بعد سلسلة تظاهرات منذ ٢٠١٠ .. هذا سبب نجاح احتجاجات العراقيين

         

 بغداد - الخليج أونلاين (خاص):صورة التظاهرات العراقية التي تتناقلها مختلف وسائل الإعلام العالمي، اليوم، وما شهدت من قمع حكومي عنيف، يقابلها إصرار شعبي بعدم التراجع، لم تكن الأولى التي تعيشها البلاد وتلاقي قمعاً مفرطاً، لكنها الأكثر وعياً، بحسب مراقبين.

العراق الجديد، وهو الاسم الذي تردده الأحزاب المشاركة في حكم البلاد بعد 2003، على اعتبار أنها أحزاب تشارك في الحكم بشكل ديمقراطي ناجم عن انتخابات شعبية تمكّن الفائزين بالتصويت من الوصول إلى سدة الحكم وتقاسم المناصب، لم يقنع العراقيين بحسب ما يبدو.

فبعد عدة أعوام بدأ السكان يعبرون عن غضبهم من السلطة والأحزاب الحاكمة عبر مظاهرات تخرج في مدن مختلفة، كانت بعضها تواجه بالقمع واعتقال المتظاهرين، ووصل الأمر إلى وقوع قتلى وجرحى نتيجة العنف المفرط من قبل القوات الأمنية.

أول المظاهرات الحاشدة شهدتها البصرة (جنوب)، مطلع 2010، حيث تظاهر نحو 1500 مطالبين بإقالة المحافظ شلتاغ عبود، وتوفير الخدمات ومكافحة الفساد الإداري والمالي وتوفير فرص العمل للشباب واحترام حقوق الإنسان.

وفي 2011، تظاهر أكثر من ثلاثة آلاف من أهالي الديوانية (جنوب)؛ للمطالبة بتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل، ومظاهرات أخرى حاشدة شمالي بغداد تطالب بتحسين واقع الخدمات المتردي الذي تعيشه المنطقة.

وفي فبراير 2011، طافت شوارع مدن الموصل الشمالية، والأنبار الغربية، وديالى الشرقية، والعمارة الجنوبية، تظاهرات شارك في مجموعها أكثر من 5000 شخص من المثقفين وشيوخ العشائر والوجهاء، طالبوا فيها بتحسين الواقع المعيشي والخدمي السيئ في البلاد.

المظاهرات التي انطلقت في ذلك التاريخ سميت في حينها "مظاهرات الربيع العراقي"، وخلالها اقتحم المحتجون المقار الحكومية في الموصل والبصرة وواسط (جنوب) والرمادي، وسيطروا على المجلس البلدي في الحويجة وحاصروا مقار ودوائر أخرى.

ورفض المحتجون في بغداد لقاء سلمان الموسوي، مستشار رئيس الوزراء العراقي؛ لمناقشة مطالبهم، ووقعت مواجهات مع قوات مكافحة الشغب. وأغلقت الشرطة المداخل المؤدية إلى المنطقة الخضراء، مقر الحكومة ومعظم المؤسسات الحكومية الحساسة.

وفي إقليم كردستان قال رئيس الإقليم وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، في خطاب متلفز حول المظاهرات التي كانت تجري في الإقليم، وعلى الأخص مدينة السليمانية، إنها من الحقوق الأساسية والشرعية للشعب الكردي، "ولا أحد يستطيع منع الناس منها"، مضيفاً: "أيها الشعب الكردي، أنت الذي جئت بالحكومة، وأنت وحدك صاحب الحق بإقالتها".

مظاهرات المناطق السنية
في ديسمبر 2012، نظم العراقيون مظاهرات حاشدة في ست محافظات مختلفة ذات أغلبية سنية؛ وهي: الأنبار، والموصل، وديالى، وصلاح الدين، وكركوك، وبغداد؛ وذلك احتجاجاً على ما وصفوه بتهميش الحكومة لهم.

وعلى الرغم من أن هذه المظاهرات كانت سلمية وقانونية ومدنية، وكانت الأبرز في تاريخ العراق بعد عام 2003، لكن الحكومة اتهمتها بالإرهاب والتحدي، وقد هددها رئيس الحكومة حينها، نوري المالكي، بالقضاء عليها.

وفي أبريل 2013، اقتحمت القوات العراقية الساحة التي يعتصم بها المتظاهرون المناوئون للحكومة في مدينة الحويجة بمحافظة كركوك؛ ما خلف أكثر من 50 قتيلاً وأدى إلى حالة من الغضب واشتباكات في بلدات أخرى.

في حين أنهت قوات الأمن العراقية إزالة خيم الاعتصام المناهض للحكومة بمحافظة الأنبار، في ديسمبر 2013، بالقوة وفتحت الطريق الذي بقي مغلقاً مدة عام، ما أدى لسقوط 10 قتلى و19 جريحاً.

وبقيت المظاهرات تخرج في بغداد ومختلف المدن العراقية، لكن من أبرزها التظاهرة التي قادها التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، واقتحموا المنطقة الخضراء، وذلك في 2016.

وشهد عام 2018 مظاهرات في مدن الجنوب كان العنف سمة بارزة فيها، لا سيما في البصرة، حيث سقط أكثر من 20 قتيلاً و150 مصاباً.

بروز الوعي الشعبي
لكن المظاهرات التي تشهدها مدن البلاد اليوم، منذ نحو شهرين، لم تنجح الأجهزة الحكومية في وضع حد لها أو إنهائها، على الرغم من استخدامها مختلف وسائل القمع، وسقوط مئات القتلى وما يقرب من 20 ألف مصاب.

المحلل السياسي العراقي نظير الكندوري، يقول إن للخطاب الطائفي الذي انتهجته الحكومات العراقية المتعاقبة بعد الاحتلال عام 2003، الأثر البالغ في جعل التظاهرات العراقية المستمرة منذ ذلك التاريخ ولحد الآن مطلبية بالدرجة الأساسية وبشكل مناطقي ومكوناتي.

وأضاف في حديثه لـ"الخليج أونلاين": إن "ذلك الخطاب الطائفي نجح للأسف في حرف بوصلة الكثير من العراقيين من التوجه بالولاء إلى الوطن إلى التوجه بالولاء للطائفة أو الحزب أو القومية".

واستدرك قائلاً: "ولكن بعد مرور 16 سنة على هذا النظام، وظهور جيل جديد لم يرث تلك اللوثات الطائفية والقومية والمناطقية، أدرك الجميع بأن الخطاب الذي يطلقه النظام لم يجلب لهم سوى السوء والمزيد من التراجع بالحقوق والخدمات، والمزيد من امتهان كرامة الإنسان بالعراق".

وأشار إلى أن "الطبقة الوحيدة المستفيدة هي طبقة الأحزاب والمليشيات؛ لذلك استعاد الشعب وطنيته التي غيبتها تلك الأحزاب، ووضع يده على مصدر المشكلة في البلد؛ التي تمثلها تلك الطبقة السياسية".

هذا الأمر -بحسب الكندوري- جعل التظاهرات الأخيرة بعيدة عن المناطقية وبعيدة عن الطائفية؛ فقد اشتركت فيها جميع المكونات العراقية، وانطلقت بكل المناطق العراقية.

بدوره يرى المحلل السياسي العراقي إياد الدليمي أن "تظاهرات العراق التشرينية كانت عراقية خالصة ولم تكن فئوية ولا مطلبية".

وتميزت التظاهرات العراقية التي انطلقت، في أكتوبر الماضي، بشعبيتها وعدم وجود جهة حزبية أو منظمة مدنية أو حكومية داعمة لها، وعرفت بأنها عفوية من دون قيادات.

وأضاف الدليمي في حديثه لـ"الخليج أونلاين" أن هذه المظاهرات "رفعت شعار تغيير النظام وإنهاء المحاصصة والطائفية، ومن ثم كانت قفزة في الوعي الجمعي العراقي الذي لم تتمكن أي سلطة مهما كانت من اختطافه".

من جانب آخر يرى الدليمي أن "العراقيين سئموا من كثرة الوعود الحكومية؛ وعليه كان هناك إصرار منذ اللحظة الأولى على ضرورة المواصلة مهما كانت التضحيات، وبرأيي هذا أحد أهم المنجزات التي تحققت إلى الآن؛ وهو مواصلة التظاهرات واتساعها رغم القمع الحكومي".

وعي الشعب
جميع المحافظات التي تشهد مظاهرات اليوم رافضة وجود الحكومة الحالية في السلطة، والعملية السياسية برمتها، شاركت في الانتخابات التي شهدها العراق منذ 2005، وساهمت بوجود ذات الطبقة السياسية التي ترفضها اليوم في سدة الحكم، وفي كل مرة كانت تنتخب ذات الأحزاب على الرغم من اتهامها لها بالفساد.

حول هذه الحالة يقول نظير الكندوري: إن "السبب الأكبر في ذلك يعود للحملات الدعائية الطائفية، وتخويف الناس من انتقام الطائفة الأخرى منها".

وبحسب قوله فإنه "لم تكن تتوانى تلك الأحزاب والمليشيات عن استخدام القتل والتفجيرات لإقناع عموم الناس بأنهم هم من سيحمونهم من هذا الإرهاب".

وأضاف: "الأمر الآخر والأكثر أهمية هو استخدام المرجعيات الدينية لتزكية نفس السياسيين الفاسدين للوصول إلى السلطة، ولكن بعد كل هذه السنين لم تعد تلك الإجراءات التي تمارسها الأحزاب تنفع في خداع الناس، ولم تعد المرجعيات تستطيع إقناع الناس بتوجهاتها".

في حين يراهن إياد الدليمي على وعي الشعب، وأن خياراته تغيرت وأحرجت الحكومة الحالية التي اضطرت إلى الخضوع لإرادة الشعب، وتقديم رئيس الحكومة عادل عبد المهدي استقالته.

وقال الدليمي: "هذه المرة لا أعتقد أن الشارع العراقي سيقبل اختيار ذات الشخصيات أو أن يقبل ببقاء ذات الوجوه".

وأشار إلى أن "هناك رغبة شعبية عارمة للتغيير، وربما هذا واحد من أهم الأسباب التي دفعت بالكتل السياسية العراقية إلى التأني بطرح بديل لرئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي".

العدد الكبير من المظاهرات التي شهدتها البلاد، منذ 2010، وتمكنت القوات الحكومية من إخمادها ولو بالقوة، كان لها تأثير كبير في نجاح التظاهرات الأخيرة، وهو ما يتفق معه إياد الدليمي، الذي يقول: إن "نجاح التظاهرات الحالية واستمرارها هو نتيجة تراكم الخيبات لدى العراقيين من الطبقة السياسية الحاكمة".

فضلاً عن ذلك فإن سبباً آخر يقف خلف نجاح التظاهرات، يقول الدليمي، وهو "الوعي الجمعي الذي بات يتجذر على حساب محاولات التجهيل التي سعت لها القوى الحاكمة".

ولا يختلف في هذا الجانب نظير الكندوري عن الدليمي، الذي يرى أن المظاهرات الحالية استندت إلى خبرات متراكمة من تظاهرات سابقة، بالإضافة إلى الاستفادة من خبرات الشعوب المنتفضة، سواء بالدول العربية أو دول العالم، بحسب قوله.

وكل هذه وفق رأيه "كان لها دور فاعل في جعل التظاهرات الحالية مختلفة عن التظاهرات السابقة بشكل كبير؛ من ناحية الإصرار على السلمية التي جعلتها تحصل أخيراً على التعاطف والدعم الدوليين".

ووصف الكندوري المظاهرات الحالية بأنها اتسمت بالوجه الحضاري؛ "فقد رأينا فيها الأدباء والفنانين، والمنظمات غير الحكومية، والتنظيم والترتيب والنظافة التي شهدتها ساحات الاعتصام، كل ذلك يدلل على أن هناك نقلة نوعية في وعي هؤلاء الشباب، وأنهم يتوقون للوصول بالبلد إلى مستوى حضاري جديد مرتفع، بل إنه أحرج النظام العراقي الحالي الذي لم يستطيع فرز مثل هذه النماذج الحضارية طول فترة حكمه".

تيار عريض وواسع
الرأي الشعبي الموحد الذي أظهرته المظاهرات العراقية، وعدم تمكن السلطة من إقناع المتظاهرين بالعدول عن قرارهم، يدفع إلى التساؤل إن كانت هذه المظاهرات قد أسست لقوة شعبية ترد أي حكومة قادمة تقف ضد طموح الشعب.

يقول الكندوري: إن "التظاهرات كشفت عن لاعب جديد وقوي ومؤثر في المعادلة السياسية العراقية؛ وهم هؤلاء الشباب المنتفضون، وسيكون هذا اللاعب الجديد ضد كل محاولة من طرف هذا النظام للعودة بالحالة العراقية إلى ما قبل الأول من أكتوبر".

وشدد بالقول: "بل إنني أتوقع بأن هؤلاء الشباب، إذا ما تم فرز عناصر منهم ليمثلوهم سياسياً، سيكونون قوة سياسية لا يمكن الاستهانة بها، بعد أن نجحوا بتشكيل تيار شعبي ضاغط طيلة هذين الشهرين المنصرمين، ولا أبالغ بالقول إن مستقبل العراق سيكون مستقبلاً واعداً إذا ما نجح أولئك الشباب بتحقيق أهدافهم".

بدوره يقول إياد الدليمي: إن "هناك اليوم تياراً شعبياً واسعاً وعريضاً نجحت هذه التظاهرات في إفرازه وبات رقماً صعباً في المعادلة السياسية بالعراق".

وأكد أن "هذا التيار هو التيار الذي أعتقد أنه سيمتلك القول الفصل في رسم مستقبل العراق رغم كل الضغوط التي يتعرض لها".

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

368 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع