
أ.د.صلاح رشيد الصالحي
من (جارتي العجوز) إلى عرافات الملوك(المرأة العجوز) في الشرق الأدنى القديم

قبل عشرين عامًا، وتحديدًا مع بداية نسمات الغروب في فصل الخريف، كنت قد حجزت تذكرة سفر إلى خارج العراق لأمر مهم، ولم أخبر أحدًا، لأن مدة إقامتي ستكون بضعة أيام فقط، وبما أن موعد سفري صباحًا، فقد هيأت حقيبة السفر، وأخرجت بعض الحاجات القديمة ومعها الزباله من المنزل، لغرض حرقها في أرض خالية مجاورة لسكني، وبينما كنت منهمكًا في عملية الحرق، مرت جارتي، وهي امرأة كبيرة السن، تقية فاضلة، ودائمًا تسبح بذكر الله، وعندما رأتني وأنا أقف بالقرب من النار، نادتني باسمي قائلة: (سوف تسافر غدًا، وتعود بالسلامة)، فشكرتها، فأنا أعرف أن لديها خبرة بالتنبؤ والرؤيا من خلال النظر في الوجه أو التصرفات، ودائمًا تتحقق نبوءاتها.
وخلال دراستي لتاريخ دول الشرق الأدنى القديم، ترد أحيانًا عبارة (المرأة العجوز) في النصوص القديمة، فمثلًا، عند اليونانيون (Greek)، كان عمر (المرأة العجوز) نحدد فوق سن الأربعين، وربما كان هذا هو الرأي السائد في بلاد الرافدين، وقد وصف اليونانيون المرأة العجوز بتعريف لاذع: (إذا لم تعد قادرة على وصف نفسها بالخصوبة أو الإثارة، وإذا توقفت عن الإنجاب، وبالتالي لم تعد لها أهمية لرجال المنزل).
أما في العراق القديم، فيمكن تتبع قصة الجارية الآشورية منذ لحظة بيعها وهي طفلة، حتى بيعت بوصفها ـبارشونتو (paršuntu)، أي (امرأة عجوز)، وفي ذلك الوقت كانت قد بلغت الثلاثين من عمرها فقط، ولا بد أنها عاشت حياة قاسية.
عمومًا، في اللغة السومرية، تعني كلمة (abba) (رجل عجوز لديه أبناء)، وأوما (umma) تعني (امرأة عجوز لديها أبناء)، وتشبه هذه الكلمة إلى حد كبير الكلمة الأكدية أمو (ummu)، وتعني (أمّ)، والمستخدمة في اللغتين الأكدية والعربية، أي امرأة (توقفت عن الإنجاب)، وهو وصف كان يعتبر بالتأكيد أن المرأة كبيرة في السن.
وتشير رسالة من الفرعون رعمسيس الثاني (Ramesses) ملك مصر، إلى خاتوشيلي الثالث (Ḫattušili)، ملك الحثيين (Hittites) (1267-1237) ق.م، حول أخته الأميرة الحثية متانازي (Matanazi)، وكانت متزوجة من ماشتوري (Mašturi) حاكم مقاطعة حثية تدعى بلاد نهر شيحا (Šeha) ، والأميرة لم تنجب أطفالًا، لذلك طلب خاتوشيلي الثالث من الفرعون إرسال طبيب وأعشاب، فكان رد رعمسيس الثاني أن عمر الأميرة متانازي بلغ (50)، أو ربما (60) عامًا، فلا يستطيع أحد تحضير أعشاب لها لتتمكن من الحمل والإنجاب، وهي إشارة إلى (سن اليأس).
لذلك يُقال إن المرأة (توقفت عن الإنجاب)، والكلمة الأكدية بارستو (pāristu) تعني (المرأة التي توقفت)، ويبدو أنه كان من الأفضل لهن عدم التفكير في النشاط الجنسي، ففي نص سومري توضح المرأة العجوز هذه النقطة بشكل مؤثر: (وعائي جيد، ولكن وفقًا لعائلتي، فقد انتهى كل شيء بالنسبة لي).
كانت النساء المسنات يُعتبرن حكيمات، وغالبًا ما تحمل كلمة أوما (umma) معنى (أمي)، فهي التي تقدم النصائح كما ورد في الأساطير، وكانت إحدى النساء المسنات البارزات تحمل لقب بورشمتو (puršumtu)، وهي كلمة تعود أصولها إلى اللغة السومرية، ويُفترض بأنها تعني (حكيمة) في الأدب السومري، وكانت النساء المسنات يفسرن الأحلام، وهي مهارة كانت تتمتع بها والدة جلجامش (Gilgamesh)، كما في نص آشوري قديم من كانيش (Kaniš) في بلاد الأناضول، ولكونها امرأة مسنة تفسر الأحلام، فمن المتوقع أن يعرفن المزيد عن عالم التنبؤات، فالمرأة العجوز كانت تعرف جميع تقنيات العرافة، ولها دورا كبيرا في أداء الطقوس السحرية للآخرين، وهي خدمة كانت تتقاضى عليها أجرًا، وحتى الناس، سواء في المدن أو المعابد، حيث تتواجد بعض النساء المسنات، كن يمارسن العرافة، فكان يُنظر إليهن غالبًا على أنهن يمتلكن قدرات خارقة.
نص حثي (Hittite) حول (المرأة العجوز)
هناك نص يدعى (الوصية) للملك الحثي خاتوشيلي الأول (Ḫattušili)(1620) ق.م، ورد فيه (المرأة العجوز)، وتعتبر الوصية من روائع الأدب الحثي المسماري، ولم نرَ مثله في بلاد الرافدين ولا مصر، فمن خلال (الوصية) عرفنا العلاقة بين الملك وعائلته.
وكان خاتوشيلي الأول يعاني من جرح بليغ أصيب به جراء حصاره لمدينة حلب أو حالبا (Aalpa) في شمال سورية (بالعراقي: موات، أي سيموت لا محالة)، فذكر في الوصية سيدة تدعى هاستيار (Hastayar)، ربما زوجته، أو محتمل أمه، أو إحدى بناته، أو محظيته، وهو يعطيها النصائح بكلمات حزينة: (الملك العظيم لابارنا، يستمر في الكلام مع هاستيار (Hastyar)، لا تهجريني ... يقول مسؤولي القصر: (انظر، هي تستنطق المرأة العجوز). يرد الملك عليهم هكذا: (هي حتى الآن تستجوبني. أنا سأعطيكِ كلماتي كإشارة: اغسليني جيدًا، وضميني إلى صدرك، واحميني....)، في النص إشارة مهمة جدًا، إن زوجة الملك كانت تسأل (المرأة العجوز) حول صحة الملك خاتوشيلي الأول الحرجة، وأن المرأة العجوز كانت تؤدي دورًا تنبؤيًا في البلاط خلال العصر الحثي القديم.
أما الدراسات الحديثة فتؤكد أن شو-جي (ŠU.GI) تعني امرأة متخصصة في العرافة، وتمارس ما يعرف بـ(الوحي-كين) (KIN-oracle)، وهو أحد أنواع العرافة الرسمية عند الحثيين، وكانت فكرة الاستعانة بامرأة متخصصة في التنبؤ معروفة أيضًا في العراق القديم، لكن لا نستطيع القول إن طريقة (المرأة العجوز) الحثية هي نفسها الطريقة العراقية القديمة، ففي بلاد الرافدين كان هناك نظام متطور جدًا للعرافة، ووجدت نساء يمارسن العرافة إلى جانب الرجال، وكانت هناك وسائل متعددة، مثل فحص كبد وأحشاء الأضاحي، ومراقبة الطيور، والزيت في الماء، والأحلام وغيرها.
إن مصطلح شو.جي (ŠU.GI) الذي يطلق على (المرأة العجوز) التي تمارس العرافة الحثية، قد تكون له صلة بالتقاليد الرافدينية، ولا سيما أن الحثيين أخذوا كثيرًا من علوم العرافة والطقوس من بلاد الرافدين،
فالمصطلح الأكدي/السومري (MUNUS ŠU.GI) قد يعني (امرأة عجوز) تمارس وظيفة التنبؤ، لأن كلمة (MUNUS) تعني (امرأة)، وشو.جي(ŠU.GI) هو مصطلح يترجم عادة إلى (Old Woman) أي (المرأة العجوز).
وهناك وثيقة حثية تذكر (المرأة العجوز الحكيمة من حاتّوشا) (حاتوشا عاصمة المملكة الحثية، وتقع على مسافة (140) كم شرق أنقرة في تركيا)، وتعود الوثيقة إلى عهد خاتوشيلي الأول كتبت العبارة: (URU Ḫattušumaš MUNUS ŠU.GI).
صفات المرأة العجوز الحكيمة
يمكن أن نضع صفات (المرأة العجوز) التي تمارس التنبؤ بالنظر إلى وجه الشخص أو ملاحظة تصرفاته وحركاته، فترى الأحداث وتذكرها، وتحقق الرضا والقبول لدى الناس، سواء بتنبؤاتها أو حكمتها، ومن هذه الصفات التي تتحلى بها:
1- البساطة والهدوء والتقشف عن الأموال وعدم الثرثرة.
2- الإيمان والتقوى بالآلهة والقوى الغيبية.
3- إجاباتها عن أسئلة الآخرين بكلمتين: «نعم» أو «لا»، وربما بضع كلمات فقط.
إن امرأة بهذه الصفات لا بد من الاستماع إلى نصائحها وحكمتها، وما تذكره من تنبؤات فهن الخير والبركة، فقد وصفت الإلهة كولا (Gula) (ربة الأطباء والشفاء)، مراحل حياة المرأة: (أنا ابنة، أنا العروس، أنا الزوجة، أنا مدبرة المنزل)، وخلال هذه المراحل نجد أن للمرأة حقوقًا، وعليها واجبات والتزامات تجاه أسرتها، وأيضًا تجاه المجتمع...مع تحياتي...
الأستاذ الدكتور
صلاح رشيد الصالحي
تخصص: تاريخ قديم
بغداد- 2026

886 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع