هدى الدغاري: سبابتي ترسل نيرانًا خافتة بين الرومانتيكي والإيروتيكي

            


هدى الدغاري: سبابتي ترسل نيرانًا خافتة بين الرومانتيكي والإيروتيكي

   
ايلاف/عبدالله السمطي:الحبُّ هو الدالة الجوهرية التي تدور حولها نصوص ديوان الشاعرة التونسية هدى الدغاري:" سبابتي ترسل نيرانًا خافتة" ( الدار التونسية للكتاب، تونس، الطبعة الأولى 2017 ) وهو حب يكاد أن يفارق قيمته المعنوية المعهودة ليتسلل للإيروتيكي حينا، أو يراقب صورة الحياة والوجود حينا آخر، أو يتغلغل في عمق الذات أحيانا أخرى.

وتستهلُّ الشاعرة هدى الدغاري ديوانها بالرؤية، وهي رؤية شعرية على اليقين، وحين ترى الشاعرة فإن ثمة تشكيلا أوليا يبوح بمشاهده، فالرؤية قرين المشهد، ومقدرة الشاعرة أن تسطّر أركان هذا المشهد بجمالية تعبيرية ما، وهنا يتسنى لنا أن نعثر على البعد القيمي لهذا المشهد من جهة، والمدى الإبداعي الذي يحققه، كما نصل إلى البعد التأويلي الذي يحدثه أثر المشهد وكيفية تلقيه عند القراءة. من جهة ثانية.
هدى الدغاري تقول في مستهل ديوانها، من نص:" أتعثر في شؤون السماء" :
أرى السّماء حلبةَ رقصٍ معلَّقة،
أرى السّحابَ جليداً للتزلّج،
أرى الشّمسَ راقصةً من جمْر،
وما الرّيح إلا همْسي الجديد في ثنايا اللغة...
الرؤية هنا تتبصر بالأعلى، بالمطلق المتتالي: السماء، السحاب، الشمس، الريح. في تشكيل وصفي متتابع يحقق قدرا من استشعار الصورة النابضة لتسميات متتالية. الكبير يتعالق بالصغير: السماء: حلبة رقص، الشمس راقصة من جمر، السحاب جليد، الريح همس في ثنايا اللغة. بأربع صور متقاربة تستهل هدى الدغاري لتقول للقراءة بدءا : إنها الصورة المشهدية هي عنصري الجمالي الأول الذي أركز عليه في النصوص. ستقول ذلك بالتأكيد بشكل ضمني. وهي بعد الرؤية تنتهي للأسئلة بعد أن يتضح أن الخطاب موجه للآخر، في بعد رومانتيكي شفيف يقود لبعد إيروتيكي، حين تتساءل الشاعرة بنهاية النص:
هل يُمكن أن أنغرس شجرة في كفّك؟
هل يمكن أن أكون أنا التراب؟
حالئذ تتحدد هوية دلالية وتعبيرية للديوان، تتسمى في :" الآخر" وفي اتشاح النصوص الشعرية ببعدين: رومانتيكي وإيروتيكي.

بين الرومانتيكي والإيروتيكي:
حين تكتب الشاعرة عما هو إيروتيكي في فضاء مشحون بذاكرة مترعة بضد ما هو أنثوي، وفي فضاء يمارس وصايته على المرأة، فإننا – ربما – نسمُ هذه الكتابة بالجرأة، والوقوف ضد سياقات هذه الذاكرة وضد مسلماتها.
بيد أن هذه النظرة ربما غدت نظرة كلاسيكية، لم تعد لها وجاهتها كما كانت من قبل، فالمرأة اليوم تكتب ذاتها، بكل ما في هذه الذات من نزق، ربما اختبأت المرأة كثيرا تحت ظلال الرجل، وبدأت كتابتها في التجلي بخجل، فأضاءت بعض الرؤى الرومانتيكية أو الاجتماعية أو الواقعية، كما نجد في بدايات القرن العشرين حتى عصر ما بعد الاستعمار، واليوم المرأة أكثر تحديا للواقع حين تكتب ذاتها، وحين تعبر عن أشواقها، وتطلعاتها في الحياة بعيدا عن سطوة الرجل وفحولته، وتسلطه المصطنع. المرأة اليوم حتى لو كتبت عن الإيروتيكي تعبر ببداهة عن أنثوية كلماتها، وعما يمكن أن يظلل العالم بمواجيدها، فالمرأة ليست مجرد جسد أو مجرد شهوة أو نزوة عابرة . هي إحساس يفكر ويكتب ويرى ويعشق ويحس، ولا مجال للكتمان بعد ذلك.
و تظلل الشاعرة التونسية هدى الدغاري هذه الرؤى فتكتبها رمزيا أحيانا، وتكتبها بفضاء رومانسي أحيانا أخرى، لكنها على الأغلب تضيء ذاتها بنزق وجموح وعرامة كلمات. هكذا حين نقرأ هدى الدغاري إنما نقرأ تفاصيل حياتها كشاعرة لها شخصيتها ولها حضورها التعبيري.
وقد أصدرت هدى الدغاري من قبل ديوانيها:" لكل شهوة قطاف" و" ما يجعل الحب ساقا على ساق" متضمنين جملة من النصوص الشعرية التي تذهب إلى مكاشفة الرومانسي والإيروتيكي، وإلى رسم العلاقات الجوانية بين الأنا والآخر، سواء حالمة، أم روحية، أم حسية، لكنها تصنع في التحليل الأخير قدرا من المساوقة الدلالية الشعرية في نتاجها الشعري، وفي تحديد رؤيتها الشعرية الدالة التي تترسم فيه بدأب تعميق رؤية العلاقة بين الأنا بكل مواجيدها ومتأملاتها، والآخر بكل أطيافه واستدعاءاته.
وفي ديوانها الثالث:" سبابتي ترسل نيرانا خافتة" تواصل هدى الدغاري رؤاها الشعرية المتعطشة إلى إبداع لحظتها كذات شاعرة لها كينونتها الرائية.
إن الشاعرة حين تمس الفضاء الإيروتيكي لا تمسه من أجل إثارة القارئ المشبع بثقافة مكبوتة، المشبع بذهنية التحليل والتحريم، لكنها تسعى إلى استقصاء ما في عمق اللذة، وأثرها الحسي والروحي معا من وجهة جمالية، وإلا لن تقف اللغة حائلا أمام ما يمكن أن يقال حسيًّا. اللغة الحسية في القصيدة بمثابة بحث عن وصف جمالي لعلاقة وجدانية حميمة، لاكتشاف طرفي التلاقي الإنساني حين تجدلهما علاقة ما.
كما يبرز نص :" أحبه أكثر" – تمثيلا - هذه العلاقة الإيروتيكية بين طرفي الحب حيث ترصدها الشاعرة بدأب، داخلة إلى خصوصيات عاطفية لا تنقب عن الإثارة قدر ما تنقب عن فعل الحب ذاته:
أحبّه، عندما يقترب منّي أكثر،
أحبّه أكثر،
أتهيّأ،
ليقشّرني مثل تفّاحة نضرة،
أنزلق بين أصابعه كرغوة شامبو،
أدير له ظهري،
يأتيني من خلْف،
أضحك،
وتضحكني فرقعة إصبعيْه عليَّ!
كيف أجعل الحبَّ هذه الليلة،
جناحيْ فراشة؛
أتمرّغ في الألوان،
أحوّل الأصفر إلى رافعة نهديْن،
ركبتايَ تُشعّان،
بيني وبينك لحافٌ أزرق،
لاتنسَ،
وأنت تشيحُ اللحاف،
أن تخلع الأحمر... عني.
أحبّك
أحبّك الليلة أكثر!
أنا الآن أتنفسك مغمضة العيْنين،
أحبسك في رئتيَّ،
طويلاً،
طويلاَ.
أحبّك
أحبّك الليلة أكثر،
وأكثر!
ومن التعبيرات الشعرية التي توطد علاقة التماهي بين الأنا والآخر من وجهة عاطفية وجدانية وربما إيروتيكية، تنتظم في نصوص الشاعرة جملة من التعبيرات منها:
-أبحثُ عني فيكَ
تجيئني الرياح بكل ما مضى بك، وما مضى فيك... / ص 11
-أهجسُ بالموت بين يديك:
تعال نجعل من الموت.. مزحة المحبين / ص 26
-أنا الآن أتنفسك مغمضة العينين
أحبسك في رئتي. / ص 62
وتجدل بعض النصوص أطراف هذه العلاقة مرتكزة على بعد إيروتيكي جلي كما في نص:" أصابعك في تربتي" ونص :" رعشة في الخاصرة " و" أحبه أكثر" و " سبابتي ترسل نيرانا خافتة" و" ماء " " هي داؤك ودواؤك" و " ليلة ماطرة" حيث تصور وبشكل رمزي بالطبع جملة من المشاهد التي يحضر فيها هذا البعد :" حبات ثلج أنا، متدحرجة من أعلى أنفك إلى شفتيك، لا تمتصني دفعة واحدة، رشفني قليلا قليلا، أرحني مرة على صدرك قبل أن تقبلني مرات .. على الحرير" / ص 40
سردي ووصفي:
تستثمر الشاعرة آليات السردي و الوصفيّ في القصيدة بشكل ملحوظ، كما في نصوص: في رحلة قد تطول، سروع شائكة، ، في الضفة الأخرى طفل يتوسد الموجة، الحب، ( الحب محاذاة للموت، بصيص مختلج في بركة ثلج، صلصلة في بئرعميقة، ورنين مكتوم في آخر القاع" / ص.ص 12-13
وهو استثمار يعانق بشكل تقني محددات السرد، والتركيز على الجمل الحاكية المكثفة حسب ما يتطلب النص الشعري من كثافة، خاصة حين تعبر عن أجواء الطبيعة والقرية، وعن مشاهد الحقول والفلاحات، لاقطة بشكل بصري جملة من المشاهد الت تحيل إلى شعرية سردية ووصفية معا.
وكما تحدد الشاعرة ألوان الحب في نص: " للحب روائح متعددة" فإنها تحدد ألوانا من القصائد في نص:" اختلاس" :
ثمة قصيدة مثل زريبة ماعز
ثمة قصيدة مثل حملة صيد بكلاب نابحة
ثمة قصيدة مثل عش خطاف في زاوية بيت
ثمة قصيدة مثل بيوت حمام زاجل / ص 30
ويحضر الوصفي في الديوان بشكل كثيف :" في رحلة قد تطول" : ( عن الحياة) ونص آخر عن الحياة ( الشيء وضده) ص 42
ساحة ضيقة
صياح وجلبة
حوانيت واطئة
وسقوف منحنية الظهر ... إلخ ص 23
وفي نص:" سروع شائكة" ص 27 ونص ( مشهد ليلي) ص 46 نعثر على نماذج دالة على بنية النصوص التي تستهل بما هو وصفي بجمل اسمية متتالية. وكذلك في نص ( الحب) ص 58 ونص :" غرفة بلا سقف" / ص 105
زجاج ملوّن،
ستائر داكنة،
سرير يعْوي،
تحت جسديْن في شهوة ضاربة!
غرفة بلا سقف،
سماء خفيضة،
تلامس أصابع أقدام عارية:
طرْق خفيف على الباب...
في شعر هدى الدغاري تتوارد الكلمات مشكلة فضاء خاصا بها حيث تتجمع في أفق ذاتي ترصد فيه الأنا كينونتها وجواهرها. الشاعرة قلقة، ضجرة، الشاعرة متقلبة، لكنها تتماهى ورؤيتها الجمالية الضافية. وفي ظل هذا الوعي الدلالي تغير الشاعرة من الشكل الطباعي لنصوصها في عدد من النصوص، بحيث تتحول إلى صيغة نثرية سردية مكتملة، بدلا من تقطيع الأسطر إلى جمل صغيرة وكلمات مفردة كما في بقية الديوان، وهنا تطول العبارات الشعرية ويسترسل التعبير الدلالي ليقترب أكثر من حواف النثر السردي الذي يتشعرن أحيانا في عدد من الجمل، تفعل الشاعرة ذلك في نصوص :" حينما أحببته" / ص 108، وفي نص:" الحب يعرف كيف يجيء بلا استئذان" / ص 109 ، الذي تقول فيه الشاعرة:
" لا تطرُقْ بابَ الحبّ كثيرا، ولا تُلحَّ في الأمر، الحبّ يأتي متى يشاء، أوّل العمر أو آخره، سيّان أنْ ينبت في قلبك مع أولى بذور الشباب على وجهك الطريّ، مع بداية استدارة النهود على جسد الصبايا، أو مع رشحات البرد وأوجاع المفاصل في بدايات خريف العمر، أو صيفه، لاشي يمنع الحب من المجئ حتى خطوط الطول والعرض على وجه سيدة شاحبة، حتى جلستك الطويلة على كرسي متحرك، قبالة البحر بظهر منحنٍ، قد يجيئك الحب مهرولاً في بيجامة نومٍ أو مهرّباً في انكسار موجةٍ تحت قدميك. لا تثقْ في حكايات الحبّ في السينما، الحب لايأتي في علب "البنبون" فقط ،أو يقفز من القلب حين تفتح ورقاً يخفي هديّة! الحب قد يأتي في قطارات معبّأة بوجوه متعبة، أو مع عربة يجرّها رجل تعوّد جمع الخبز البائت في حاويات بلاستيكية... الحب المعتّق بالأشواق لا يحسن قول الحب ويعرف كيف يجيء بلا استئذان! "
إن هدى الدغاري تشتغل بدأب في ديوانها – وفي تجربتها بوصفها كلا – على يقين شعري مفاده : تحرر الذات الشاعرة وانطلاقها، والابتعاد عن الانضواء على الرؤى الذكورية ومحاصرتها الأنثى. الشاعرة تفكر شعريا دائما كيف تثري فضاء النسوية الشعرية برؤى خاصة بها، وبإحساس خاص بها، وبطريقة في التعبير تنسرب عبر حواسها هي، ومرئياتها وتطلعاتها للعالم فيما تراه. بيد أن هذا التصور الشعري هل يمكن أن يعطي خصوبته بمعزل عن التجربة الشعرية ككل التي لا تعزل الشعر بحسب الهوية الجنسية النوعية لكاتبه؟ إن قراءة هدى الدغاري بتأن وتأمل وتساؤل قد تقود إلى يقين ما وإلى تبصر حقيقي بالوعي الشعري وخطاباته المتعددة.

   

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

512 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع