ريتا يمين عبر المرئي والمتخيل: طرقت باب القدر ففتحت لي قصيدتي

  

 ريتا يمين عبر المرئي والمتخيل: طرقت باب القدر ففتحت لي قصيدتي

  

ايلاف/عبدالله السمطي:تزجي الشاعرة ريتا بدوي يمّين علاقة دلالية بين القدر والقصيدة، كأن القصيدة لا تصاغ إلا بهذه العلاقة الخفية تخييلا، وحدسًا، وتفكيرًا. فالقصيدة عالم يتشكل، وفضاء تسبح فيه الكلمات، ولكن هي كلمات مقتطفة، نورانية، وإشراقية. هي كلمات تصاغ بعد تأمل، وانفعال، واستدعاء الوعي لوعيه الآخر.
هكذا تعنونُ الشاعرة ديوانها بجملة طويلة:" طرقتُ باب القدر ففتحتْ لي قصيدتي " ( المؤلفة، زغرتا، لبنان) . القدر قدر جمالي، هو متنوع بحيث يستجيب في شموله لللا مرئي، للمخايل والمتخيل معا. التسمية أفق تفتحه الشاعرة لكي تستقبلها القصيدة التي تفتح لها عوالمها وفضاءاتها.
يتشكل الديوان من (132) نصًّا قصيرًا تتوزع فعليا على (125) صفحة في الصفحات ما بين (11-136) فيما يقع الديوان بوصفه كلًّا في 144 صفحة، يحتوي على مقدمة نقدية كتبها الشاعر ميشال مرقص، وكلمات ختامية كتبها كل من: أسعد مكاري، وقيصر مخائيل، وجوني شباط،
ونصوص الديوان قصيرة ، أحيانا تقل إلى سطرين فقط، وتصل في طولها إلى صفحة والنصف صفحة، لكن القصر والرؤية الومضية الفلاشية هي الغالبة على نصوص الديوان، وهذا يؤذن بأن تتكثف القراءة أكثر عبر دمجها بوعي النصوص نفسها، التي سيتبدى تجليها بشكل أوضح ربما لأنها تركز على دلالة واحدة، أو رؤية تختصر مسافات ومساقات من رؤى متعددة.
من أقصر النصوص نص:" حررني" :
فك قيودي أيها الزمن
لأتسلقك / ص 17
النص جملة واحدة، تعبيرة نثرية مكثفة. ومضة تقول بإيجازها، تذهب إلى البحث عن الحرية وفك القيود. وإذا كان النص بهذه الصورة فنحن حيال رؤية مبدئية تتجه صوب التجريد، والتكثيف، وكتابة الحذف، وهذا يستدعي ضغط العبارات والكلمات وقص الزوائد، فيما يستدعي أن تكون رؤية الشاعرة أكثر معرفية بما هو تثقيفي شعري من جهة، وبما هو راء بالتقنيات الإبداعية خاصة فيما يتعلق بالمفارقة، وأساليب التضاد، والوعي بتدرجات الصورة وسطوعها، لأن ما هو ومضي فلاشي يتطلب ذلك، لأنه كذلك يبحث عن الأثر لدى القارئ الذي سيصغي إلى دلالة كثيفة بأقل الكلمات، والذي سيستعيض هنا عن هذا الاستطراد والتطويل من أجل الإصغاء إلى جمل شعرية برقية. وهذا ما تذهب إليه الشاعرة في مختلف نصوصها.
شعرية التعريف:
تركز الشاعرة ريتا بدوي يمين في ديوانها:" طرقت باب القدر ففتحت لي قصيدتي" على التعريفات، التعريف بالذات، بالكتابة، بالشعر، بالقصيدة، بالهوية الدلالية التي تدرج فيها نصوصها، فتستهل ديوانها بنص:" أنا امرأة" ص.ص 11-12 وفيه تعريفات مقرونة بالأنا : " أنا امرأة رقيقة تلبسني الشهوة/ أنا من صخر من عشبة ندية/ أنا امرأة من غار لا تحب السقوط بالحب تغلب النسيان/ أنا روح تشرب اللهفة " . التعريفات كثيرة بالنص. كأنها تقدم هوية ما في بدء الديوان، وهذه الهوية تلوذ بالذات وتعدد مآثرها في حفاوة جمالية بالأشياء من حولها من جهة، وحفاوة بالداخلي الذي يشكل رؤيتها لهذه الأشياء من جهة ثانية.
وتمضي التعريفات في نصوص الديوان لتقدم لنا: حرية السؤال، والحفاوة بالعشق:
عاشقة أنا للدنيا
مليئة أنا بالجمال
وأنوثتي عطري / ص.ص 18-19
أو الشعور بغربة ما تتعلق بفهم النفس وأحوالها :" غريبة أنا حين لا أفهم نفسي، وأنا أعيش معها الدقائق والثواني "/ ص 28
ومن بين النصوص التعريفية لدى ريتا يمين نص بعنوان: عاشقة كلمات" / ص 47 تتصدره الأنا كعادة هذا النمط من النصوص:
أنا عاشقة كلمات
أكتبها أرسمها ألونها
أرى فيها وجه أمير
يسير في صفاء الليل
يخربش في أحلامي
يغير رسمي
الكتابة حين تتشكل تفتح آفاقا للتأمل فيما تفتح آفاقا للتداعي، الكتابة التي ترتسم على وجه الصفحة تثير المخيلة وتحفزها لإكمال ما تعد به أو تشرق/ ويتجلى السؤال: هل أكون عاشقة كلمات أم عاشقة لك ؟ هذه هي نهاية النص هنا بتساؤل يقرن الكتابة بالحب.
وفي نص: " هو الحب" تعريف بالحب ، هذا الحب الساهر الذي لا يتعب ولا يمل:
يتناوب الضوء والظلام في سحبي
يتبادلان الأزمنة والأمكنة عند التعب
أما حبي
فلا يتعب ولا ينام
يبقى الساهر في حدود أفقي
حتى أدغدغ حواسه في الصباح / ص 62
وكذلك تطل التعريفية من نصوص :" الحب وأضداده" و" رجل البلور"
وربما تسعى الذات الشاعرة في تعريفية غير مباشرة للانعتاق وتبحث عن الحرية :" يا أسوار نفسي انتفضي. حطمي القيد والتقليد. ابتسمي للمحيط للفضاء أبحري في سماء الحريات ولا تخافي" / ص 90
وتتعدد دلالات التعريف بنصوص الديوان، وتتسمى، تقترب من الذات أكثر وتعي شجونها التي تعبر عن لحظة الآن، عن رؤية تفكر في اللحظة في الواقع الراهن، تعصرنُ اللحظة لا تستدعي أو تتناص بل تعبر عن مواقيتها لتشرق أكثر .

قراءة الداخل:
تتساءل ريتا يمين في نص لها بعنوان:" محجوب" :
هل إذا كتبت المرأة إحساسها
ظن البعض أنه أصبح بمتناول الجميع؟ / ص 44
المرأة تكتب إحساسها لتطهر ذاتها، وروحها. إنها تبحث عن أفق لاستيلاد طاقة ألم أو فرح مشحونة في عمق الذات، وكتابتها هنا ربما لتقرأ نفسها ووعيها الداخلي الباطني، أو لتفكر بصخب الكتابة أو صمتها، أو ترى لقسمات قلبها ووعيها وذهنا وحدسها. هذه ربما هي كتابة ما تريد قوله ريتا يمين. فالإحساس الذي تظهر فيه كتابتها ليس في متناول الجميع بالضرورة هو إحساسها الخاص ، على الرغم من قوله أو البوح به. هي تنقل صورة، وإطاراتها بيدها هي ليس بيد القراء بالضرورة.
هي تعرف أين تعلقها، وأين تنقلها، وهل تكشف كل صورتها أم أجزاء منها.
وعبر هذا اليقين نحن حيال كشف دائم في عدد من النصوص عن تموجات الذات الداخلية، حتى عبر تأملاتها في المكان أو الزمان، هي تجترح جوانيتها دائما التي قد تقودنا إلى حزن ورحيل ، كما في : " وداع أليم " :
أقف في الساحة الكبرى
دمع العين يحجب نظري
ما عدتُ أرى الأفق حيث تشرق الشمس
ولا وجه النور حيث يجلس العاشقون
ما عدت أرى سماء إهدن بيضاء
ولا حقولها مثمرة خضراء
كل ما أراه
رحيل السنونو / ص 42
ومع هذا الرحيل لمشهد جمالي ما يرتبط بمدينة الشاعرة ( إهدن) ، هناك ما يكفي من الألم للتعبير الجماعي عنه:
دسنا على الألم
لم نترك حاجزا لم نقطعه
فانتصرنا / ص 44
الشاعرة تقرأ داخلها، وتقرأ مخيلة الوعي والذهن معا، في نصوص وتعبيرات كثيرة. وهذا الداخل مرده أنها تهتم بذاتها أكثر بشكل تعريفي أحيانا كما رأينا، أم بشكل استبطاني يتدخل فيه التعبير عن الداخل أو التعبير بالحلم أو التعبير بالإفضاء.
الإيروسيّ و الحلميّ:
يشكل الأفق الإيروسي جانبا من جوانب الكتابة أحيانا، لدى ريتا يمين ، حيث تنبث جملة من التعبيرات التي تصعد بهذا الأفق إلى حالته الرومانتيكية لا الغريزية، مكملة في أجوائها ظلالا من ظلال حالة الذات الباحثة عن آخر رومانتيكي كذلك، ففي تعبيرات مثل:" وإذا بحرارة يديه على جسدي تشعل في نارًا خامدةً غمرها النسيان" / ص 45 و" كل ما فيّ يدور في فلكه . يريده . يشتهيه. ينطق بأحاسيس امرأة، وإذا به يمسك وجهي فتسافر نظراته في عيني . يلامس وجنتيّ . يلتصق بشفتي " / ص 46
" أبسط أشعتي كي تتسلل إلى جسدك التعب. تبعث فيه حرارة أنفاسي . تدغدغك بلغة أشواقي " / ص 49 " قبلني قبلات رقيقة هادئة تشعل غربة لهفتي إليك" / ص 50
وقد يتحول الإيروسي إلى تعبير مباشر كما في نص:" فُكَّ عريي" :
فكّ عريي
بشوقك الغامر
ودع مساماتي
تتنفس لونك وجنسك
لا بأس أن استحي
عطّرُ أحاسيسي
وتقوقعَ في مغاور الارتباك" / ص 65
وتتكرر مثل هذه التعبيرات التي تشكل أفقا إيروسيا رومانتيكيا لدى الشاعرة في نصوص عدة منها:" يقظة جسد" و" صعب ألا أغار" و " كف عن " و" ابق في حلمي" و" حوار جسدين" . وهي بذلك لا تقترب من الإيروسي الحسي إلا لتجمله تعطيه فيضا من المشاعر والعواطف الروحية، ليصبح أكثر إنسانية وأكثر عمقا في ابتكار لحظات الوجدان الرومانتيكي .
ويشكل الحلم مدارًا دلاليا من مدارات نصوص الديوان. الحلم الرومانتيكي الذي تجدلُ فيه الذات المؤنثة رؤاها، كما في تصوير الحلم في :" رحل حلمي عند الصباح" / ص 105
أوصلني طريق الحب إلى اللا عودة
إليك أنت
يا رجلا طبعته أحلامي
بأسلوب الشعر الحديث
المحلق بالمدى
إلى أقصى حدود الغياب / ص 30
ومن تنوعات الديوان كذلك اهتمام الشاعرة بالرؤية الوطنية التي تبثها في نصوص مثل: " حرب كافرة" / ص 75 و " أياد من حولي " / ص 87
" أشتاقك يا وطني " / ص 96 " قسم شهيد" / ص 97 " إهدن" بلدة بلبنان، والهاجس الوطني هاجس يحتفي بالجماليات لا بالبحث عن التغيير أو الثورة أو الرفض والتمرد. الهاجس الوطني لوحات أماكن، وصور جمالية مشرقة، تعبر عن الاشتياق والحنين والأنس إلى المكان.
وربما توجد بعض الأخطاء النحوية ببعض النصوص مثل:" عيناي تشرب من نظراتك وتتباهى ببريق اخضرارها " تشربان وتتباهيان / ص 100 لكن الشاعرة تدهشنا بتميز بعض النصوص فنيا مثل: " خجل الورد" / ص 93 " وعد" / ص94 " خطواتك بين سطوري " / ص 102
وتختتم الشاعرة ديوانها بنص بعنوان:" البداية" كأن كل ما تم تقديمه من نصوص سابقة هو بمثابة الطريق إلى البداية، كأنها تجدد نفسها بكل بدء، وتجدد رؤاها الشعرية ، وأن ما كتبته هو تمارين للبدء كما تقول في النص :
ها إني أتمرن وراء الكواليس
أن أكون سعيدة أن أمتحن الوقت
أن أتذوق طعم الحب
ولو رحلت قبل ذلك
لأسدلت الستارة
على روح تئن
ولما افتُتحت المسرحية. / ص 136
نصوص ريتا يمين نصوص تقل قارئها إلى وجدانات، وإلى إشراقات حلمية ورومانتيكية وإيروسية، جنبا إلى جنب مع تعبيرات عن الأمكنة ولحظات الذكرى والتشوفات المشهدية النابعة من اللحظة المعاصرة ومن الأشياء المرئية أو المتخيلة.

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

934 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع