الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - لغة العيون .. قصة قصيرة بقلم/ جلال چرمگا

لغة العيون .. قصة قصيرة بقلم/ جلال چرمگا

                    

                      لغـــة العيــــون

                           

           

    
 بالرغم من كونه فناناً وأختلاطه الكثير مع الناس وعلى الاكثر مع الجنس الاخر الا أنه لم يخطر بباله أن هنالك شيئاً أسمه ( الحب من النظرة الاولى ) كان رأي الفنان التشكيلي ( جان ) أن الفتاة يجب أن تمر بعدة تجارب قبل أن تصبح حبيبة وتدخل الى القلب من الباب الواسع !! كان عنيداً جداً في هذه المسألة .. لا يتنازل عن رأيه حتى مع زميلاته أثناء الدراسة والعمل معاً ..

كان له رأي ثابت بل قاعدة ثابتة تقول :-
- أن الإمرأة كالفاكهة لا يمكن ان تحكم على جودتها من مظهرها بل يجب أن تقلبها يميناً ويساراً وبالتالي تنظر اليها جيداً ومن ثم تشمها وأخيراً تقرر هل هي صالحة أم لا ..؟
أن الذي أسمعه من شباب هذا الوقت هراء !! كيف يمكن لإمرأة أن تدخل قلبك خلال يومين أو ثلاثة .. هذه قاعدة مغلوطة مئة في المئة!! .

                      

حتى هو جهل السبب .. كيف أحس بأنها من الجنس اللطيف .. عندما لمست يده اليسرى المكبلة بالحديد اليد اليمنى لشخص أخر وهو معصوب العينين علم بأنها فتاة وأية فتاة أنها آية من الجمال!.. حبس أنفاسه تقرب منها أكثر حتى بات كتفه الايسر ينطبق تماماً مع كتفها الايمن التي كانت اقصر بأصبعين أو أكثر .. لقد شعر بأرتياح شديد .. وأخيراً بعد سنة من ( الحبس الانفرادي ) يلامس جسمه جسم إمرأة .. أجل والله أنها إمرأة .. وكل الدلائل والاحاسيس تقول بأنها جميلة .. جميلة جداً .
التعليمات في مثل هذه الحالات صريحة جداً كل السجناء يعرفونها جيداً .. عدم المحاولة بأزاحة القناع الموضوع على العينين .. عدم التكلم مع الشخص الاخر مهما كانت الاسباب .. عدم توجيه الاسئلة الى الحرس الذين يرافقون المتهمين الى المحاكم أطلاقاً .. أية محاولة لخرق هذه الضوابط تكون نتائجها وخيمة جداً !!.
أنطلقت السيارة المغلقة ببطئ .. وهما في الحوض الخلفي فيها بينهم وبين الحرس نافذة مستطيلة .. سيارة حديثة كانت تعود الى السنة السابقة الا أن كثرة أستعمالها من قبل أكثر من شخص كانت تبدو كأن عمرها عشرات السنوات ..

في الطريق المؤدي الى المحكمة العسكرية التي كانت تبعد أكثر من عشرة كيلومترات أستطاع ( جان ) بعدة حركات من رأسه وحواجبه أن يحرك ذلك القناع الى الاعلى وينظر الى وجه هذه الامرأة التي تجلس بجانبه فأذا هي الاخرى قد عملت نفس الشئ وتحاول أن ترى وجه ( جان ) وتتفحصه جيداً .. دون وعي نظر اليها تماماً وخلال ثواني معدودة أنطلقت من شفتيه عدة جمل أهمها :-
- يا الهي كم انت جميلة ..؟ من اين انت ..؟ وما اسمك ..؟
نظراتها هي الاخرى كانت كلها اعجاب واسئلة واستفسارات ان عيونها تتكلم.. وهل توجد لغة اجمل من (لغة العيون) ..؟
- شكرا ياصديقي .. انا من العاصمة.. اسمي (كلوريا) .. وانت ..؟؟
- انا (جان) .. من الجنوب.. اعمل رساما في البلدة.. لدي مرسم كبير ..رسوماتي تملأ البلاد.. و
- صحيح يا (جان) .. انك لاتحتاج الى تعريف .. انك مفخرة للوطن .. ولكن قد تغيرت كثيرا..
كان سائق السيارة والحارس المرافق لهما منهمكين بالحديث والتدخين والاستماع الى حفلة موسيقية صاخبة من المذياع دون الانتباه الى حديث الاثنين.

  

- ماهي تهمتك يا (جان)..؟
- تهمتي كبيرة سببها لوحة.. رسمتها بناءا على طلب احد اصحاب الملاهي الليلية اللوحة عبارة عن حفلة موسيقية راقصة .. فيها مجموعة من النساء الجميلات يؤدين رقصة مشتركة مع عدد من الرجال.. المصيبة ان وجه احدى الراقصات تشبه وجه (الملكة) لقد وجهت الى اللوحة عدة انتقادات اهمها ان الثوب الذي ترتديه شبيهة (الملكة) لايليق بمكانتها .. وان حركة الراقصة وفتحة سيقانها حركة فيها الكثير من الخلاعة مما يقلل من هيبة ومكانة وعظمة الملكة شخصيا .. لذلك اقتادوني الى ذلك المكان المظلم منذ اكثر من سنة .. وانت ..؟

                             


- انا لدي صالون حلاقة .. لقد طلبت مني احدى الزبونات ان اعمل لها تسريحة شبيهة بتسريحة (الملكة) التي ظهرت بها خلال حفلة عيد ميلادها ما ان عملت لها اللازم حتى اقتادوني بتهمة عمل تسريحات شبيهة بتسريحات (الملكة) لقد تبين فيما بعد ان تلك الزبونة هي احدى خادمات القصر!!.. وها انا هنا منذ اكثر من ثمانية اشهر تعرضت الى التحقيق والاستجواب اكثر من عشرات المرات.
وهكذا علم كل من (جان) و (كلوريا) بان تهمتهم هي واحدة وقضيتهم مشتركة لذلك سيحاكمون سويا ..... بعد صمت دام عدة ثوان.
- اذا اطلق سراحنا .. هل ساراك يا جان ..؟
- اجل .. اجل .. سازورك .. ساخذك الى المرسم .. وسارسمك رسما يليق بكِ .. سالبسكِ فستانا كفساتين الاميرات .. واضع على راسك وفي معصمك اجود واثمن انواع المجوهرات والعقيق..و......
- الاتخاف من المسائلة القانونية ..؟
- كلا .. كلا ..سأطلب يدك .. ستصبحين زوجة لي .. شريكة حياتي .. حبيبتي .. لقد احببتك ياكلوريا .. احببتك من كل قلبي .. لقد صدق من قال هنالك حب من النظرة الاولى ..!! ماذا تقولين انت ياكلوريا ..؟

ضحكت كلوريا بصمت .. وعيونها الجميلة التي تشبه الشهد الصافي تقولان :
- احبك يا جان .. احبك .. ساصبح زوجتك .. ام  اولادك .. سانجب لك اكبر عدد من الاولاد .. بعد الزواج سنهاجر من هذا البلد .. سنذهب الى بلد يقدرون فيها الفن الاصيل .. الفنان المبدع .. نعمل بكل حرية ..بالله عليك يا (جان) ارسمني وانا ارتدي فستان العرس .. واحمل بيدي باقة ورد من ورود بلادي.. لاتنس ياجان فانا احب الورود (الاحمر - الاصفر - البنفسجي) .. هل توافق يا عزيزي جان..؟

بدون وعي دون ان يعلم اين هو ..؟ صاح باعلى صوته :
- اجل .. كل الذي تطلبينه هي بمثابة اوامر لي يا صاحبة الجلالة !!!
ما ان سمع الحرس هذا الكلام حتى توقفا واعيد الاثنان الى زنزانتهما ليقدما الى المحكمة بتهمة جديدة وهي ان الاثنين (الرسام والحلاقة) لهما علاقة وطيدة قبل ان يسجنا وان عملهما - اللوحة والتسريحة - التي مست (الملكة) هي خطة اتفق عليها الاثنان لجرح كرامة (الملكة) بل والعائلة المالكة بأسرها .. وبالتالي كيف يتجرأ هذا الفنان أن ينادي انسانة عادية بـ(صاحبة الجلالة؟).
لذلك قررت المحكمة بعد ادلاء الاثنين (الحرس والسائق) بشهادتهما ان يحكما بالسجن مدى الحياة!!!..
عاشت العدالة !!..

               

الغريب في هذه القصة .. عدم وجود( ملكة) في بلداننا!! .. ياترى هل يقصد الكاتب ملوك ورؤساء وأمراء..؟؟؟!

العلم عند الله وعند الكاتب!!!
 تموز / 1996
جلال چرمگا

                

للراغبين الإطلاع على القصة السابقة( حب في المترو) النقر على الرابط أدناه:

http://www.algardenia.com/thaqafawaadab/2996-2013-02-05-13-27-54.html

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

637 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع