الجنان الضريبية .. بالوعة غسيل أموال أثرياء العالم

       

                     عندما تفوح رائحة الفساد

العرب/لندن – بينما كانت الدول العظمى منشغلة بصراعاتها وتوسيع نفوذها عبر حروب انتشرت على رقعة واسعة من الأرض، بينها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فجر الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين في أبريل 2016 فضيحة مدوية عن الجنان الضريبية عبر نشر الآلاف من الوثائق تم تسريبها من مكتب المحاماة البنمي “موساك فونسيكا” الذي يعمل في مجال الخدمات القانونية.

ولكن، بتتبع محاولات الحكومات لتطويق ظاهرة الملاذات الضريبية (الأوفشور)، التي لطالما كانت حكرا على الجزر القريبة من النفوذ الأوروبي مثل جزر البهاما وجرسي والكايمان، التي كانت جزءا من مستعمرات سابقة، وما زالت مرتبطة عن كثب بالعواصم المالية والسياسية الكبرى، يتضح أن هناك المزيد من الأعمال التي يجب القيام بها في هذه المعركة.

ويرى البعض في موافقة جزر العذراء البريطانية وكايمان مؤخرا على وضع سجلات علنية للكشف عن ملاّك الشركات الوهمية مؤشرا على أن لندن تتحرّك باتّجاه تحسين الشفافية المرتبطة بمسألة الضرائب في أقاليم ما وراء البحار التابعة لها، رغم تأكيد ناشطين أنه ما زال أمامها الكثير مما يتوجب عمله.

وتعتقد نينكه بالسترا من مجموعة غلوبال وتسنيس بأن هذه الخطوة “جيدة” حيث كانوا يماطلون رغم أن الأمر كان ملزما قانونيا منذ العام 2018 حين نص تعديل أدخل على قانون بريطاني لمكافحة غسل الأموال على وجوب وضع أقاليم ما وراء البحار بما فيها برمودا وجيرزي وغيرنزي وجزيرة مان في سجلات عامة تحدد هويات الملاّك الفعليين للشركات الوهمية.

وتبدو مكافحة هذه الظاهرة صعبة للغاية فقد كشفت تسريبات بيانات ضخمة مؤخرا، بما فيها ملفات فنسن ووثائق بنما، أن الأرخبيل الواقع في الكاريبي عبارة عن مركز عالمي ضخم لغسيل الأموال والتهرب الضريبي، وفي ضوء ذلك اعتبر أليكس كوبهام من شبكة العدالة الضريبية العالمية للأبحاث والتحليلات أن لخطوة جزر العذراء تأثيرا محدودا.
وتحتل جزر العذراء البريطانية، حيث يعيش نحو 35 ألف شخص في منطقة تعادل مساحتها خمس مساحة لندن، المرتبة التاسعة في مؤشر الشبكة للسرية المالية والأولى على قائمته للملاذات الضريبية للشركات، حيث توجد تسع مناطق أخرى على شاكلتها وهي جزيرة باربادوس وبنما وجزر البهاما ودومينيكا وجزيرة نيفيس وجزر أنغيلا وكوستاريكا ومملكة بليز في أميركا الوسطى.

وذكرت شبكة العدالة الضريبية أن شطب جزر كايمان من القائمة الأوروبية للجنان الضريبية كان ثمرة الضغط الذي مارسته الجزر نفسها، ولكنها أكدتها أنها أقل لجهة تهريب عائدات الجرائم أو الفساد مما هو عليه لجهة زعزعة استقرار النظام المالي العالمي.

ومع ذلك، يبقى العالم يضم أكثر من 80 منطقة أوفشور، تمثل النعيم الضريبي للأثرياء، مقسمة إلى أربع مجموعات؛ الأولى منطقة الملاذات الأوروبية، والثانية منطقة الملاذات البريطانية، والثالثة المنطقة الأميركية، والرابعة أماكن هامشية غير مصنفة مثل الصومال وأوروغواي.

ورغم أنّ تلك الأماكن تعدّ ملاذات آمنة لإيداع أموال الأثرياء أو تلك الناتجة عن الفساد والجريمة المنظمة، حيث تضمن سرية المودِعين، ولا تكاد تُخضع أموالهم لضرائب تُذكر، إلاّ أنّ الواقع يؤكد أنّ تلك الملاذات نفسها لم تعد مقصورة على تلك الجزر فقط، بل أضحت موجودة في قلب العواصم الكبرى، مما أنتج خارطة عالمية معقدة لتلك المعاملات يصعب فكّ شفراتها.

وتظهر العديد من الدراسات والإحصائيات الدولية مجموعة من الأرقام التي تكشف الآفاق اللا محدودة لهذا العالم السري، فقد قدرت شبكة العدالة الضريبية في تقرير لعام 2020 حجم الثروات النازحة إلى 80 منطقة أوفشور بأنه يتراوح ما بين 21 تريليون دولار و32 تريليون دولار، وبالتالي فالأموال المستحقة ضريبيا على تلك الثروة تشكل ضعف المبلغ المطلوب للقضاء نهائيا على الفقر.

ويرى خبراء أن هذه الأرقام تمثل معضلة كبيرة للاقتصاد العالمي في ظل جائحة كورونا رغم ترسانة القوانين التي تتمتع بها أغلب دول العالم، لذلك فإن الضرورة تقتضي تعزيز هذه الترسانة من خلال التدقيق وسد الثغرات، وكذلك التعاون بين الدول لإحكام المنظومة المالية والتجارية بما يحول دون هذه العمليات.

ويخفي أثرياء العالم في بنوك الأوفشور أكثر من 1.5 تريليون دولار، وفق تقرير نشرته وكالة بلومبرغ في فبراير الماضي. ومن أشهر الوجوه التي تستخدم الأوفشور رئيس كوريا الشمالية كيم يونج – إيل، الذي أشارت تقارير من كوريا الجنوبية إلى أنه خبأ قرابة أربعة مليارات دولار في أوروبا من مبيعات التكنولوجيا النووية والمخدرات والاحتيالات التأمينية.

كما تفيد تقارير بأنّ عددا من رجال الأعمال في المنطقة العربية وخاصة في مصر، يلجؤون إلى ظاهرة الاستثمار السري الدائري وهناك اتهامات للعديد من رجال الأعمال المقربين من الأنظمة العربية التي سقطت خلال انتفاضات 2011، فضلا عن جماعة الإخوان المسلمين، باتباع أساليب الأوفشور، وإخفاء أموالهم.

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

555 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع