الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - الشيخ الشهيد عبدالعزيز البدري عاش مجاهدا ومات شهيدا

الشيخ الشهيد عبدالعزيز البدري عاش مجاهدا ومات شهيدا

         

الشيخ الشهيد عبدالعزيز البدري عاش مجاهدا ومات شهيدا ١٩٢٩ - ١٩٦٩

           

                

   

                   

هو الشيخ الشهيد السعيد عبدالعزيز بن عبداللطيف البدري، ولد في بغداد سنة 1347 هـ/ 1929م، وأصله من مدينة سامراء، ونشأ على تربية إسلامية رصينة، في بيئة علمية وتلقى دروسه الدينية على يد طائفة من علماء بغداد، ومنهم الشيخ أمجد الزهاوي، والشيخ محمد القزلجي، والشيخ عبدالقادر الخطيب، والعلامة محمد فؤاد الألوسي وغيرهم، ونال إجازته العلمية وبعد اكتشاف مواهبه الخطابية ونبوغه في الفكر واللغة والتاريخ رشحه أستاذه لاعتلاء المنبر الإسلامي كخطيب وإمام جامع وهو دون العشرين من العمر آنذاك في العام 1949 عندما عين في مسجد السور في بغداد سنة 1949م. كما عين خطيباً في جامع الخفافين سنة 1950، واستمر على حمل أمانة المنبر حتى العام 1954 عندما أدركت السلطة في العهد الملكي نشاطه وتأثيره في الناس فعمدت إلى إبعاده إلى قرية نائية من قرى محافظة ديالى تدعى قرية (الحديد)، فأصبح فيها إماماً وخطيبا لجامع القرية وكان له دور في تحويل هذه القرية الى نقطة اشعاع حيث تخرج على يديه عدد كبير من أبناء هذه القرية كدعاة وأئمة وخطباء. وأتذكر في خلال دراستي بالتربية الإسلامية انه عمل لنا سفرة مدرسية طلابية الى هذه القرية التي ما زلت اذكرها واتذكر حفاوة اهل هذه القرية بالشيخ البدري. وقد تنقل الشيخ البدري بوظيفة الإمامة في عدد من مساجد بغداد من بينها (جامع الحيدرخانة) بشارع الرشيد، وجامع الإسكان في غربي بغداد،

علاقته المتحدية للسلطة
كان الشيخ البدري دوماً من المُتصدّين بالحق، والدعوة لتحكيم شرع الله، فناله من بطش الحكومات ما ناله لأجل منعه من التحدي، وأتبع الحكام أساليب عدة لإثناء الشيخ البدري عن عزمه في التصدي لهم، فكانوا يرسلون له في بيته أو الى السجن بعض المرتزقة من علماء السلطة من المشايخ وأدعياء العلم، مظهرين محبتهم وحرصهم عليه، منكرين له التصدي للحكام وتدخله في السياسة، لإن الدين لا علاقة له بالسياسة! فكان الشيخ يحزن لكلامهم ويستاء من مواقف الخذلان لدى هؤلاء العلماء، ولهذا قام خلال إقامته الجبرية بتأليف كتاب في الرد عليهم مبينا سيرة السلف الصالح من العلماء العاملين والفقهاء، الذين تصدوا لظلم الظالمين، وأسماه كتاب (الإسلام بين العلماء والحكام)، وتطرق فيه لمحنة وجهاد نخبة من علماء الإسلام ومنهم: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وجعفر الصادق، وأبو حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والشافعي، والبخاري، والعز بن عبدالسلام، وإبن تيمية، وغيرهم.. كما ذكر مواقف العلماء المتأخرين من أمثال: أحمد السرهندي، وعز الدين القسام، وعبدالقادر الجزائري، وعمر المختار.. وغيرهم.

   

ومن كتاباته في كتابه القيم (الإسلام بين العلماء والحكام): (لقد جرت سنة الله في خلقه أن يفتنهم ويختبرهم ليميز الخبيث من الطيب، وقد أعتاد الظالمون من الحكام أن يضطهدوا الذين يخالفونهم في سلوكهم المنحرف، ويناهضونهم في أفكارهم الباطلة ولم يسايروهم في أهوائهم، وينزلوا بهم أنواع المحن، بعد أن أعرضوا عن أشكال المنح التي قدمها الحكام إليهم في ذلة وصغار، ولكن أنى للنفوس الكريمة، ذات المعدن الطيب أن تغرى بالمال أو يسيل لعابها على فتات الدنيا، أو تستمال بعرض زائل من الحياة). أما المحن، فقد استعدّوا لها، وتحمَّلوا نارها بصبر وجلد، وصابروا شدة بأسها، بعزم واحتساب؛ لأنهم فقهوا قول الله تعالى: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (التوبة: 81) وآمَنوا بقول الخالق العظيم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة: 207). وكان أئمة المسلمين من السادة العلماء، الذين اشرأبّت الأعناق إليهم، إجلالاً وتقديرًا وولاءً، في مقدمة الذين أصابتهم المحن، ونزلت بهم الشدائد الصعاب، فخرجوا منها ظافرين ظاهرين”.
بداية مشواره الدعوي في العهد الملكي:
كانت خطة الإنكليز التي وضعوها للتعليم في العراق بالعهد الملكي، منصرفة إلى التزهيد في العلم الشرعي وصرف الطلبة عنه، ومن أصر على دراسته فإنه يُعيَّن مُدرساً بثلث راتب خريج الكلية، نكاية فيهم وازدراءً لهم ولصرف الطلبة عن التوجه لدراسة العلم الشرعي، فأَحبَّ أبوه “الحاج عبد اللطيف” أن يكون مِن أبنائه السبعة مَن يَدرس العلوم الشرعية؛ فعرض الأمر على عبدالعزيز، وكان آنذاك يدرس في مدرسة متوسطة نظامية فدهش الوالد لاستجابة ابنه السريعة وقبوله الدراسة الشرعية. فانتظم في المدرسة، وكان يفخر بها، فقد نزع بنطاله ولبس العمامة والجُبة وصارت هيئته هيئة طلاب العلم الشرعي، وظل يدرس حتى انتهى من الثانوية الشرعية. وطلبَ العلم على مشايخ بغداد؛ منهم الشيخ أمجد الزهاوي ومحمد فؤاد الألوسي ومحمد القزلجي، والشيخ عبد القادر الخطيب، وغيرهم.

                        

عرفته ببغداد أوائل الخمسينيات، شابًا متحمسًا، يتردد على المشايخ، ويستفيد من علومهم، ويقرأ الكثير من الكتب الإسلامية الحديثة، ومنها كتب الشيخ تقي النبهاني، وكان يكره الاستبداد والطغيان، ويتعرّض للمفسدين باليد واللسان. وبرزت ملَكته العلمية وقدرته على الخطابة واضحة، وتجلّى ذلك في وقوفه المبكر على منابر مساجد “بغداد” وهو دون العشرين من عمره، ففي عام (1949م) عُين إماماً في مسجد “السور” في بغداد، واستمر على حمل أمانة المنبر حتى عام 1954م عندما أدركت السلطة في العهد الملكي نشاطه وتأثيره في الناس، فعمدت إلى إبعاده إلى قرية نائية من قرى محافظة “ديالى” تدعى “قرية الحديد”، فعمل إماماً وخطيباً لجامع القرية، وترك فيها أثره الطيب، وخرّج منها أئمة وخطباء ودعاة صار لهم شأن في المجتمع العراقي. وبعد سقوط الحكم الملكي في 14 تموز 1958 أصبح إماماً وخطيباً لمسجد “الحاج أمين” في منطقة “الكرخ”.
وعندما قامت جمعية التربية الإسلامية بافتتاح مدرستها الاهلية الابتدائية في الكرخ بإدارة الشيخ المرحوم عبدالوهاب عبدالرزاق السامرائي التحق الشيخ عبدالعزيز البدري ليكون ضمن الملاك التدريسي إضافة لاستمراره بالإمامة في المساجد التي نسب اليها. وسأتطرق الى ذكرياتي عن الشيخ البدري كمعلم في التربية الإسلامية التي التحقت بها عام 1954 بالصف الأول الابتدائي وغادرتها عام 1963 بعد حصولي على شهادة المتوسطة وانتقلت بعدها الى ثانوية الاعظمية ومن ثم الثانوية العربية بالكرخ.

                      

                  الشيخ عبدالوهاب السامرائي

انضم الشيخ عبد العزيز البدري الى جمعية "الآداب الإسلامية" التي أنشأها العلماء للمحافظة على آداب الإسلام في العراق، وذلك قبل ظهور الصحوة الإسلامية، فقد كانت البلاد حينها في حالة من الأخلاق العامة يُرثَى لها، ثم شارك في جمعية "كبار العلماء" برئاسة شيخه "أمجد الزهاوي" لكن لما كانت سِنُّه صغيرة فقد كان مثل المقرر "السكرتير" للجمعية، يكتب بياناتها ببلاغة وفصاحة وجرأة.
جذبه حزب "التحرير" حتى صار من أعضائه وشارك في إدارته مع الشيخ "تقي الدين النبهاني" رئيس الحزب؛ لكن سرعان ما تبين له أن حزب التحرير تحول من حزب دعوي، إلى حزب يؤْثر الكلام والجدل، ومعاركه معارك كلامية، فكَرِه منهجهم؛ لأن من طبيعته النشاط والتحرك القوي فانسحب من الحزب سنة (1376هـ/ 1956م) وعمره آنذاك حوالي 25 سنة فقط!! لكنه لأدبه ووفائه لم يشأ أن يعلن انسحابه، فظل متحملاً تبعات حزب التحرير وبياناته إلى أن قامت ثورة عبد الكريم قاسم الدموية، فقدّر له الحزب صنيعه، وأعلن أن الشيخ عبد العزيز البدري قد انسحب من الحزب.
أنشأ البدري “الحركة الإسلامية” التي كانت تنظيماً سرياً دقيقاً، وأنـزل هذا التنظيم بياناً أيام ثورة “عبد الكريم قاسم” عندما اعتدى الشيوعيون على مكتبة في (مدينة الزبير) فأحرقوا أكثر كتبها ومخطوطاتها، وبياناً آخر لمّا اعتدى الشيوعيون على جمعية الأستاذين “الصواف” و” الزهاوي” وأحرقوا المكتبة وداسوا المصاحف.
الشيخ البدري موقف صلب ضد انحراف الحكام:
كان الشيخ عبد العزيز البدري فارساً مغواراً جريئاً يصدح بالحق لا يخشى لومة لائم؛ يعتلي منابر بغداد، يواجه انحرافات الحكام، ويتصدى للسياسات المخالفة للإسلام، ويواجه الحركات الشيوعية، ويقود المجتمع، وينصر قضايا المسلمين في كل مكان. وقد اشتهر بين الناس بمقدمته الشهيرة التي يبتدئ بها خطبه منذ العهد الملكي ثم الجمهوري وحتى استشهاده «أعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات حكَّامنا»، ويختم خطبته قائلاً: «اللهم ارزقنا دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا من الدعاة إلى طاعتك والاقتداء إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة، وشهادة في سبيلك» ولم يتركها رغم ما ناله من اعتقالات وملاحقات لأنه جنَّدَ نفسه في سبيل الله لا يخشى أحداً إلا الله.
الشيخ البدري يتصدى للشيوعيين ولإنحراف عبدالكريم قاسم:
وجاء المد الشيوعي الشعوبي في عهد عبد الكريم قاسم سنة 1958 بعد أن عاد إلى جامع الحاج أمين في منطقة الكرخ إماما وخطيباً. وقد تصدى في خطبه للمد الشيوعي في العراق في عهد عبد الكريم قاسم، الذي أطلق على نفسه (الزعيم الأوحد) فخاطبه وهاجمه في محاضراته وأطلق عليه: (عُتُلٍ بَعْدَ ذلك زَنيم). وقد بلغ التحدي مداه عندما أقدم عبد الكريم قاسم على جريمة إعدام مجموعة من الضباط المؤمنين قادة الجيش ومنهم ناظم الطبقجلي، ورفعت الحاج سري وغيرهم، فأثار الشيخ البدري الجماهير وقاد المظاهرات التي يقدر عدد المشاركين فيها في وقتها بأكثر من أربعين ألف متظاهر، وكلهم يهتفون بسقوط عبد الكريم قاسم، كما أصدر الفتوى بتكفير الشيوعيين أتباع عبدالكريم قاسم ومؤيديه، وطالب بمحاربتهم ، فما كان من الحكومة إلا أن تصدر الأوامر بفرض الأقامة الجبرية عليه في منزله، لمدة عام كامل في ديسمبر 1959، ثم رفع الحظر عنه، فلم يهدأ ولم يتوقف عن الخطابة والتهجم على الحكومة، وتأليب الناس ضدها، فصدرت الأوامر بأيقافه عن العمل الوظيفي وحبسه في داره، ثم تكرر سجنه في يوليو 1961 حتى ديسمبر 1961، حيث صدر العفو العام عن السجناء السياسيين، ولقد لقي من البلاء في السجن والتعذيب الكثير ولكنه صبر ورفض كل العروض المغرية التي قدمت له.
مناهضته للبعثيين والقوميين
وبعد انتهاء الحكم القاسمي، ومجيء البعثيين الى الحكم في العراق في شباط 1963، فقد استمر الشيخ الشهيد في مناوئته للسلطة ومناداته لها بتحكيم الشرع، واستمرت مقدمته الشهيرة في خطبه «أعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات حكَّامنا»، وتعرض للملاحقات والاعتقال ولكنه صمد واستمر على نهجه. وحين انتهى حكم البعثيين بعد قيام حركة 18 تشرين الثاني 1963 وجاء عهد حكم الرئيس المرحوم عبدالسلام محمد عارف الذي هو أيضاً من نشأة منطقة الكرخ وكليهما على معرفة ببعض، وكان من عادة المرحوم عبدالسلام ان يؤدي صلاة الجمعة في أحد المساجد، كان يحضر أحيانا خطب الشيخ البدري الجريئة والقوية. وحين قرر عبدالسلام ان يتخذ المنهج الاشتراكي وأصدر قرارات التأميم الشهيرة، فقد تصدى الشيخ البدري لهذه القرارات من خلال خطبه، وعارض مقولة عبدالسلام من أن الاشتراكية لا تتعارض مع الإسلام وان الإسلام دين اشتراكي، وأصدر الشيخ البدري كتابه الشهير (حكم الإسلام في الاشتراكية) للرد على من يقول ان الاشتراكية من الإسلام،

                                

وقد كتب الشيخ أمجد الزهاوي مقدمته لكتاب «حكم الإسلام في الاشتراكية» يقول فيها:
«... ولما شاع القول بوجود نوع من الاشتراكية في الإسلام، وذلك تَقوُّلٌ على الإسلام، ومدخل إلى المروق منه، فقد ألّف فضيلة الأخ الشيخ عبد العزيز البدري هذا الكتاب (حكم الإسلام في الاشتراكية) في إبطال هذا القول، مُبيِّنًا ألاّ اشتراكية في الإسلام، وأنها مخالفة لأحكام الشرع الشريف، وأن قواعده تأباها بكل صراحة، وقد جاء البيان بأسلوب واضح، معززًا بالحجج القطعية التي لا تدع مجالاً للشك، لانطباقها على النصوص الشرعية القاطعة، وذلك نصحًا للأمة الإسلامية...» انتهى.

          

عبدالكريم قاسم يستقبل الشيخ امجد الزهاوي وعددا من علماء العراق للمطالبة باطلاق سراح عدد من المعتقلين
وقد اهتم الشيخ البدري بنشر موقفه من القائلين باشتراكية الإسلام، من خلال خطب الجمعة وكذلك بين طلابه في مدرسة التربية الإسلامية بالكرخ، حتى ان أحد طلابه المتأثرين به وبمواقفه، وهو (أحمد عبدالرزاق السامرائي) الذي تصدى للرئيس المرحوم عبدالسلام محمد عارف حين كان يلقي خطابا لمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف في قاعة الشعب بمنطقة الباب المعظم عام 1964 وكان الخطاب منقول بالبث المباشر اذاعيا وتلفزيونيا وصاح الطالب بهتاف سمعه الجميع داخل الاحتفال وجميع من كانوا يتابعون الخطاب تلفزيونيا وهو يهتف (يا عبدالسلام.. لا اشتراكية في دين الإسلام)!! واجابه عبدالسلام مباشرة بالقول (.... انجب!) أي (صه واسكت!).. وتم القبض على الطالب وبتوجيه من عبدالسلام تم اطلاق سراحه بنفس الليلة، وتم فصله من الدراسة وعلى اثرها غادر الطالب الى السعودية والتحق بالدراسة الدينية في مكة المكرمة وصار فيما بعد من ابرز العلماء بعد ان درس الفقه لمدة ثلاثين عاما، في جامعة ام القرى، و نال منها البكالوريوس وشهادتي الماجستير والدكتوراه في الشريعة الإسلامية، وتوفي في 7 أكتوبر 2017 عن عمر قارب السبعين عاما ودفن في مدينة إسطنبول.

             

كما أدى ذلك الى صدور قرار بإبعاد الشيخ عن التدريس في المدرسة المذكورة وبعد فترة تمت إعادة الشيخ إلى الخطابة ونسب إلى جامع لم يكتمل بناؤه وهو جامع (عادلة خاتون) وطلب منه إكمال الجامع لكي يخطب فيه وفي الافتتاح يوم الجمعة وكان الشيخ الشهيد واقف على المنبر وهو يخطب دخل عبد السلام عارف وبعد ان أكمل صلاة السنة، خاطبه الشيخ البدري من على منبر الجمعة: (أسمع يا عبد السلام.. إن تقرّبْتَ من الإسلام باعاً، تقرّبنا إليك ذراعاً.. أسمع يا عبد السلام أدعوك إلى تطبيق شريعة الإسلام.. أسمع يا عبد السلام القومية لا تصلح..) وبدأ يخاطب عبد السلام أمام المصلين وعند انتهاء الخطبة لم يلتفت إليه الشيخ ثم نهض إليه عبد السلام وقال له بالحرف الواحد (( يا شيخ أنا أشكرك على هذه الجرأة)).. وبعد فترة وجيزة وفي أثر هذه المجابهة نقل أماما وخطيبا إلى مسجد الخلفاء الذي كان مغلقا للترميم، سنة 1964م وبقي إلى عام 1966م وبعد ضغوط وتهديد من قبل الشيخ إلى السلطة بأنه سوف يخطب في الشارع أمام مسجد الخلفاء مما جعلهم ينسبونه إماما وخطيبا وواعظا في جامع (إسكان غربي بغداد) بعد أن كان فقط إماما في الجامع المذكور وذلك لمنعه من الخطابة.
بعد نكسة حزيران:
واستمرت الأحداث على هذا البلد إلى أن جاء يوم النكسة سنة 1967 وبعد الهزيمة قرر الشيخ البدري أن يذهب إلى الجهاد في فلسطين ويلتحق مع جماعة الإمام الشهيد عز الدين القسام وبدون أن يعلم أحد من أفراد عائلته حول نية سفره ووضع وصية عند المجاهد الدكتور وجيه زين العابدين وأخبره في حالة استشهاده أن يسلم الوصية إلى أهله. ولكن عندما ذهب إلى هناك في فلسطين المحتلة للجهاد طلبوا منه المجاهدون بعد أن شاركهم بالجهاد بان يعود إلى بلده وينشر القضية الفلسطينية على الدول الإسلامية وفعلا عندما عاد إلى أهله وفي أثر هذه النكبة التي أصابت الأمة الإسلامية في فلسطين من جراء العدو الصهيوني الاستعماري الغاشم اتجهت النية إلى تشكيل وفد إسلامي شعبي للطواف في العالم الإسلامي من أجل استنفار المسلمين ونقل القضية إلى النطاق الإسلامي باسم (من أجل فلسطين رحلة الوفد الإسلامي العراقي) من يوليو 1967 حتى أغسطس 1967، وكان الوفد مكون من (داوود العطار، والدكتور عدنان البكاء، والمهندس عبدالغني شندالة، والشيخ عبدالعزيز البدري، والسيد صالح عبدالله سرية، والمحامي محمد الآلوسي) يرحمهم الله جميعا. وزار الوفد كلا من “إندونيسيا” و”ماليزيا” و”الهند” و”باكستان” و”أفغانستان” و”إيران” و”تركيا”، لإيصال القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني واحتلال الارض العربية في “سيناء” و”الجولان” و”الضفة الغربية”.
وقد كتب الأستاذ عبدالله الحسيني في مقدمته لكتاب الشيخ البدري (الإسلام بين العلماء والحكام)، الذي أصدرت الطبعة الثانية منه دار القلم الكويتية
«... في حرب 1967 التي اجتاح اليهود فيها القدس الشريف، والضفة الغربية، ومرتفعات الجولان، وسيناء ، خلال ستة أيام، بل ست ساعات، ثارت ثائرة الشيخ البدري، وأرسل برقيات إلى جميع رؤساء الدول في العالم الإسلامي، يحمِّلهم المسؤولية ويتهم من وافقوا على وقف إطلاق النار بالخيانة؛ ثم تقرر تشكيل وفد إسلامي شعبي، للسفر إلى أقطار العالم الإسلامي، لحثِّ القوى والشعوب الإسلامية، على النهوض بمسؤوليتها تجاه تلك الكارثة، ولتأكيد أن الإسلام لم يكن السبب في الهزيمة؛ لأنه لم يكن في المعركة أساسًا، وقد زار الوفد كلا من الهند، وباكستان، وإندونيسيا، وماليزيا، زإيران، وأفغانستان. وبعد عودة الوفد إلى بغداد، عقد الشيخ البدري مؤتمرًا صحفيًا، أوضح فيه ما شاهده في العالم الإسلامي، من طاقات مهدورة، كان يجب أن تُوجَّه لخدمة القضية الفلسطينية ، مستنكرًا حصرها في النطاق العربي، بدل النطاق الإسلامي الواسع، ومتخوفًا من الاستمرار في التضييق عليها، لكي تكون في المستقبل قضية الفلسطينيين فقط.

      

صورة للوفد الاسلامي الكبير الذي زار عددا من الدول الاسلامية بعد حرب حزيران لشرح ابعاد العدوان الصهيوني على الامة العربية ويبدو في الصورة من اليمين الشيخ سعيد الباججي ثم الشيخ حامد الملا حويش ثم الشيخ شاكر البدري ثم الشيخ نوري ملا حويش وخلفهم يسير الشيخ الشهيد عبدالعزيز البدري يرحمهم الله جميعا.. وجميعهم اعضاء بجمعية التربية الاسلامية
العلمانيون يهربون من مواجهته

                    

        المفكر نديم البيطار صاحب كتاب نقد الفكر الديني

وعندما اهتز التيار العلماني في البلاد العربية، وأصبح هو المتهم الأول في هزيمة 1967، بدأ التيار الإسلامي في العراق ينشط ويضغط، مطالبًا بالعودة إلى الإسلام، ووضعه موضع التنفيذ منهج حياة، لكن التيار «المتغرب» المعادي للإسلام، اختار شخصًا عربيًا يحمل الجنسية الأمريكية يدعى «نديم البيطار» صاحب كتاب (في نقد الفكر الديني) لمواجهة الإسلاميين؛ وقد تم استدعاؤه من كندا، لإلقاء محاضرات تؤكد أن الأفكار الإسلامية (التي يسميها بالغيبية)، هي السبب في الهزيمة، وأنه لا نصر على الصهيونية إلا بالتخلي التام عن هذه الغيبيات!! ومن الغريب أن هذا المحاضر يقول في كتابه (الأيديولوجية العربية) كلامًا صريحًا في الكفر والتعدي على الذات الإلهية، فطلب الشيخ البدري من رئيس الجمهورية آنذاك «المرحوم عبد الرحمن عارف» إما أن يُسمح له بإلقاء محاضرة في القاعة نفسها، وإما أن يسمح له بمناظرة المحاضر في القاعة نفسها، أو يمنع المحاضر من إلقاء محاضرته، ولما لم يُستجب لمطالب الشيخ البدري، قرر الخروج بمظاهرة يوم المحاضرة، وبعد صلاة العصر هتف الشيخ «الله أكبر»، وتوجّه راجلاً من مسجده إلى قاعة المحاضرات في شارع دمشق بناية الحقوقيين العراقيين، وتبعه الشباب وجماهير الناس، هاتفين «الله أكبر لا إله إلا الله»، ولما سمع أنصار المحاضر هدير الجماهير بالهتافات الإسلامية، انطلقوا هاربين مع محاضرهم إلى المطار، حيث غادر بغداد في أول طائرة.
البدري ومحاولات لإيقاف تنفيذ اعدام سيد قطب:

               

رأس الشيخ البدري وفدًا من أهل السُّنَّة، وذهب إلى كربلاء والنجف، وطلب من علمائهما التدخل لإيقاف تنفيذ حكم الإعدام في سيد قطب، وعندما اتصل بالسيد محسن الحكيم المرجع الأعلى للشيعة، أبلغه السيد الحكيم، بأنه أبرق إلى جمال عبدالناصر، أن لا يُقدم على إعدام العلماء، وسيد قطب هو من أكبر علماء العصر ومفكريه. كما ان الرئيس عبدالرحمن عارف تدخل لإيقاف تنفيذ حكم الاعدام بسيد قطب كما فعل شقيقه المرحوم عبدالسلام عارف عام 1964 بالتوسط لدى عبدالناصر لإطلاق سراح سيد قطب من الاعتقال بعد عشر سنوات من اعتقاله من 1954 الى 1964 وبعث المرحوم اللواء محمود شيت خطاب لمقابلة عبدالناصر مبعوثا عنه وتم فعلا اطلاق سراح سيد قطب الا انه في عام 1966 اعيد اعتقاله بتهمة التآمر وصدر الحكم عليه بالإعدام، ولم تنفع رسائل عبدالرحمن عارف ولا رسائل السيد محسن الحكيم في ايقاف تنفيذ الحكم ضد سيد قطب.
وقام الشيخ عبدالعزيز البدري بقيادة تظاهرة ضخمة انطلقت من جامع عادلة خاتون باتجاه السفارة المصرية اثر الاعلان عن اعدام سيد قطب استنكارا لذلك وشارك فيها الالاف من المتظاهرين من جميع انحاء بغداد ومحافظات العراق والقيت في التظاهرة التي تجمعت امام مبنى السفارة المصرية بالوزيرية كلمات وقصائد من بينها قصيدة للشاعر المعروف وليد الاعظمي.
استشهاده بعد اعتقال وتعذيب
بعد انقلاب 17 تموز 1968 ومجيئ حزب البعث للسلطة من جديد، وبعد اشهر قليلة منها تم سجن الشيخ البدري مرة أخرى، على أثر خطاباته الملتهبة وقيامه بتكفير حزب البعث، حيث تم أخذه من داره في (منطقة الداودي) بعد تطويق المنطقة بقوات الامن وكان يأتي بين فترة وأخرى شخص من سكنة المنطقة من يسأل عنه، وكانت المنطقة مزروعة بهؤلاء العناصر حتى المساء وعندما وقف أمام داره لينزل من السيارة التي كانت تعود إلى الشهيد عبد الغني شندالة وبعد توصيل الدكتور وجيه زين العابدين إلى داره في اليرموك ما هي إلا لحظات واذا بالسيارات تطوّق الشارع والمسكن وبيدهم السلاح حتى دخلوا داخل سياج الدار وهو واقف أمام داره لتوديع الشهيد عبدالغني شندالة وتم أخذهما معاً، ولكن كل واحد منهم اركب في سيارة وبقيت سيارة الشهيد عبدالغني أمام الدار وفي نفس الليلة حضرت قوات الامن مرة أخرى إلى داره ومعهم مختار المنطقة وفتشوا الدار وأخذوا جميع الأشرطة التي كان يُسجل فيها خطب الجمعة وقاموا بتفتيش المكتب الشخصي له ووجدوا فيه مسودتي كتابين كانا مهيئين للطباعة وهما (كتاب الله الخالد) و(كتاب الإسلام حرب على الاشتراكية والرأسمالية)، وتم أخذ الكتابين مع جميع أشرطة خطبه وخرجوا.
وبعد عدة أيام تم الإفراج عن الشهيد عبد الغني شندالة من المعتقل وأخبر ذوي الشهيد بان الشيخ أخذ إلى قصر النهاية آنذاك وهو أخذ إلى مكان أخر إلى أن وافاه الأجل نتيجة التعذيب.. ويقول أحد الشهود من الذين كانوا معه في المعتقل في قصر النهاية قال: لم أرى بحياتي رجلا بشجاعته داخل السجن وهو يعذب وكان من شدة التعذيب يفقد الوعي ويذهبون به إلى مستشفى الرشيد العسكري يطلبون من الأطباء إعادة الوعي إليه وأعادته إلى المعتقل لإعادته إلى التعذيب، وهذه بشهادة أحد الأطباء بالمستشفى، إلى أن وافاه الأجل يوم 26 تموز يوليو 1969، ونقل إلى مستشفى الرشيد العسكري حيث تم غسله وتكفينه في المستشفى لتغطية جريمتهم وجلبوا طبيباً ليكتب في شهادة الوفاة (توقف الدورة الدموية وهبوط عمل الكليتين) وتم نقل جثة الشيخ الشهيد إلى داره في الداوودي بسيارة عسكرية مع انضباط عسكري ووضعوه في تابوت أمام الدار وهربوا.
وكان من المفروض أن يدفن بجوار والده بمدينة سامراء إلا أن النظام الحاكم طوقوا المدينة والشارع في بغداد لمنع الذهاب به إلى سامراء حيث كان شيوخ عشيرته في استقبال الشهيد وخافوا من الانتفاضة ضد النظام في سامراء فاضطر اهله إلى تشييعه ودفنه في بغداد بجوار شيخه العلامة أمجد الزهاوي في مقبرة الأمام أبي حنيفة النعمان بالاعظمية وتمت الصلاة عليه في جامع أبي حنيفة النعمان وقبل دفنه وقف شقيقه محمد البدري في ساحة الأمام وعند القبر تم كشف جثة الشهيد أمام المشيعين ليروا ما بها من أثار التعذيب والدماء ما زالت تنزف منه ليطلع المشيعون على وحشية النظام وهم يرددون الله اكبر مما أدى إلى أخذ قسم منهم أثناء التشييع إلى المعتقل وتم تصوير التشييع والدفن من قبل أجهزة الأمن وبعد فترة. أصدر حكم الإعدام الغيابي على أخيه محمد البدري لأنه كشف حقيقة ما حصل لأخيه الشهيد فسافر إلى السعودية عام 1970م.

                

ويروي أحد الشهود الذين كانوا معه في الزنزانة: “لم أرَ في حياتي رجلاً بشجاعته داخل المعتقل، يُعذَّب ويفقد الوعي، ثم يعود إلى رشده فيعذَّب مرة أخرى، وهو يكرر ذكر الله، ثم يفقد الوعي تارة أخرى، لذلك كان المعتقلون معه يتوسلون إليه أن يلين بعض الشيء وأن يسكت؛ ولكنه اصر على تكفيره للبعث ، بل كان يصرّ في التحقيق على أنهم عملاء المستعمر"، واضاف الشاهد: "في أحد الأيام قام مدير الامن العام ناظم كزار بشتم الشيخ “البدري”، فما كان من الشيخ إلا أن رفع يده وضرب “ناظم كزار”، فانهال الجنود على “البدري” بالضرب من كل مكان وبمختلف الوسائل حتى أُغمي عليه، واستمروا في تعذيبه وحبسه انفراديا.
وورد في مذكرات شخص كان مرافقا له في نفس المعتقل (مذكرات : ﻓﻴﺎﺽ ﻣﻮﺯﺍﻥ):
((ﻛﻨﺖ ﻟﻢ ﺃﺯﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﺰﻧﺰﺍﻧﺔ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺇﻗﺘﺎﺩﻭﺍ ﺷﺨﺼﻴﻦ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﻣﻘﻴﺪ ﺍﻟﻴﺪﻳﻦ ﻣﻌﺼﻮﺏ ﺍﻟﻌﻴﻨﻴﻦ ﺭﺑﻄﻮﺍ ﺃﺣﺪﻫﻤﺎ ﺍﻟﻰ ﺷﺒﺎﻙ ﺯﻧﺰﺍﻧﺘﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﺎﺭﺝ ﻭﺍﻻﺧﺮ ﺍﻟﻰ ﺍﻟﺰﻧﺰﺍﻧﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻭﻗﺪ ﺟُﺮﺩﺍ ﻣﻦ ﻣﻼﺑﺴﻬﻤﺎ ﺍﻻ ﻣﻦ ﺳﺮﻭﺍﻟَﻴْﻬﻤﺎ. ﺍﻻﻭﻝ ﻛﺎﻥ ﺿﺨﻢ ﺍﻟﺠﺜﺔ ﻣﻜﺘﻆ ﺍﻟﻠﺤﻴﺔ كانه ﺗﺠﺎﻭﺯ ﻋﻤﺮﻩ ﺍﻟﺨﻤﺴﻴﻦ ﻋﺎﻣﺎ ﺣﺎﺳﺮ ﺍﻟﺮﺃﺱ ﻭﺑﻌﺪ ﻟَﺄﻱٍ ﻋﻠﻤﺖ ﺍنه ﻫﻮ ﺍﻟﺸﻴﺦ ‏( ﻋﺒﺪﺍﻟﻌﺰﻳﺰ ﺍﻟﺒﺪﺭﻱ ‏) ﺍﻟﺪﺍﻋﻴﺔ ﺍﻻﺳﻼﻣﻲ ﻭ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﺪﻳﻪ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺆﻟﻔﺎﺕ ﻓﻲ ﻣﻮﺍﺿﻴﻊ ﺷﺘﻰ ﺑﺎﻟﻔﻘﻪ ﻭ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻭ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻉ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ. ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ ﻋﻄﺸﺎﻧﺎ ﻳﺴﺘﻐﻴﺚ ﻭﻳﻄﻠﺐ ﺷﺮﺑﺔ ﻣﺎﺀ ﻭﻗﺪ ﺍﻭﻫﻤﻪ ﺍﺣﺪ ﺍﻟﺴﺠﺎﻧﻴﻦ ﺑﺄﻧﻪ ﻳﺮﻭﻡ ﺳﻘﻴﻪ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻭﻃﻠﺐ ﻣﻨﻪ ﺍﻥ ﻳﻔﺘﺢ ﻓﻤﻪ ﻟﺴﻘﻴﻪ ﻟﻜﻦ ﺍﻟﺴﺠﺎﻥ ﺑﺪﻻ ﻣﻦ ﺳﻘﻴﻪ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻓﺘﺢ ﻟﻬﻴﺐ ﻭﻻﻋﺔ ﻏﺎﺯﻳﺔ ﻓﻲ ﻓﻤﻪ ﻭﻛﺄﻧﻬﺎ ﻗﺎﺫﻓﺔ ﻟﻬﺐ. ﺻﺮﺥ ﻋﻠﻰ ﺍﺛﺮﻫﺎ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺑﺼﻮﺕ ﻋﺎﻝ ﻣﺸﻮﺏ ﺑﺎﻟﺤﺰﻥ ﻭﺍﻻﻟﻢ ﻭﻫﻮ ﻳﻘﻮﻝ "ﺣﺴﺒﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻧﻌﻢ ﺍﻟﻮﻛﻴﻞ" ﻭﺑﻌﺪ ﻳﻮﻣﻴﻦ ﻭﻫﻮ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻧﻘﻠﻮﻩ ﺍﻟﻰ ﻣﻜﺎﻥ ﺍﺧﺮ ﺣﻴﺚ ﻭﺿﻌﻮﻩ ﺑﺤﻮﺽ ﻣﺎﺀ ﻭﻛﺎﻥ ﺍﻟﺠﻮ ﺑﺎﺭﺩﺍ ﻭﺑﻌﺪ ﺍﻥ ﺗﺮﻛﻮﻩ ﻟﻔﺘﺮﺓ ﻃﻮﻳﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻮﺽ ﻧﻘﻠﻮﻩ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﻭﻭﺿﻌﻮﻩ ﺗﺤﺖ ﺍﻟﻤﺮﻭﺣﺔ ﺍﻟﻬﻮﺍﺋﻴﺔ ﻭﻳﻈﻬﺮ ﺍﻥ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺍﺻﻴﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﺛﺮﻫﺎ ﺑﺎﻟﺘﻬﺎﺏ ﺭﺋﻮﻱ ﺣﺎﺩ ﻗﺎﻣﻮﺍ ﺑﻌﺪﻫﺎ ﺑﻤﺤﺎﻭﻻﺕ ﻻﻧﻘﺎﺫﻩ . ﺍﺣضروا ﻟﻪ ﻃﺒﻴﺒﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻥ ﺟﻰﺀ ﻟﻪ ﺑﺴﺮﻳﺮ ﻭ ﺃﻋﻄﻮﻩ ﻣﻐﺬﻳﺎ . ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﺷﺮﻑ ﻋﻠﻰ ﻋﻼﺟﻪ ﻫﻮ ﺍﺣﺪ ﺍﻟﻤﻮﻗﻮﻓﻴﻦ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻮﺯﻳﺮ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ‏(ﻋﺒﺪﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻫﺎﻧﻲ‏) ﻭﻟﻢ ﺗﻤﻀﻲ ﻟﻴﻠﺘﺎﻥ ‏ﺣﺘﻰ‏ ﺗﻮﻓﻲ ﺑﻌﺪﻫﺎ ﺍﻟﺸﻴﺦ)) .مقتبس من مذكرات : ﻓﻴﺎﺽ ﻣﻮﺯﺍﻥ،

   

                              ناظم كزار

توفي البدري مقتولاً شهيداً سعيداً حميداً بإذن الله سنة (1389/ 1969) فقد عاش قرابة أربعين سنة لكنه ترك أثراً كبيراً لا يتناسب مع عمره القصـير ـ رحمه الله تعالى، فما أشبهه بمن مات من العلماء المجاهدين وقد ناهز الأربعين أو جازها بقليل رحمهم الله تعالى.
قالوا عنه
قال فيه الدكتور صالح السامرائي حفظه الله:
"إنه رجل لا يعرف الخوف؛ فمن الدلائل الواضحة على جرأته أنه بعد قيام ثورة “عبد الكريم قاسم” المرعبة بأسبوع فقط خطب خطبة عصماء كفّر فيها الشيوعيين ونَفّر القلوب منهم، فأزعج الشيوعيين حتى أن “فاضل المهداوي” رئيس محكمة الشعب الهزليـة ـ التي نكّلت بالعراقيين وقتلت منهم كثيراً من المظلومين ـ اشتكى في المحكمة نفسها من البدري، فعزم الشيوعيون على التخلص منه".
وكان البدري آنذاك يخطب في جامع في الكَرْخ وكان الناس يملأون المنطقة يوم الجمعة حتى المقاهي؛ فتوجه الشيوعيون إلى المنطقة لينظفوها بزعمهم، فجمع البدري الناس، وسلّح بعضهم، وكان له سلاح، فهبّوا جميعاً لصدّ الشيوعيين، وكان يتلو عليهم قول الله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾، وصار يطلق الرصاص على الشيوعيين فانهزموا كالفئران ولله الحمد.
وقال فيه عالم آخر:
(... لقد لقي عبدالعزيز البدري من البلاء العظيم، والتعذيب الشديد داخل السجون، ما يشيب لهوله الولدان، ولكنَّه مع هذا ظلّ صامدًا صابرًا محتسبًا، رافضًا لكل العروض المغرية، التي عُرضت عليه ليسير في ركاب الحكام، ولم تنفع معه كل الأساليب رغبًا ورهبًا، فاستمر زبانية الظالمين، وجلادو السجون، وجلاوزة السلطة في تعذيبهم له، حتى قطَّعوا جسمه إربًا إربًا، ولفظ أنفاسه الأخيرة؛ ولقي ربه 1389 عام 1969 وهو لم يجاوز الأربعين من عمره، فضرب بذلك أروع المثل، لصبر العلماء الدعاة، أمام بطش الطغاة، وأخذ بالعزيمة؛ لأنه من أولي العزم، الذين لا يترخّصون حبًا للسلامة والعافية، بل يقدِّمون أرواحهم رخيصة في سبيل الله، ولإعزاز دين الله، ومن أجل المستضعفين في الأرض من المسلمين، فكان نعم المثل والقدوة، جرأة وصلابة وصبرًا وثباتًا.

    

حياته الاجتماعية:
تزوج من ابنة عمه ( مريم حسين ) وانجب منها اربعة اولاد هم (أحمد، محمود، سعد، عمر) وأربع بنات وهن ( آلاء، زهراء، اسماء، وعلياء(.
ذكريات عن الشيخ البدري المعلم في التربية الاسلامية
من ذكرياتي عن الشيخ البدري كمعلم في التربية الإسلامية التي التحقت بها عام 1954 بالصف الأول الابتدائي وغادرتها عام 1963 بعد حصولي على شهادة المتوسطة وانتقلت بعدها الى ثانوية الاعظمية ومن ثم الثانوية العربية بالكرخ

   

ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ : ﺍﻟﺸﻴﺦ ‏( ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰﺍﻟﺒﺪﺭﻱ ‏) ﻳﺘﻮﺳّﻂ ﻃﻠﺒﺘﻪ ﻣﻦ ‏( ﻣﺪﺭﺳﺔ ﺍﻟﺘﺮﺑﻴﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ‏) ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺭﺣﻠﺔ ﻣﺪﺭﺳﻴﺔ ﺍﻟﻰ ‏( ﺳﺪﺓ ﺳﺎﻣﺮﺍﺀ ‏) ﻋﺎﻡ 1962 زانا الذي في الوسط وقد وضع الشيخ يده على كتفي

   


الواقف الى اليسار الشيخ البدري معلما في التربية الاسلامية

    

    الشيخ البدري مع احد طلابه محمود زيدان الرحيم

الشهيد عبدالعزيز البدري تغمده الله بواسع رحمته ومغفرته وتقبله لديه مع الشهداء والصديقين وحسن اولئك رفيقا كان من اساتذتنا المتميزين في مدرسة التربية الاسلامية يتميز بالنشاط والحركة والفعالية..كان يدرسنا مادتي الفقه والدعوة وكان رئيسا لجماعة الدعوة في المدرسة تضم طلابا من المدرسة وكان ياخذنا بسفرات مدرسية ويعلمنا الدعوة الى الله والتعريف بالدين وكسب القلوب...كان لا يهادن على الباطل ابدا وتميز الشيخ الشهيد بمواقفه الشجاعة والصلبة وبالاخص ضد الشيوعيين ايام المد الشيوعي 1959 ونال من الشيوعيين ما نال واتذكر موقف تصديه لزمرة من الشيوعيين ارادوا الدخول للمدرسة لاجبار الطلبة على المشاركة في تظاهرة لتاييد عبدالكريم قاسم فتصدى لهم ومنعهم من الدخول للمدرسة وكان احدهم يحمل قطعة خشب انهال بها على عمامة الشيخ البدري.
.ثم كان موقفه من المرحوم عبدالسلام عارف واعتراضه على السياسة الاشتراكية واصدر كتابا تكلم فيه ان (لا اشتراكية في الاسلام) لان الاسلام دين رباني ومنزه عن اي فكر آخر.. وقد منع الشيخ من الخطابة فترة رغم ان المرحوم عبدالسلام كان يحب الشيخ وكليهما من محلة واحدة هي (منطقة سوق حمادة).

    

اتذكر السفرات التي كان يصحبنا بها الشيخ عبدالعزيز البدري ويشاركنا العابنا حتى كرة القدم يشارك مع الطلبة لعبهم وهو مرتديا العمامة كما في الصورة المرفقة لسفرة المدرسة الى منطقة اللطيفية... 

إرثه العلمي
ترك الشيخ “البدري” عددا من الكتب والمؤلفات في موضوع “الإسلام السياسي”؛ منها: “الإسلام بين العلماء والحكام”، و” حكم الإسلام في الاشتراكية”، و” الإسلام حرب على الاشتراكية والرأسمالية”، و” الإسلام ضامن للحاجات الأساسية لكل فرد”، و” كتاب الله الخالد القرآن الكريم”. بالإضافة إلى عشرات الخطب والمواعظ الإسلامية التي كانت متداولة بين الناس قبل أن يصادر النظام مكتبته الصوتية بما فيها من تسجيلات، ويمنع تداولها في الأسواق بين الناس.

الشيخ الشهيد البدري في قبره:

  

كتب شاهد عيان يقول: (رغم مرور 31عاماً على دفنه فلم تأكل الأرض جسده ففي العام 2000م كان فريق مشترك من الأمن والمخابرات العامة ودائرة الاثار يبحث عن قبر أحد ابناء المتوكل في مقبرة الاعظمية، وكانوا يحفرون بجوار قبر الشهيد البدري، ففتحوا قبر الشهيد وانكشف الغطاء عن جثته الطاهرة فضغط أحدهم على جسده فرآه طرياً وكأنه دفن تواً فدخل الرعب والخوف في قلوبهم فأهالوا عليه التراب وانصرفوا خائفين"
الحكومة تكرم الشيخ البدري وتمنحه لقب (شهيد عظيم):
في 7-9-2006 صدر مرسوم جمهوري باعتبار الشيخ عبدالعزيز البدري الذي قتل تحت التعذيب عام 1969 شهيدا ومنحه لقب (شهيد عظيم) ومنح عائلته راتباً تقاعدياً تقديراً للدور الإنساني والبطولي الذي أداه الشهيد البدري في حياته، وتقديراً لخدماته الكبيرة والكثيرة للعراق وللإسلام ودوره التاريخي البارز ولما أسداه سماحة الشيخ الشهيد رحمه الله من خدمات جليلة للوطن وكفاحه وتصديه للظلم والحيف ولإحقاق العدل، فقد قرر رئيس الجمهورية تكريم سماحته باعتباره شهيداً عظيما للعراق وأحد رموز العراق الذين جادوا بأرواحهم الطاهرة في سبيل دحر الظلم وإرساء دعائم الحق و إشادة صرح المساواة والحرية للشعب العراقي.
كان الشهيد البدري من العلماء الموحدين والمقربين بين الطوائف الاسلامية وتربطه بعلماء الشيعة علاقات وطيدة في سعي منه لتقريب وجهات النظر فيما يتعلق بين الشيعة والسنة.

             

رحم الله الشيخ المجاهد الشهيد عبدالعزيز البدري الذي عاش اربعين عاما حافلة بالجهاد ومقارعة الظلم والدفاع عن الاسلام، تميز بمواقفه الشجاعة الصلبة ولم اجد في حياتي رجلا اصلب منه او اشجع منه في قول الحق دون ان يهاب احدا الا الله.
المصادر
• من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة - تأليف المستشار عبد الله عقيل بن سليمان العقيل - دار التوزيع والنشر الإسلامية - الطبعة الثالثة مصر 2006م –
• أعيان الزمان وجيران النعمان في مقبرة الخيزران: تاليف وليد الاعظمي بغداد 2001
• تأريخ علماء بغداد في القرن الرابع الهجري – تأليف الشيخ يونس السامرائي بغداد - مطبعة الأوقاف - 1982 م-
• سيد الشهداء العالم الصادع عبدالعزيز البدري السامرائي رحمه الله بقلم الدكتور محمد موسى الشريف.
• “عبد العزيز بن عبد اللطيف البدري” المعرقة.
• الشيخ المجاهد عبدالعزيز البدري” ويكيبديا إخوان.
• مقتل الشيخ عبد العزيز البدري لمن لا يدري” خالد عوسي.
• عبد العزيز البدري” ويكيبديا - الموسوعة الحرة.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

887 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع