يوسف عبدالمسيح ثروت.. المترجم الذي انتخب نقيباً للمعلمين في عهد عبدالكريم قاسم

  

يوسف عبدالمسيح ثروت.. المترجم الذي انتخب نقيباً للمعلمين في عهد عبدالكريم قاسم

                             


ولدَ يوسفُ ثروت عام 1921 في ديار بكر (تركيا) قبل ان تتشقق الجغرافيا الى دول، جاء الى العراق عام 1925 وسكن بعقوبة في قرية الهويدر، تخرج من دار المعلمين وصار نقيبا للمعلمين في مدة حكم عبدالكريم قاسم، توفي عام 1994.
كان الفقيد انسانا شديد الحساسية بإنسانيته، كان يرى الاشياء دائما بمنظور ما يخدم الانسان اولا والانسان بالمفهوم المطلق بعيدا عن اي اعتبارات طائفية او عرقية او سياسية او طبقية، كان يحب الناس بشكل عميق وحقيقي بعيدا عن اي تزلف او تصنع، يجالس الناس جميعا، تجده في المقاهي في وقته المخصص وحوله هالة من الناس، جمع جميل ومتباين احيانا في الاعمار والثقافات وكان يحبهم جميعا بلا استثناء.
يوسف عبد المسيح ثروت كان معلما في بعقوبة، يحب مدرسته الى حد العشق ويحب تلامذته الى حد الموت، كان يتفانى في تدريسهم، كان شديداً ورقيقاً في آن واحد، لايعرف اللين في الخطأ ولا يعرف التعسف مع جيل الشباب الناهض والذي يبني كل الامال العراض عليهم.
يوسف عبد المسيح كان يعشق النخيل والنهر، كان يحب طول قامة النخلة وعنفوانها، عاش بين ظهراني نهر خراسان الذي يشق بعقوبة الى نصفين، وديالى التي تحتضن وتروي بساتينها الجميلة، كان يحب الخصب والنماء والحياة، كان يحب اللون الاخضر لانه لون اشجار الليمون والبرتقال ولون سيقان النخيل والسنديان كان يحب الخمر والتمر، كان يتغزل في الكأس حين يشربها ويضحك ويمرح في جلسته المسائية بعد عناء العمل، كانت حياته جميلة متناقضة، كان يشتغل يوميا عشر ساعات تقريبا وهو جالس في غرفته يقرأ ويكتب ويترجم حتى في عز الصيف، كانت له صومعته الخاصة، غرفة مبنية في مؤخرة الدار يجلس فيها ويقرأ والعرق يتصبب من جبينه، كان يمسح جبينه بمنشفة صغيرة ويستمر في العمل وكانت اداة التبريد لديه مروحة سقفية فقط ولا يحب التبريد الاصطناعي.
يوسف عبد المسيح كان أحد رموز الثقافة العراقية، يا للأسى حين حلت سنوات التسعينيات بدا يوسف وكأنه يعيش في زمن غير زمنه.. غير عراق الحداثة والوعود واختلاط الأعراق .. لم يعد قادرا على الانسجام مع الواقع الذي انتهت اليه البلاد .. فاختار الانتحار عبر الكحول .. كان لا يصحو وهو الرجل العجوز وبات يهيم على وجهه في الشوارع سكرانا.
ترجم وألف كتب :"مسرح اللامعقول وقضايا اخرى" و" الطريق والحدود" و"معالم الدراما في العصر الحديث " و"المسرح والفن" و"نظرية المسرح " لاريك بنتلي.
كان يوسف مترجما متميزا، وعصاميا ويذكرنا بالكاتب العربي عباس محمود العقاد الذي بدأ عصاميته ليخلق له مكانة في الثقافة المصرية، كان يوسف يملك الكثير من القدرات لكي يترك اثرا نحن بدأنا نعيده ونتلمسه داخل العقل العراقي والثقافة العراقية.
أرخ للاستاذ يوسف عبد المسيح ثروت، الكاتب الموسوعي الاستاذ حميد المطبعي في موسوعة: "اعلام وعلماء العراق" قائلا: ان الاستاذ يوسف عبدالمسيح ثروت مترجم، وكاتب ولد في ديار بكر سنة 1921 ونشأ في قرية الهويدر بديالى ودرس الثانوية في بعقوبة بمحافظة ديالى وبعد تخرجه في دار المعلمين الابتدائية عين معلما فترة من الزمن ثم احترف الترجمة والكتابة واول نشر له كان في مجلة "الرسالة " المصرية للدكتور احمد حسن الزيات سنة 1947 وكان ما كتبه عن الشاعر الالماني " جوته " قد ترجمه عن توماس مان وهو عضو في الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق ..حضر اكثر المؤتمرات الثقافية في العراق منذ سنة 1968-1987 له اكثر من 15 كتابا مطبوعا تأليفا وترجمة منها:" القاعدة والاستثناء " لبريخت 1958 و"بين الفلسفة المادية الجدلية والمثالية البرجوازية " وهو كتاب مترجم نشره في بيروت سنة 1963 و"الحلقة المفرغة " مسرحية ونشرت ببيروت سنة 1963 وله اربع كتب عن المسرح تأليفا وهي "الدراما " ومسرح اللامعقول "و " الطريق والحدود " و"دراسات في المسرح المعاصر " كتب عنه كثيرون منهم الاستاذ ياسين النصير الذي ينقل عنه قوله عن مساهماته الثقافية: "ساهمت في تأسيس كيان مسرحي في مدينتي بعقوبة ومن الرواد في هذا التأسيس الفنان عبد الله العزاوي، وكذلك ساهمت في اضاءة المسرح العالمي ونقله الى العراق عبر ترجمة أعمال رواده...".
انتخب يوسف عبد المسيح ثروت نقيبا للمعلمين في مدة حكم عبدالكريم قاسم، وتحمل في السنوات العشر الاخيرة من حياته مسؤولية مجلة "الثقافة الاجنبية " التي كانت تصدرها وزارة الثقافة والاعلام – دار الشؤون الثقافية العامة . توفي- رحمه الله - سنة 1994.
ولم يكتف يوسف عبد المسيح ثروت بتعريف المثقف العراقي بمسرح اللامعقول فحسب، وأنما أرفده باتجاهين يقفان بالضد من هذا الاتجاه تماماً، وهما المسرح الملحمي المعروف اقترانه باسم بريشت، والمسرح الواقعي الاشتراكي، في الاتحاد السوفيتي، وذلك في دراسته الموسومة (نماذج من المسرح العالمي) ولعل اجمل ما فيها تعريفه لمسرح بيكيت، على الانسان مفصول بأسره عن مجتمعه وتاريخه من أمسه، ويومه، وغده، أنه كائن موجود افتراضاً، متبوت الصلات بالكائنات الحية الاخرى.

 

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

765 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع