بعد هجرة أبنائها .. لمن ستقرع اجراس كنائس البصرة؟!

        

                             استطلاع
                           --------   
    بعد هجرة ابنائها،لمن ستقرع اجراس كنائس البصرة ؟ !

       

       

                 محمد سهيل احمد*

  

* المدرس عامر :"تمثل العمارة البيزنطية إحدى المراحل أو الفواصل التاريخية الهامة في مسيرة الحضارة المعمارية العالمية ، لتظهر في طرز بعض الكنائس  في العراق وفي البصرة بالذات ."
 ** الكابتن البحري وزير النقل حاليا كاظم الحمامي :" الميزوبوتاميا ارض الآشوريين والسريان الأرثوذكس (اليعاقبة) والسريان الكاثوليك والكلدان واللاتين والنسطوريين, ومنبت الكنائس المسيحية كلها منذ العهود القديمة إلى العصور الذهبية التي عمقت فيها جذورها من نينوى إلى البصرة ."
3ـ  الصيدلاني اكرم لاسو : " اتمنى أن تكون هذه الأعياد بداية للمحبة والتآلف بين أفراد المجتمع الواحد، كما أدعو المسؤولين العراقيين إلى أن ينشروا أسس السلام في العراق ."

      

للمسيحيين في العراق ، بمختلف طوائفهم ، حضور سحيق في القدم اذ انهم سكنوا ارض السواد ، لاسيما شمالي البلاد ، في فترات سبقت دخول  الاسلام بقرون . فمثلما كانت بلاد الشام موطنا للغساسنة ، كانت الحيرة موطنا للمناذرة . ويسجل تاريخ الدولة العباسية انتشار عدد كبير من الأديرة في شتى بقاع العراق . وفي الأرجح سميت العديد من المناطق نسبة لما شيد فيها من اديرة وكنائس كناحية الدير التي تقع على مبعدة خمسة وثلاثين كيلومترا شمالي البصرة والتي اكتسبت تسمية الدير نسبة لوجود اكثر من مركز عبادة مسيحي  كدير العاقول والدهدار وحبايل والجماجم .
 ولكن ماهو حال الكنائس في بصرة اليوم ؟ من المؤكد ان أعداد مرتاديها بدأت في التناقص في السنوات الاخيرة لأكثر من سبب رغم انهم مواطنون عراقيون ابا عن جد وأنها تواجه ما واجهته شواخصنا المعمارية من اهمال وتهميش وقلع .
يورد احد المؤرخين اسماء الكنائس المسيحية ، على مختلف مذاهبها قائلا : " قبل سنوات الحروب والاضطرابات السياسية عرفت البصرة ما يزيد عن العشرين كنيسة هي كنيسة مار أفرام للكلدان الكاثوليك في البصرة
،كنيسة القديسة تيريزا اللاتين كنيسة القلب الاقدس السريان الكاثوليك في حي الداكير في البصرة ، دير راهبات التقدمة للاتين في حي مناوي باشا في البصرة.كنيسة مريم العذراء للسريان الأرثوذكس في البصرة أسست عام 1936م كنيسة الأرمن الأرثوذكس في البصرة كنيسة الصخرة الرسولية في العشار في البصرة. الكنيسة الانجيلية المشيخية في مدينة البصرة. كنيسة السريان الكاثوليك في العشار في البصرة ، كنيسة سيدة البشارة في الطويسة الكلدانية ، كنيسة مارتوما في البصرة القديمة الكلدانية
كاتدرائية مريم العذراء الكلدانية  ،كنيسة مريم العذراء الشرقية للاثوريين كنيسة الاثوريين في كوت الحجاج ودير راهبات الكلدان في الكزارة  اضافة الى كنيسة الأدفنتست السبتيبن في منطقة الكورنيش بالقرب من الموقع الحالي لغرفة تجارة البصرة .ومعروف ان اماكن العبادة هذه تفتح ابوابها لتمارس أنشطتها الدينية اعتمادا على عدد مرتاديها . ولكن يبدو ان أسبابا عديدة ادت الى انكماش هذه الانشطة لهجرة مرتاديها او لفقدان الشعور بالامان بسبب تفاقم موجات التطرف التي أصابت المجتمع في مقتل " .
عن الجذور

سؤال من شعبتين يطرح نفسه : لماذا تأخر الحضور المسيحي في البصرة تاريخيا ، وقياسا بحضورهم القديم في مدن الشمال العراقي .يحدثنا احد المؤرخين البصريين
مفسرا : " يرجع تأخر هجرة مسيحيي العراق الى البصرة الى سببين اولهما ان تأسيس البصرة جاء متأخرا عام 14 هجري ، قياسا بوجودهم في مدن الشمال العراقي ، ثم ان المدينة انتظرت اكثر من قرن من الزمان كي تتحول الى ميناء حيوي ومركز تجاري جاذب للوافدين . اما اسباب تدفق الهجرات على مدينة كالبصرة فيعود كما ذكرنا لأسباب تجارية تتعلق بازدهار المدينة مما جعلها الميناء الرئيس في الخليج العربي . اما بالنسبة لنا نحن المسيحيين فأسباب هجرتنا ارتبطت بالرغبة في تحسين الاوضاع الاقتصادية للوافدين . لكن ذلك لم يكن السبب الوحيد فالعديد من الهجرات حصلت بسبب الغزوات والمجازر التي تعرض لها القادمون عبر عصور التاريخ تأتي طائفة الأرمن في مقدمتها لما لاقته من مجازر وشتى صنوف الاضطهاد في بلاد الاناضول والبقاع التي كانت تسيطر عليها " .
في كتابه التوثيقي ( لوحات من البصرة .. عبير التوابل والموانئ البعيدة ) يورد الكاتب احسان وفيق السامرائي نبذة عن تاريخ كل طائفة والاسباب التي دعتها للهجرة للبصرة ذاكرا : "لقد عاشت الطوائف بمختلف تنوعاتها في البصرة بشكل لامثيل له من التسامح وحرية العبادة منذ العهد العثماني وحتى سقوط الملكية .

 

وفي البصرة مجموعة كبيرة من الاديرة والمعابد والكنائس مثل كنيسة الاباء الكرمليين ( اللاتين الذين دخلوا البصرة قادمين من ايران وروسيا عام 1623 حيث بنيت كنيسة للطائفة واعيد ترميمها لأكثر من مرة ) ،أما الكلدان فقد دخلوا البصرة اواخر القرن التاسع عشر قادمين من الموصل وكركوك وبغداد حيث افتتحوا كنيستهم عام 1907 لكن الاب جبرائيل حنينا اضطر لتأسيس كنيسة جديدة عام 1929 وهي كنيسة العذراء بعد ان ارتفع عدد ابناء الطائفة الى 300 فردا . اما السريان فلغاية 1880 لم يكن لهم مركز ديني فأرسل المطران نوري المارديني الاب يوسف جرجي البغدادي فأتم بناء كنيسة العشار سنة 1908 . وفي سنة 1940 افتتحت كنيسة جديدة بمساعدات من بيت حنا الشيخ وبيت لاسو وبيت عبيدة وبيت مارين . بينما يعود تواجد طائفة البروتستانت الى سنة 1890 ولم تكن لهم كنيسة الا بعد وصول الأب جون فانيس الذي بادر بتأسيس كنيسة جديدة في مدرسة الرجاء العالي عام 1900 . وفي عام 1925 بوشر ببناء كنيسة بمعونة الوجهاء ميخا جبوري وتوما خدوري والصيدلي سليم باكوس ومجيد سلومي ( صاحب سينما الوطني ) والصيدلي ابراهيم ريحان وجوليس سمعان وعزيز مختار وتوماس سمعان ويوسف سيسو وعبد الكريم عشو " ويواصل الكاتب السامرائي حديثه متطرقا الى طائفة الارمن الارثوذوكس مستطردا : " يعود تاريخ الارمن في العراق الى سنة 1500 ميلادي بعد ان هاجر قسم منهم من ايران وارمينيا وسكنوا العراق.

وفي سنة 1905 بعد ان ازداد توافد اعداد الطائفة قام ابناؤها بتشييد كنيسة السيدة  مريم العذراء في البصرة القديمة بعد ارتفاع اعدادهم هربا من المذبحة التركية ومن عوامل أخرى مثل شظف العيش والبطالة والرغبة في تحسين الحال "

   

طرز معمارية

 ويقدم الاستاذ عامر ـ مدرس في احدى الاعداديات موجزا للطرز المعمارية التي تميز الكنائس المسيحية في العراق ، بشكل عام ، وفي البصرة بشكل خاص قائلا : " تمثل العمارة البيزنطية إحدى المراحل أو الفواصل التاريخية الهامة في مسيرة الحضارة المعمارية العالمية ، لتظهر في طرز بعض الكنائس  في العراق وفي البصرة بالذات  ، بعد اقترانها  بولادة المسيحية (فجر المسيحية ) في أوروبا ،حيث كان يطلق على الإمبراطورية البيزنطية  اسم الإمبراطورية الرومانية الشرقية ..
وكانت الإمبراطورية البيزنطية تضم هضبة الأناضول بآسيا وأجزاء من اليونان وجزر بحر إيجه وأرمينية وآسيا الصغرى والشام ومصر وفلسطين وليبيا وتونس والجزائر وأجزاء من شمال بلاد النوبة. وكانت هذه الإمبراطورية تأخذ طابعا إغريقيا في الثقافة والعلوم حيث حافظت علي التراث الإغريقي والروماني ، كما تأثرت بحضارات وفنون الشام ومصر وبلاد الإغريق ومابين النهرين . كما ان هناك الطراز البازليكي  الذي هو نمط معماري مقتبس من البازيليكي الرومانية (المعابد الرومانية) التي تتميز بكونها مساحة مستطيلة مقسمة بواسطة مجموعة من الأعمدة إلى ثلاث بوائك أكثرها اتساعا البائكة الوسطى، وتكون هذه البوائك عمودية على ما يسمى منطقة المذبح التي تشتمل على المحراب.
وقد ظل الطراز البازيليكي الطراز السائد في عمارة الكنائس في الدولة البيزنطية الرومانية الشرقية حتى القرن السادس الميلادي، بينما ظل منتشرا في أوروبا إلى القرن الثامن الميلادي، ويعتبر الطراز البازيليكي واحدا من أربعة طرز معمارية استخدمت في عمارة الكنائس المسيحية مثل كنيسة المهد في فلسطين .
وقد اشتهرت العمارة البيزنطية باستعمال القباب فى تغطية مساحات كبيرة من المبانى ثم انتقل استعمالها الى العمارة الإسلامية فى تركيا والعراق ومصر والشام ، حيث تبنى القباب إما بالطوب اللبن أو الحجر أو بنظم الإنشاء الحديدية أو من الخرسانة المسلحة، ومنها ما هومسمط ، ومنها ما تفتح فيها النوافذ للإنارة والتهوية. وإلى جانب الطراز البازيليكي هناك التصميم المركزي مثل الكنائس المستديرة أو المعتدلة الأضلاع، وهناك الكنائس المغطاة بقبة مركزية وأنصافها مثل كنيسة أيا صوفيا.
أما الطراز الرابع فهو طراز بيزنطي ظهر في القرن السادس الميلادي، وهو ما يعرف بالتصميم الصليبي، وفيه تعلو قبة مركز تقاطع أضلاع الصليب المتساوي الأضلاع. "
 ما يخشاه مسيحيو البصرة ـ وهم قلة ـ ان تمتد ايدي الهدم والازالة لتزيل ما شيده الاجداد المتجذرون في التربة العراقية المشاركون للأغلبية افراحها وأتراحها . وفي هذا المضمار يطلق الخبير البحري كاظم الحمامي صرخة التحذير قائلا : " الميزوبوتاميا ارض الآشوريين والسريان الأرثوذكس (اليعاقبة) والسريان الكاثوليك والكلدان واللاتين والنسطوريين, ومنبت الكنائس المسيحية كلها منذ العهود القديمة إلى العصور الذهبية التي عمقت فيها جذورها من نينوى إلى البصرة تاركة بصماتها الأثرية شامخة كشواهد حية لتنوع حضارة ارض الرافدين حتى يومنا هذا, لكنها لم تكن بمنأى من بلدوزرات التخريب والتدمير, ولم تكن بمنأى من حملات التفريغ والتهجير. فقد كان لتقلب الأوضاع السياسية في العراق وتفجرها بسلسلة متعاقبة من الثورات والانقلابات العسكرية للفترة من 1958 إلى 1978, وتورط البلاد والعباد بمتوالية مرهقة من الحروب والمآسي والنكبات للفترة من 1980 إلى 2003, وتفجر الصراعات السياسية الطائفية للفترة من 2003 إلى 2013, كان لها الأثر الكبير والمباشر على حياة المواطنين بشكل عام, وعلى حياة الأقليات المسيحية والصابئية بشكل خاص, فاستشعروا الخطر, وتعاظم قلقهم بوتائر شتى تنوعت بين الاحتلال والقهر وفقدان الأمان وغياب السلام واختلال موازين العدالة والإنصاف, ووجدوا بقائهم في العراق يضعهم في مواجهة المخاطر الداهمة, ويحرمهم من ممارسة شعائرهم الدينية على وجه الاعتياد, ويستنزف قدراتهم المادية, وينغص عيشتهم, ففضلوا الهجرة نحو محطات الغربة والاغتراب, وهكذا خسر العراق الجزء الأهم من مقوماته البشرية, وتردت قدراته المستقبلية في مواجهة التحديات القائمة, فتركت هذه الهجرة جملة من التغيرات السلبية المؤلمة في بيئتنا الحضارية والثقافية. في البصرة الآن سبع طوائف مسيحية تمثلها (145) عائلة فقط, فجاءت فكرة تأسيس مجلس الدفاع عن حقوقهم بمبادرة كريمة من الدكتور سعد متي بطرس, الذي كان سباقا في المطالبة بترميم الكنائس القديمة, والعناية بالمهددة بها, والسعي لتقديم الدعم والإسناد للأسر المسيحية المتضررة . ختاما نقول: ينبغي أن لا نبخس حقوق أشقائنا المسيحيين ودورهم التاريخي المشرف في صناعة هذا المجد الشامخ فوق أرض الميزوبوتاميا المقدسة, وينبغي أن لا يذهب هذا الإرث النفيس في مهب الريح, وأن لا نسمح لذوي النفوس الضعيفة بطمس هذه المواقع الأثرية التي تمثل إحدى الصور المشرقة لمهد الحضارات.

  

لمن ستقرع الاجراس ؟
واكتفت كنائس البصرة في عيد الميلاد بالقداس، لتزامن العيد بمناسبة حزينة للطائفة الشيعية، وهي أربعينية الإمام الحسين بن علي (ع ) ، إلا أن المسيحيين يستذكرون أعيادهم في سنوات خلت، ومنها ما ذكره احد الاعلاميين المسيحيين أن البصرة كانت تقطنها عائلات مسيحية كثيرة، وهي منتشرة في عموم المحافظة. بل إن هناك مناطق سميت بأسمائهم مثل "كمب الأرمن" الذي كانت تسكنه أغلبية أرمنية، وكانت الدوائر الحكومية قبل عام 2003 يعمل فيها العديد من الموظفين المسيحيين خاصة في دوائر الموانئ والسكك والنفط.
ويستطرد جورج متحدثا للجزيرة نت قائلا:" كان هناك في البصرة العديد من الأندية الاجتماعية الخاصة بالمسيحيين يجتمعون فيها ويقيمون فيها احتفالات أعياد الميلاد، مثل نادي الفيحاء ونادي الآثوريين في الطويسة ونادي الأرمن في المعقل والنادي الآرامي في منطقة بريهة، إلا أن جميع تلك النوادي أغلقت ولم يبق منها سوى نادي الأرمن في المعقل، وهو مبنى مهجور وخرب ! "

وقال الصيدلاني أكرم لاسو : " اتمنى أن تكون هذه الأعياد بداية للمحبة والتآلف بين أفراد المجتمع الواحد، كما ادعو المسؤولين العراقيين إلى أن ينشروا أسس السلام في العراق، وأن لا يكون التناحر صفة ملازمة لسياساتهم.من جهته قال رئيس لجنة المكونات الدينية بمجلس محافظة البصرة نوفاك آرام بطرسيان أن "البصرة حاضنة لكل المكونات التي عاشت معاً منذ عهد بعيد، وهي ما زالت تحمل تلك الروح المبنية على التواصل والتآلف والانسجام".
وتشير إحصائيات الكنائس في محافظة البصرة إلى أنه كان في المدينة تسع كنائس، وكان أغلبها يقع متداخلا مع مساجد المسلمين ومناطقهم، فمنطقة العشار كان في أحد شوارعها مسجد وكنيسة ودير لليهود، إلا أنه لم يبق من ذلك الأثر التاريخي إلا مسجد يطلق عليه الأهالي جامع الأمير.وكانت أجراس الكنائس تقرع في المناطق الشعبية مثل منطقة الجمهورية خلال أيام الأحد، وقد اختفت تلك المشاهد من المدينة إلا في مناطق محدودة.

السؤال المطروح الان : اجراس كنائس البصرة .. بعد هجرة روادها وابنائها  .. لمن تقرع الان ؟ !


*مدير مكتب الگاردينيا في البصرة.

   

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

349 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع