الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - ماكينة جدتي.. تدور ليلاً ....

ماكينة جدتي.. تدور ليلاً ....

       

في ساعة متأخرة من الليل.. الجميع يخلد للنوم.. حتى انا، من بين اليقظة والحلم أفزعني صوت دوران ماكينة الخياطة اليدوية التي أهملت بوفاة صاحبتها.. جدتي.

تعمل كالسابق.. تخيط مثلما هو صوتها قبل ستين عاما، كما لو أن جدتي بعثت من قبرها، الذي ترقد فيه منذ عقود.

لم يطلقني النوم من بحاره الغارقة فيها، لكن الصوت يخترق اذني.. هو عينه، صوت الماكينة التي كانت بحوزة جدتي.

بدءا ظننته حلما، الا ان نغمها الاجش عاود من جديد؛ فهرعت الى مصدره، بالغة الطابق العلوي من بيتنا، فوجدت زوجة ولدي سجاد، تجلس مثل جدتي تديرها ببراعة، منتصف تلك الليلة وعلى الماكنة القديمة التي ورثتها أمي من الجدة، وانا منهما.. آلة ثمينة برائحة ذكريات الجدة الغالية.

تيقنت انه ليس حلما، بل حقيقة غفت خمسين عاما لتصحى الان بشغف، وحب للجدة وماكينتها اليدوية.. حنين يداعب ذاكرتي كل حين، يلطفها ويريحها من متاعب زمننا القاسي.

 

مستودع أخطائنا

"سالمية" اسم جدتي المحبوب لنا جميعا، لا تفارق بيت العائلة الذي يجمعنا، ولا تخلع الثوب الاسود، الذي ارتدته ولم ارها بغيره يوما؛ لانها هـي مـن يـراقب كـــل صغيـرة وكبيرة، ويعتني بنا.. لا نخشاها ابدا، بقدر ما نخاف والدتنا ووالدنا، أذ تحمينا وتدافع عنا حينما نرتكب خطأ ما، ونسارع لنختبئ وراءها، حينما تتوعدنا امنا بالضرب، تحمل صفات لامثيل لها الان في الجدات، برغم جهلها الكتابة والقراءة الا انها بارعة في الوصف والحكايات والتجميل والطب والولادة والخياطة التي تعشقها، غير مبالية بمتاعبها، وآلام الظهر؛ حين تنحني على ماكينتها اليدوية تخيط لافراد الاسرة ثيابهم الموسمية، خاصة ايام الاعياد ولجيران المحلة من النسوة اللواتي يتجمعن في بيتنا..

  

حول جدتي وماكيناتها واقمشة "البازة" و"السيرة" و"القطيفة" و"الهمايون" تتراقص امامهن بــفرح وضحكاتـهـن المميزة، تطرق سمعي الى الان، بعد مداعبة وضحكات تخترق الحياء بخجل، حول العلاقات الزوجية ومايرافقها من مفارقات وحوادث لايمكن البوح بها الا في حضرة الصحبة الحميمية.

 "سوالف النسوان" لاتمل ولاتنتهي صلاحيتها ابدا! فهي مليئة بالصراحة الشيقة، برغم الفقر والعوز وشظف لقمة الكفاف، الا انهن يعشن حياة صافية، تخلو من مشاكل مادية كالتي تعم اسرنا الان.

           

صمت ناطق

نحبها كثيرا، قبيل العيد بأيام، وغالبا ماتشعر بالضجر من لجاجتنا في الإلحاح عليها؛ لتسارع بخياطة ثياب يوم العرفات والعيد؛ ملتفين حولها.. انا واخوتي، نتوسل متوددين، نلبي طلباتها بجلب الشاي والطعام؛ كي تمكث جالسة، ريثما تنجز مستلزمات المناسبة.

منا من يمسك بمهفة الخوص، "نهوي" لها.. نقبلها بمكر متضاحكين همسا..

تطلب من كبرى شقيقاتي المساعدة بدوران العتلة؛ بغية الخلاص منا.

أنا البنت المدللة، عند جدتي وامي؛ لذا ورثت عنهما تلك الجوهرة برغم عدم اجادتي الخياطة! ولانها تختزن اسرار العشق والحكايات النهارية والليلية والزعل والعتاب والدعاء والصمت الناطق وكل ما يدور بين امي وابي من شجون الحياة البسيطة، تصفو عند جدتي، قرب عتلة الماكينة التي تحملت آهات النسوة حين تجمعهن سويعات

 الفضفضة والفرحة بما اكملته لهن من ثياب حالمة اخاطتها، بضيم الانحناء والتعب وضعف البصر،

         

 وطـول السهر

مـع ان ما تكسبه من المهنـة بسيـط، فهي تخيط الثوب مرتين كي لاينفـتق او يتلف، فتصرف من الخيوط المتشابكة ذات الالـوان المتعددة التي تشتريهـا مـن سوق الصدرية، ما لا يبقـي ربحـا كبيرا يستحـق عـناء النهار وسهر الليل.

تجلس هـي وامـي بعـد الانتـهاء مـن الاعمال البيتية ساعـات؛ يـفكـكن اشتبـاك الخيوط، ويـلـفـنهـا حـول بكـرات خشبية حسـب اللـون لتناسب عمل تلك الماكينة العـتيدة.

عطل يدوي

لم أخفِ ذهولي أمام غرفة ولدي، أراقب زوجته، تخيط الملابس بماكيـنة جدتي القديمـة.. الحـنين عـاد لـي وحينمـا ينتـابـني هذا الشعـور تتسارع دمـوعـي فـي التساقـط وروحي الـى الانقـباض؛ لانــي تمنيـت لحظتـها ان ارى جـدتي فـعلا، وان تـعـود الايـام الجمـيلـة بفقـرهـا وكـفافـهـا وبهجتهـا.

  

كل الاشياء الان تكاد تفقد رونقها وحيويتها وطعمها المـلائكـي.. زمـان كنـا نغفـو ونصحو غير مبالين بما هو آت.. احلامـنا بسيطـة كطلبـاتـنـا.. وطعامنا يطبخ يومـيا غير مـعلـب او مجهز مـن الاسواق.. ولانجـوب المـحال بحثـا عـن مـلابس العيـد، فهــو الموسم الوحـيد الـذي نستمتع خلالـه بالجـديـد.

عند العطل والدي يصلحها خلال دقائق، طالبا الشاي والسيكارة الملـفوفة بأتقان مـن يـد والدته، التي تحرص على جلسة الاستمتاع هـذه، وهـي تهيئ له السيكارة وتتسامر معه بكل ود.. تداعبـه كطفل، فوالدتي لاتغار من ذلك مطلقا.. اخيرا..

                                

ماذا افعل بالحنين الـذي يرافقني الى ماض يأبى الغياب.. عصيا علـى النسيان؟
فكـل تفـاصيل الـرحـلة الخمسيـنـيـة اشبـه بسيناريـو يتجدد كلما استفزهـا حـدث مشابه قد لايحتملـه قلبي الآن.. "فليسـت عشيات الحـمى برواجـع.. إليـك ولـكـن خــل عينيـك تدمـعا".

 الكاتبة:سعاد البياتي

المصدر : نبراس الذاكرة

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

431 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع