محلة الميدان.. ذاكرة العراق السياسية والصحفية والثقافية

     

محلة الميدان.. ذاكرة العراق السياسية والصحفية والثقافية

 

بغداد - العباسية نيوز:تعتبر منطقة الميدان وامتدادها من باب المعظم وحتى ساحة الرصافي حالياً من أعرق وأقدم مناطق بغداد لأنها شاهد حقيقي على أحداث مصيرية مرت بالعراق ابتداء من نهايات الحكم العثماني ومع إعلان الحكم الوطني عام 1921 والعقود التالية وتحديداً حتى الستينيات من القرن الماضي..

الميدان ليست مجرد مبان وأسواق ودوائر ومقرات حكومية أنما هي أيضاً من الأحياء السكنية التي شهدت ولادة مجموعة كبيرة من كبار رجال الدولة العراقية الحديثة ..

     

في الميدان ولد أشهر سياسي عراقي في العهد المالكي نوري السعيد وعاش فترة شبابه بمنزل العائلة في أحد الأحياء المتفرعة من الميدان..

           

كما كان الميدان مكان سكن عائلة الباجه جي وحمدي الباجه جي وكذلك جعفر العسكري الذي يعتبر الأب الروحي للجيش العراقي بالإضافة إلى توليه منصبي رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع.

                                    

وكان من سكنة الميدان المشهورين الشخصية السياسية الكبيرة كامل الجادرجي زعيم الحزب الوطني الديمقراطي وكان الشارع المسمى (جديد حسن باشا) أحد الشوارع الفرعية ضمن جغرافية الميدان هو شارع الصحافة ومركز أشهر المطابع العراقية.. كانت الصحف العراقية منذ الثلاثينيات تتجاور في مقراتها لتشكل مجمعاً صحفياً وإعلامياً كبيراً ومركزاً رئيسياً لكل الأنشطة المتعلقة بالوسط الصحفي..

   

ومن أهم الأحداث التاريخية التي مرت بمنطقة الميدان ثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني فقد كان جامع الحيدر خانة بمثابة المركز الإعلامي المركزي لحشد الجماهير لتأييد الثورة والتبرع لدعمها حتى تحقيق أهدافها الوطنية السامية..

       

وكان الشيخ محمد مهدي البصير هو خطيب الثورة في بغداد وحنجرتها المدوية بالقصيدة المؤثرة والكلمة الحماسية إلى تصعيد الثورة بوجه المستعمرين وأذنابهم ومواصلتها حتى ألحاق الهزيمة النكراء بهم.

    

ومع اقتراب منطقة الميدان من نهايتها باتجاه باب المعظم تشمخ بناية وزارة الدفاع الأثر التاريخي والرمز الوطني الكبير الذي يجمع العراقيون على احترامه وتقديره باعتباره الجيش العراقي سور الوطن الحصين والمدافع الأول عن سيادة وحرية الوطن وأبناءه.

  

فيما تطل بناية وزارة الدفاع من الجهة الأخرى على نهر دجلة وكان النهر الخالد يحتضن معقل الوطنية العراقية ومدرسة الوفاء والجندية الحقيقية المؤمنة بوحدة العراق أرضاً وشعباً وتاريخاً مجيداً.. لقد كانت التفاتة ذكية من الشخصية أو الجهة التي اختارت هذا المكان بالذات ليكون مقراً لوزارة الدفاع العراقية.

           

وتنتشر أيضاً على جانبي الشارع الرئيسي الذي يتوسط منطقة الميدان الكثير من المقاهي القديمة مثل البرلمان وحسن عجمي حيث المكان المفضل للأدباء ومثقفي العراق ومازال الوضع قائماً كما كان الحال منذ الثلاثينيات عندما كانت الندوات واللقاءات الثقافية تعقد برعاية ومشاركة الشاعرين الكبيرين جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي.

  

ومن أشهر الأسواق البغدادية ضمن دائرة الميدان لا يمكن إلا أن نمر على (سوق هرج) بمحلاته القديمة التي ما تزال تتحدى الزمن والاندثار لتظل شاهداً على مركز تجاري لبيع وشراء مختلف البضائع والحاجيات القديمة أو كما تسمى بــ(الأنتيكات) مثل أجهزة الراديو والمسجلات التي تعتمد في تشغيلها على البكرات والأشرطة الملفوفة حولها وكذلك العملات الورقية والمعدنية القديمة بالإضافة على الكثير من المنتوجات التي يتداولها ويصر على اقتنائها هواة جمع التحفيات التي تعود على الماضي البعيد.

       

وما يزال سوق الهرج يضم الكثير من المحلات المختصة ببيع وشراء (النسيج) وخاصة الأنواع الثمينة والنادرة وما زال الإقبال كبيراً والرواج سائداً لوجود أعداد كبيرة من هواة جمع (السبح) وأيضاً للمتاجرة وعقد الصفقات باعتبارها نوعاً من النشاط التجاري المعروف.

   

ولا بد أيضاً من التوقف عند بعض معالم الميدان المشهورة مثل (محلات السيد) المشهورة ببيع المعجنات وخاصة (الكعك) ويعود تأسيس هذه المحلات على بداية العشرينيات..

  

ومقابل (محلات السيد) هناك محل الحاج زبالة الشهير لبيع شربت الزبيب الذي يعود تاريخه إلى الفترة السابقة نفسها.

             

صحيح أن منطقة الميدان فقدت الكثير من ألقها ورونقها بسبب تقدم الزمن وحالات التطور التي انعكست على الكثير من الفعاليات والأنشطة المعروفة في زمن مضى وانقضى إلا أنها تبقى جزء مهماً وحيوياً ورئيسياً من ذاكرة بغداد التاريخية من خلال أبنيتها القديمة وأسواقها العريقة وبعض الأحياء السكنية التي يصر أصحابها على البقاء رغم أنها آيلة للسقوط بسبب الفقر والعوز وعدم المقدرة على الانتقال والسكن في أحياء أخرى ودفع مبالغ مادية كبيرة مقابل أيجار أماكن بديلة.

حقاً أن منطقة الميدان كانت ميداناً رحباً وحاضنة كبيرة وجهداً لمبدعين عراقيين وحرفيين ماهرين اجتهدوا في مجلات عملهم وساهموا جميعاً في صنع الحياة البغدادية ذات الخصوصية المعروفة المعتمدة على تقاليد وأعراف ورثوها عن الاباء والأجداد وظلوا متمسكين ببقاياها والحفاظ عليها جيلاً بعد آخر..

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

626 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تابعونا على الفيس بوك