هل تنقذ صالات سينما السيارات ثقافتنا بعد أزمة كورونا؟

                

يشاهدون فيلم "غريس" في باحة "تايتانيك كورتر" ببلفاست في إيرلندا الشمالية (غيتي)

الأندبنديت:لم يكن الترفيه المتوفر للمشاهدين من داخل سياراتهم بهذه الجودة من قبل. قضى الناس في الدنمارك أسابيع وهم يستمتعون بأصوات المغنين وكتّاب الأغاني في مدارج المطارات.

تراقصت ساحات مرائب كاملة في ألمانيا على أنغام موسيقى تيكنو سريعة عُزفت على زمامير السيارات. وعندما أرادت ولاية تينيسي الأميركية أن يحسّ العاملون الرئيسون فيها بالتقدير، فعلت ذلك من خلال السماح لهم بالجلوس في خلفية شاحنة مفتوحة (بيك آب) ومشاهدة المغني كيث أوربان على أنغام موسيقى البانجو، في تجربة نأمل في أنها كانت ترفيهية أكثر مِمّا بدت.

وازدادت شعبية الحفلات الموسيقية والراقصة وصالات السينما التي تُشاهد من السيارات (درايف إن) في كل أنحاء العالم استجابة لصعوبة إحياء الفعاليات الثقافية مع قيود التباعد الاجتماعي.

والآن بدأت بريطانيا ركوب موجة شهدت على حديث بعض مالكي صالات سينما السيارات في الولايات المتحدة، عن قفزة بنسبة 95 في المئة تقريباً في أعمالهم. ولن نغفل عن ذكر أن ولع الألمانيين بالعروض السينمائية في مواقف السيارات دفعهم إلى افتتاح 30 صالة جديدة منذ بداية وباء فيروس كورونا، وحمل الإقبال الكبير بعض روّاد الكنيسة على المطالبة بخدمة خاصة باستخدام السيارات.

آلان كروفتون، مؤسس فعالية "آت ذا درايف إن" في المملكة المتحدة، وهي سينما على طراز أمريكانا القديم، وتقدّم أيضاً ألعاب بينغو من داخل المركبات وعروض ديسكو "كاريوكي" صامتة بواسطة السيارات، يقول: "بالتأكيد، ألهمنا نجاح صالات درايف إن في الخارج... أن السيارة تبدو كامتداد لمنزلك، بالتالي فهي تتيح للناس الخروج وهم يشعرون بالأمان... هذا سبب وجيه لانطلاق الكثير منها في المملكة المتحدة".

وخلال الأسابيع الأخيرة، أطلقت حوالى 10 فعاليات "درايف إن" على مستوى البلاد، حيث تدفع مبلغاً عن كل سيارة، وتركنها في مكان مخصص، ثم تُحوَّل الموسيقى إلى سيارتك عبر مكبّرات صوت لاسلكية أو تشغّل جهاز الراديو الخاص بك وتضبطه على محطة إف إم محدّدة. المحيّر في الأمر أن غالبية تلك الفعاليات تحمل أسماء متقاربة: "آت ذا درايف إن" على مستوى البلاد مختلف عن "درايف إن" في لندن. ولا تخلطوا بين "درايف إن كلوب" و "درايف إن فيلم كلوب" (وكلاهما موجود في لندن) أو "درايف إن إيفينتس" في يوركشاير. من الواضح أن المنافسة على الأسماء شديدة. "سرقت إحدى الشركات عنوان الموقع الإلكتروني الخاص بي، وسرقت روابط العناوين الإلكترونية وحساباتي على السوشيال ميديا"، هذا ما يقوله بريت فينسنت الذي يدير "درايف إن كلوب" ويزعم أنه تعرّض للخيانة من قبل أحد الشركاء الذين تعاون معهم لمرة واحدة بعدما أخرجوه من الشراكة وجهّزوا لفعالية خاصة بهم. ويضيف: "إنها منافسة محمومة بشدة".
ويبدأ الاختلاف بين تلك الشركات مع الترفيه الذي تقدمّه. وتلتزم غالبيتها بالأفلام البسيطة، التي تحتوي مواضيعها على لمسة من الغموض (مثل الأعمال التي كانت تُعرض في سينما الهواء الطلق في الستينيات أو عروض مكثفة لأفلام فترة الثمانينيات). لكن الآن، دخل إلى السباق مبتكرو عوالم التجارب السينمائية الغامرة التي تقدمها شركة "سيكريت سينما"، ويعدون بـ"تجارب درايف إن غامرة" مع "أداءات تفاعلية تسبق العروض" في حلبة غودوود في يوليو (تموز) الحالي. كما أن "درايف إن كلوب" ستذهب أبعد من ذلك، إذ ستدير سينما إلى جانب نادٍ كوميدي يمكن مشاهدته من السيارات، وتشمل جداولها عروضاً بما فيها أداءات كوميدية جماهيرية من قبل بيل بيلي وجيسون مانفورد.

تقول الكوميدية لويزا أوميلان، ضاحكةً: "بالتأكيد توجد على رأس قائمة العروض الأكثر عشوائية التي قدّمتُها على الإطلاق، الأمر ببساطة هو أن تذهب إلى موقف للسيارات، وتصرخ آملاً أن الناس سيعيرونك اهتمامهم"، وتتابع الفنانة التي ستقدم أحدث عرض لها تحت عنوان "الإله امرأة": "ليس لدي أدنى فكرة كيف سيكون الوضع، لن أكذب. لكن صالات درايف إن لطيفة جداً. هل سبق لك أن شاهدت فيلم غريز؟".

سيُشجَّع جمهور عرض أوميلان - وجمهور الحفلات كافة في "درايف إن كلوب" - على الجلوس خارج سياراتهم، وهي نصيحة يقول فينسنت إنها مبنية على إرشادات منظمة الصحة العالمية بأن "احتمال إصابة الناس بفيروس كورونا يكون أقلّ عند وجودهم في الخارج". لذا، يجب أن يكون هناك نوع من التفاعل ضمن تلك الأحداث بين الفنان الكوميدي والجمهور الذي يكمّل عادة عروض الـستاند أب. كما يسمح ذلك للشركة باستضافة عروض بمستوى تفاعلي كبير من قبل فنانين مثل شخصيَّتَيْ الدمى المتحركة باسل براش وراستاماوس.

يقول دومينيك وود الذي لعب في السابق بطولة مسلسل "ديك آند دوم" على شاشة سي بي بي سي للأطفال: "هذا سيفسح لنا المجال للتوسّع في أعمالنا كمقدّمي الترفيه".

بسبب عدم قدرتهم على أداء عروضهم الاعتيادية من خلال الوقوف على خشبة المسرح أمام الجمهور، فإنّ إعادة صياغة برنامجهم ليلائم صيغة عروض الـ"درايف إن" يعتمد على ألعاب تفاعلية مثل "الكاريوكي الذي يتضمّن شتائم مسموحة"، إذ يشارك الجمهور في المناداة بعبارات غير مهذبة (مثل سحاقيات أو أصحاب الرائحة النتنة) إلى جانب الكلاسيكيات المحبّبة. الممثل ريتشارد ماكورت، الذي يشاركه البطولة من خلال شخصية ديك، يقول ضاحكاً: "سيكون هناك أشخاص يُخرِجون رؤوسهم من نوافذ السيارات ويصرخون "سمجون"! بينما يستخدمون زمامير سياراتهم".

كما يحضّر الشيف توم كيريدج لنادٍ كوميدي يعتمد على المركبات برعاية الفنان الكوميدي مارك واتسون. إنه جزء من إعادة صياغة جولة "باب إن ذا بارك" التي يقدمها كيريدج، والتي منحت الناس في السابق فرصة الاستماع إلى الموسيقى و"تذوّق أطباق ابتكرها بعض أشهر الطهاة في العالم"، وتحمل الآن اسم "درايف آند داين ثياتر"، وتضمّ أفلاماً سينمائية وكوميديين و"طعاماً يحضّره توم كيريدج"، يتم توصيله في كيس بني اللون إلى المكان المخصص لوقوف سيارتك. بكل الأحوال، يقولون إنه يتوجب على الحضور البقاء داخل سياراتهم أثناء العروض "لتوفير بيئة آمنة"، على عكس "درايف إن كلوب". الأمر الذي يشهد محاولة حدثين كوميديين في صالات "درايف إن" للحفاظ على سلامة الناس من خلال القيام بأمرين متناقضين تماماً. والسبب في ذلك؟ عدم وجود إرشادات رسمية واضحة عن أفضل الممارسات.

"لماذا لا تتدخل الحكومة؟"، يتساءل فينسنت الذي أعدّ لفعاليته بغية إيجاد فرص توظيف للعاملين في مجال الفعاليات الحية، ووجد نفسه يُمضي أشهراً في محاولة لوضع تقييم مبني على مخاطر صالة "درايف إن". ويقول: "أحاول الاتصال بالحكومة منذ أسابيع، بوزارة الشؤون الرقمية والثقافية والإعلامية والرياضية ووزارة الصحة على حدّ سواء. يجب أن تكون هناك تشريعات لكيفية القيام بهذا".

بشكل أساسي، فإنّ صناعة "درايف إن" في المملكة المتحدة في عالم ما بعد كورونا ما زالت تتعلّم الحِرفة. تُنفق غالبيتها الكثير من الموارد على السلامة العامة: إذ تصرف "درايف إن كلوب" 1400 جنيه إسترليني يومياً على التعقيم فقط، وهناك تواصل منتظم بين "آت ذا درايف إن" والمجالس المحلية. لكن لم يسبق لأي من المنظمين تحضير فعالية خلال وباء، كما أن صالات "درايف إن"، كظاهرة، ما زالت جديدة على نطاق واسع بالنسبة إلى الأشخاص الذين يديرونها، حتى لو كان لديهم باع طويل في الفعاليات. وبحسب تعبير كروكستون، الذي ينظم عادة مهرجانات موسيقية أوروبية مثل سنوبوكس: "لو قلتَ لي في بداية السنة أننا سندير صالة سينما للسيارات، لما كنتُ سأصدق ذلك أبداً". أو كما يوضح ديك من مسلسل "ديك آند دوم": "سيكون الأمر غير عادي بالنسبة إلينا: لم نقدّم عرضنا إلى مجموعة من السيارات من قبل".

كما أن موسيقيين من مستوى رفيع على وشك خوض تلك التجربة، إذ أعلنت "لايف نايشن" عن سلسلة "لايف فروم ذا درايف إن" (إليكم اسم رائع آخر)، وهي مجموعة من الحفلات المخصّصة للحضور من السيارات على مستوى البلاد تسمح لكم باستخدام أضواء سياراتكم بصحبة مغني الراب ديزي راسكال أو مشاهدة فرقة "ذا لايتنينغ سيدز" لموسيقى الروك من خلف الزجاج الأمامي لسياراتكم. ويستضيف "درايف إن كلوب" عروضاً لمغنية موسيقى الغرايم "إم سي ليدي ليشر"، إلى جانب أمسيات موسيقية لفنانين مثل كريغ تشارلز من راديو 6 ميوزيك في بي بي سي. قد تبدو كطريقة ساكنة بشكل غريب للاستمتاع بالموسيقى الحية، لكن المنظمين يأملون في أن تثبت عاداتنا لاستخدام السيارات بأنها كتلك التي لدى الألمان.

يقول فينسنت: "يطلّ الناس في ألمانيا من سياراتهم أو يرقصون خارجها... إنهم يعتبرون الأمر كأمسية احتفالية مختلفة برفقة أصدقائهم الذين يستمتعون معهم".

على كل حال، لا تتوقّعوا استمرار هذه الظاهرة في نهاية المطاف، إذ لا يتوقّع أي من منظميها ذلك. يصفها كروكستون بـ"جسر العودة إلى الحياة الطبيعية في غضون ستة إلى ثمانية أشهر". ويقول فينسنت إنها "بديل مؤقت لمدة شهرين أو ثلاثة". يعمل كلاهما حالياً على وضع خطط جديدة بالكامل لكيفية تضخيم الفعاليات وتوسيعها مع تغيّر التشريعات. على أقلّ تقدير، هناك مشكلة كبيرة: ليس من الجيد أن تؤدّي موجة إعادة فتح الترفيه المباشر في المملكة المتحدة إلى حرمان الأشخاص الذين لا يملكون سيارات. يقول فينسنت: "أريدُ طريقة يستطيع الناس من خلالها الحضور من دون مركبة. حتى إنني تركتُ مساحة أمامية مخصّصة لهم في الفعالية... يُعتبر هذا أفضل سيناريو في الوضع الراهن. علينا أن نتغيّر مع تغيّر الظروف".

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

499 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع