثلاثين عاما .. الا أنني لم أجدها ولم أجد لبنان الذي عهدته , فعند دخولي الاراضي اللبنانيه من منطقة ( المصنع ) متوجها الى (شتوره) تطلعت الى أمام علني أجد تلك الفضاءات التي تملاء العين بهجة وسرورا فلم أجد الا بناء ممتدا ومتواصلا , فكانت هذه بداية لم تأنس لها نفسي وواصلنا المسير وأنا أتطلع الى ما حولي من مناظر لاستعيد ذكرياتي , فأجد مناظر أخر ....

وسألت السائق أين ( بحمدون )؟؟ فأشار الى يسار الشارع حيث ثمة تغيرات حجبت عني ذكريات لم أعش على أمتداد العمرمثلها .. ولما شارفت بيروت للعين وجدتني وسط طريق ليست به اية دلالة استدل بها على مايوصلني الى المكان الذي أنشده من بيروت الى أن وصلت الى (كورنيش المنارة ) حيث أصبح بمقدوري معرفة الطريق الذي يسلك الى منطقة الروشة 

 

ولما وصلت الى الروشة عادت بي الذكريات الى الايام النحسات من ايام الحرب الاهلية التي أخذت من عمر لبنان خمسة عشر عاما .. يومها كنت اسكن ببناية (شبارو ) في احد الشوارع المتفرعة من شارع (استراليا) المحاذي لشارع كورنيش الروشة وعند اشتداد القتال اضطررت للانتقال الى فندق (مرحبا) في بداية الشارع الذي يوصل بين (الحمرا والروشة ) ومنه غادرت برا وعبر طرق فرعية الى دمشق  ومنها الى بغداد ... وكان ذلك في يوم الخامس من آکتوبر 1975..
وذكرياتي في بيروت وعن عملي فيها  ... كثيرة وجمة فيها من الحلاوة ما لاينسى طعمه .... فهي كانت البداية لرحلة عمل أستغرقت أربعين عاما ... وفيها أنعم الباري علي بوحيدي (عمر) ... وذلك بمستشفى (الخالدي) على يد الدكتور سمير الخالدي صهر العراق اذ أن زوجته هي المرحومة ( غيده )أبنة المرحوم موسى الشابندر وزير خارجية العراق الاسبق وكان جارا لي في سكني ببيروت ..


وفي بيروت اتيحت لي فرصة التعرف على شخصيات العراق السياسيه بحكم ترددهم على بيروت التي كانت نقطة انطلاقهم الى المناطق المقصودة لمهمة سياسيه أو للراحة أو للالتحاق بمكان عمل ..كذلك فتحت لي بيروت فرصا للتعرف على رجالات السياسة والصحافة من اللبنانيين والعرب .. وكانت فرصة تعرفي بالاخ وليد خدوري أبن العائله العراقيه المعروفة بالشخصية السياسية المرحوم ( خدوري خوري ) أحد مؤسسي الحزب الوطني الديمقراطي العراقي وهوعم الدكتور وليد وشقيق الدكتور عماد .. هي الاخرى سببا للتعرف برجالات السياسة والصحافة من اللبنانيين وغيرهم  اذ كانت لوليد خدوري بحكم عمله في (مؤسسة الدراسات الفلسطينيه ) علاقات  واسعه عرفني من خلالها على تلك الاوساط  الامر الذي امدني بالكثير مما يحتاجه الدبلوماسي في مجال عمله ..

               
وممن زاملني في العمل بسفارة العراق بلبنان يومذاك المرحومة (بلقيس الراوي) أم عمر التي هي مثال المثال للسيدة العاملة وربة البيت والزوجة الحبيبه .. تحمل اخلاقا عز نظيرها وجمالا تضرب به الامثال  رحمها الله تعالى واسكنها واسع رحمته وفسيح جنانه.. وزميلتها في العمل بالدائرة الصحفيه أبنة البصرة الفيحاء الاديبة والقاصة ( ديزي الامير ) مثال الرقه والادب الجم ..
وفي بيروت تعرفت بالاخ (جاسم الباقر ) ابو فارس الذي سكن بيروت في سبعينيات القرن الماضي قادما اليها من اليابان التي عاش فيها عقودا من الزمن وكانت علاقة اخوية أمتدت الى يومن هذا .. وكان لابي فارس الفضل في انقاذي من محنة الحصول على بدلة  ( الردنجوت ) المطلوب لبسها عند تقديم التهاني للرئيس اللبناني بمناسبة رأس السنة الميلاديه من قبل رؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمده لدى لبنان وكنت حينها ( قائما باعمال السفارة ) لغياب السفير بمهمة رسميه في بغداد  وكانت العادة في اليابان استخدام هذه البدلة في كثير من مناسباتهم فأسعفني الاخ أبا فارس ببدلته التي جاءت مطابقة لمقاسي
.. وفي بيروت رشحتني وزارة الخارجيه للمشاركة في دورة للدبلوماسيين العرب ينظمها سنويا مجلس الخدمة المدنية اللبناني وفي هذه الدورة التي عقدت عام 1972 تعرفت على زملاء عرب اذكر منهم (وليم حبيب) سفير لبنان الاسبق في عمان ونجل السفير اللبناني في بغداد سابقا المرحوم (فريد حبيب ) وقد ذكرت (وليم) دون غيره لارتباط اسمه بذكريات خاصه بالمرحوم والده عندما كان سفيرا لبلده ببغداد سيأتي ذكرها في مجال آخر وكذلك لان وليم اهداني قنينة عرق من انتاج بيتهم في (الكورة ) بشمال لبنان ولهذه القنينة التي كانت من عبوات المياه المعدنيه الكبيرة قصة ستروى ايضا..

   

وحفلت ايامي بلبنان بالكثير الكثير من الوقائع والمناسبات التي لا تتكرر ففي احدى زياراته لبيروت دعوت العم الكريم المرحوم جاسم مخلص الى عشاء في أي مطعم يختاره ورغم فارق العمر بيننا الا أن محبته وارتباطه الاخوي بشقيقي رحمه الله كان السبب في تلبيته لهذه الدعوة فذهبنا الى منطقة (انطلياس) والى احد مطاعمها وهنا السبب لسرد هذه الواقعه حيث أن العم أبو حاتم رحمه الله طلب صحنا من ( الضفادع ) وهو الامر الذي أثار استغرابي لعدم سبق المعرفه  بهذا الصنف من الطعام .. وكانت مناسبة لتشجيعي من قبله رحمة الله عليه لتجربة هذه الاكلة الا انني لم استطع خوض التجربة .. كان ابو حاتم رجلا يعز نظيره في الرجال مثالا للاخوة والمحبة والجولة صاحب مواقف ليس لها مثيل .. ومثله يفتقد في هذه الايام أسبغ عليه الباري واسع رحمته .
وفي السفارة تزاملت مع شقيق الروح أخي الحبيب المرحوم باسل مولود مخلص بعد أن كنا نشكل في ديوان الوزارة مع الاخ الحبيب عماد هاشم علاوي والاخ الحبيب مهند قاسم خليل مجموعة اصدقاء لاتفرقهم الا نوائب الدهر وهكذا غادرونا مأسوفا عليهم ولانملك الا الدعاء لهم بالرحمة والرضوان من الله تعالى .. كان أخي باسل خير عون لي في تجربتي العملية المهنية الاولى اضافة لما جمعنا من ود وأخاء لا مثيل له ولازلت أبكيه وأفتقده في حياتي الخاصه أخا صادق الاخوة وشقيقا للروح أفتقده عند الملمات .. جمعنا الله تعالى في خير منزل برحمته ورضوانه.

         
والحديث عن لبنان وبيروت وايامهما الحلوة لاينقطع ..
ففي ليلة من ليالي الصيف 21 حزيران 1972 توجهنا للتمتع بهواء الجبل في (بحمدون) أنا والاخ الدكتور رعد مولود مخلص حيث وقع الاختيار على مطعم ( الارلكان ) للعشاء وتمضية السهره  وما أن قفلنا راجعين الى بيروت ولما و صلت البيت وجدتهم بأنتظاري لنقلهم الى المستشفى حيث من الباري علينا  بالحبيب الغالي (عمر) ..
وفي احدى المرات دعاني الصديق ثابت عبدالرزاق القدوري للذهاب الى (زحله) وكان الوقت مساء فلم أتردد وأصطحبنا عائلتينا وأتجهنا صوبها غير مبالين بشيء واكملنا السهرة هناك بين جنبات الوادي الذي خلده شوقي بشعره وعدنا ونحن ممتلئين فرحا وسرورا وملء الرئة هواء نقيا صافيا صفاء زرقة بحر بيروت ..

      
وكنت أذا مللت البقاء في بيروت ايام الحر نتوجه وصديق لي من أهل البصرة الاحباب بسيارات الاجره (السرفيس) الى (بحمدون) وهناك الى مطعم هاديء لايرتاده معارفنا تجنبا للاحراج وهو مطعم (علاء الدين ) وبعد أن نشبع هواء طيبا نقفل عائدين بنفس الوسيلة التي جئنا بها..
وهذا كله غيض من فيض ذكريات ايامي في لبنان وبيروت استدعتها السياحة الجغرافيه والوثائقية التي قام بها الاخ ابو عبدالله سيف الدين الالوسي .. وزادها جمالا واتقانا مابذله الاستاذ جلال چرمگا والسيده ايمان البستاني من ذوق وفن تمثل بالصور التي حوتها حلقات الاخ الالوسي ..
والى لقاء آخر  ندعو ( للگاردينينا ) بالمزيد من التقدم والعطاء وأن تبقى كما هي موئلا للطيبين من ابناء العراق واحبابه الصادقين بحبهم المجرد من أي غرض لوطنهم الغالي حتى يعود كما كان ..

عبدالوهاب عبدالستار الجواري
في 23 ايلول 2012
   

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

504 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع