الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - الفنان المبدع المرحوم علاء الشبلي

الفنان المبدع المرحوم علاء الشبلي

    

             الفنان المبدع المرحوم علاء الشبلي

  

    

حفزني المقال الجميل الذي كتبه الاخ الأستاذ سيف الدين الالوسي عن الرسام المبدع المرحوم علاء الشبلي، والذي ان دل على شيء فانه يدل على الوفاء البغدادي الأصيل والاحترام الكبير للمواهب العراقية، ان احاول ان أضيف لما كتبه الأستاذ الالوسي بعض ذكرياتي عن الشبلي، هذا الفنان الموهوب والمنسي، والذي لم يحظ بالاهتمام المطلوب سواء من أمانة بغداد التي أفنى فيها حياته كلها، او من الأوساط الفنية التي كان بحق من أعلامها.

   

تعرفت على المرحوم علاء في بغداد بداية الثمانينات عن طريق صديق العمر الاخ المهندس عصام عبد الغفور اليونس (الخانجي)، والذي كان يعمل في أمانة بغداد، وأصبح مدير دائرة التصميم الأساسي ومدير عام دائرة التصاميم وكالة، هذه الدائرة التي اعادت تنظيم بغداد ووضعت الخطط المستقبلية لتطويرها، والتي ذهبت كلها ادراج الرياح بعد الاحتلال البغيض وتولي الجهلة والفاسدون مقادير هذه المدينة الجميلة والحبيبة ليحولونها الى لوحة كئيبة.

   

ولما كان الاخ عصام (ابو زيد) يعرف شغفي باللوحات الزيتية والفن الانطباعي للرسامين العراقيين، اخبرني ذات يوم بانه سيأخذني الى رسام مبدع يعمل في أمانة بغداد كي اطلع على أعماله. وبالفعل ذهبنا الى بيت المرحوم علاء (ابو محمد) الذي كان يقع بالقرب من ساحة كهرمانة في العلوية، والذي كان بالفعل يبدو وكأنه حديقة حيوان مصغرة لكثرة الحيوانات الأليفة التي يحتويها. ومنذ اللحظة التي استقبلنا فيها بوجهه الباسم عرفت بان صداقتي مع هذا الرجل ستكون مستمرة. اطلعت على لوحاته إقتنيت منها واحدة. ثم أصبحت من الزائرين الدائمين له، استمتع بحديثه الظريف وذكرياته البغدادية الجميلة. واقتنيت منه لوحات لاتزال تزين جدار منزلي واعتز بها جدا، مع أخريات لافراد من عائلتي او قدمتها هدايا لأصدقاء اعزاء في مناسبات عديدة، كما كنت انا وعصام نحرص على ان ناخذ له كل من كان يريد ان يقتني لوحة بغدادية أصيلة.
بعد حرب عام ١٩٩١، وبعد الهرج والمرج الذي ساد ومحاولات سرقة الدوائر الحكومية، خشيت ان تكون مجموعة الساعات القديمة والنادرة التي قام المرحوم والدي ناجي جواد الساعاتي بإهدائها الى المتحف البغدادي التابع لأمانة بغداد، قد سرقت هي الاخرى.

   

ولجأت الى الاخ عصام باعتباره من اهم موظفي الأمانة آنذاك، وكان جوابه ان الرد هو عند اخونا علاء الشبلي بصفته مدير المتحف، فذهبنا اليه. وعلى الرغم من علامات الألم التي كانت بادية على وجهه نتيجة لما حل بالعاصمة والعراق عامة، الا انه ضحك وطمأنني قائلا :

(لا تقلق اخي فلقد حرصت قبل الحرب على ايداع كل المواد الثمينة في قاصة (خزانة حديدة محكمة وساعات عمي ناجي من ضمنها).

         

وبالفعل فلقد تم الحفاظ على هذه المواد وغيرها، وأعاد عرضها فيما بعد ان هدأت الأوضاع. وما تزال معروضة لحد الان في المتحف البغدادي، هذا المتحف الذي عمل فيه ثم اصبح مديره. ويسجل للمرحوم علاء بانه هو من جعل منه موقعًا جاذبًا للمهتمين بتراث بغداد وتاريخها بعد نظمه ووسعه حتى اصبح قبلة للبغداديين وللزوار الأجانب، وظل مشرفًا عليه حتى إحالته على التقاعد.
لقد كان علاء الشبلي صاحب نكتة وظريف رغم كل ما يمر به. ومن اطرف ما أتذكره عنه هو ما حدثني به الاخ عصام في احد الأيام. فقال لي:

(اليوم كاد علاء ان يتسبب لنا بمصيبة كبيرة كان يمكن ان لا تحمد عقباها. فكلنا نعرف ان علاء كان يمتلك قردا اسماه (فوزي)، وانه كان يعتز به جدا ويكثر من الحديث عنه. واليوم ( والذي صادف يوم الإعلان عن وفاة ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث) دخل علينا علاء ونحن مجتمعون في دائرة التصميم الأساسي وهو مكتئب وقال اخوان عزوني لقد مات فوزي)، ويضيف الاخ عصام ان الحاضرين حاروا ماذا يفعلون، وبدأوا يتطافرون كل واحد باتجاه وهم لا يستطيعون كتم ضحكاتهم خوفا من ان يسمعهم او يراهم احد من الحزبيين المتزمتين). ثم علموا منه بعد ذلك ان قرده فوزي قد مات فعلًا ذلك اليوم.

       

انقطعت اخبار المرحوم علاء عني بعد ان غادرت العراق عام ٢٠١٠، وكنت اسأل عنه الاخ عصام بين الآونة والأخرى. وعندما سمعت بخبر وفاته (كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٥) اتصلت بالأخ عصام معزيا. وبعد فترة أخبرني بقصة مؤلمة، حيث قال لي ان المرحوم أخذ مجموعة كبيرة من لوحاته (حوالي ٤٥ لوحة) الى الولايات المتحدة لغرض عرضها في معرض خاص به، بعد ان وجد ان هناك العديد من المعجبين بفنه من الجالية العراقية. الا انه وبعد وصوله إلى هناك تدهورت صحته فقرر ان يعود الى العراق ليكون مع أهله، وترك لوحاته مع عائلة كان يعتبرها من أصدقاءه (كانوا من جيرانه القدامى في منطقة العلوية). ولم يمهله الأجل كثيرا بعد عودته حيث انتقل الى رحمة الله. وعندما حاولت عائلته معرفة مصير لوحاته، أنكرت العائلة التي أودع اللوحات عندها اي علم بها، وهكذا ذهب جهد هذا الفنان سدًا. لقد جاهد علاء طوال حياته في ان يحافظ على تراث بغداد بكل ما اوتي من جهد وإخلاص، الا انه مع الأسف لم يوفق في العثور على من يصون تراثه. رحم الله الأخ المرحوم علاء الشبلي، الفنان الكبير والإنسان الطيب والشهم والبغدادي الأصيل. وستبقى ذكراه باقية دائما في قلوب أهله وأصدقائه والمعجبين بفنه وطالما بقيت لوحاته تزين جداران محبي فنه الجميل.

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

601 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع