الاستعارة المفاهيمية في وصف الحرب في الأغنية العراقية بعد عام ٢٠٠٣

م. علياء هادي سالم
مركز دراسات البصرة والخليج العربي
جامعة البصرة - العراق
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الاستعارة المفاهيمية في وصف الحرب في الأغنية العراقية بعد عام 2003

تتناول هذه المقالة تحليل الاستعارات المفاهيمية التي وظّفتها الأغنية العراقية بعد عام 2003 في وصف الحرب والعنف والإرهاب، اعتمادًا على نظرية الاستعارة المفاهيمية التي وضعها جورج لايكوف ومارك جونسون، والقائمة على فكرة أن الاستعارة أداة ذهنية لفهم مفاهيم مجرّدة عبر مفاهيم أكثر حسّية وقربًا من التجربة اليومية للإنسان. وتحلّل الدراسة عيّنة من الأغاني العراقية التي أُنتجت في مرحلتين مفصليتين من تاريخ العراق الحديث: مرحلة العنف الطائفي الداخلي، ومرحلة الحرب على تنظيم "داعش" الإرهابي. وتخلص إلى أن الأغنية العراقية بعد 2003 طوّرت منظومة استعارية جديدة كليًّا تختلف عن الاستعارات القتالية التقليدية، إذ حلّت استعارة "الوطن أسرة واحدة" و"الحرب إنذار عاجل" و"المقاوم حارس" محل استعارات التعبئة القومية القديمة، بما يعكس تحوّلًا عميقًا في وظيفة الأغنية من أداة تحفيز على القتال إلى أداة لمّ شمل وطني ومقاومة للتطرف.

منذ عام 2003 دخل العراق مرحلة سياسية واجتماعية شديدة التعقيد، تخللتها موجات من العنف الطائفي الداخلي، ثم حرب مفتوحة ضد تنظيم "داعش" الإرهابي بعد عام 2014. ورافقت هذه المرحلة موجة غنائية واسعة حاولت أن تصف هذا العنف الجديد بلغة مختلفة تمامًا عن لغة الحروب النظامية التقليدية بين الجيوش، لأن العدو هذه المرة لم يكن جيشًا خارجيًّا واضح المعالم، بل كان تارة انقسامًا داخليًّا بين أبناء الوطن الواحد، وتارة تنظيمًا إرهابيًّا يتلبّس هوية دينية مزيّفة. وقد أنتج هذا الواقع الجديد منظومة استعارية غنائية مبتكرة تستحق دراسة علمية دقيقة. ننطلق هنا من سؤال مركزي: كيف صاغت الأغنية العراقية بعد 2003 مفهوم "الحرب" ذهنيًّا عبر استعارات مستمدة من مجالات حياتية أخرى كالأسرة والجسد والكوارث الطبيعية؟ وما الوظيفة الاجتماعية التي أدّتها هذه الاستعارات في سياق بلد يحاول أن يعيد بناء نسيجه الداخلي بعد صدمات متتالية؟ وتعتمد الدراسة في الإجابة عن هذين السؤالين على تحليل تطبيقي لعيّنة من الأغاني العراقية المعروفة التي أُنتجت في هذه المرحلة تحديدًا، مستندة إلى ثلاثة مصادر عربية موثوقة في مجالي اللسانيات المعرفية والدراسات الغنائية الاجتماعية.
تقوم نظرية الاستعارة المفاهيمية، بحسب ما توضحه دراسة أكاديمية متخصصة في اللسانيات المعرفية، على أن الاستعارة ليست زخرفًا بلاغيًّا يقتصر استخدامه على الشعر والأدب الرفيع، بل هي وسيط أساسي بين الذهن والعالم، ولها حضور واسع خارج اللغة، في الأساطير والأحلام والأعمال الفنية، وهي الوسيلة التي ينظّم بها الإنسان تجربته اليومية. وتقوم آلية عمل الاستعارة على نقل خصائص من "مجال مصدر" ملموس ومألوف، إلى "مجال هدف" مجرّد يصعب على الإنسان تخيّله مباشرة. فحين تصف أغنية عراقية حديثة مكوّنات الشعب العراقي المختلفة دينيًّا بأنهم "إخوة"، فإن "الوطن" هنا هو المجال الهدف المجرد الذي يصعب الشعور به وجدانيًّا بذاته، بينما "الأسرة والأخوة" هي المجال المصدر الملموس الذي يعيشه كل إنسان في بيته يوميًّا. وحين يسمع المستمع العراقي هذه الاستعارة، فإنه لا يعالج "الوحدة الوطنية" بوصفها شعارًا سياسيًّا جافًّا، بل يستحضر مباشرة المشاعر الحقيقية التي يكنّها لإخوته الحقيقيين، وهذا الانتقال العاطفي هو جوهر فعالية الاستعارة في الخطاب الغنائي.
لقد مثّلت مرحلة العنف الطائفي الداخلي في السنوات التالية لعام 2003 تحدّيًا استثنائيًّا لكتّاب الأغنية العراقية، إذ لم يعد "العدو" جيشًا خارجيًّا يسهل تصويره استعاريًّا بوصفه خطرًا يستوجب الدفاع عن الأرض، بل أصبح العدو أحيانًا هو الجار أو ابن المدينة نفسها. وفي مواجهة هذا التعقيد، طوّرت الأغنية العراقية استعارة جديدة كليًّا هي استعارة "الوطن أسرة واحدة"، وأوضح مثال تطبيقي عليها أغنية تحمل عبارة "سنة وشيعة كلنا إخوة"، وأخرى تحمل عبارة "شنو ذنب المسيحي"، وهما أغنيتان تستخدمان مفردة "الإخوة" لمخاطبة مكوّنات الشعب المختلفة دينيًّا ومذهبيًّا. في هذه الاستعارة، يتحوّل "المكوّن الطائفي أو الديني"، وهو مفهوم اجتماعي سياسي مجرّد وقابل للاستغلال الأيديولوجي، إلى "أخ" حقيقي من لحم ودم، وهو تحويل استعاري يهدف إلى تفكيك منطق العداء الطائفي عبر استحضار أقوى رابطة عاطفية يعرفها الإنسان: رابطة الأخوة داخل الأسرة الواحدة. وقد أشارت قراءة اجتماعية متخصصة في أغنية الحرب العراقية إلى أن فنانين عراقيين حاولوا، عبر هذا النوع من الأغاني، إعادة الفن العراقي إلى الحياة بعيدًا عن التسييس، منتجين أناشيد وطنية وُصفت بأنها عادلة وغير منحازة، تتوسل المتحاربين أن يوقفوا العنف بدلًا من أن تحرّضهم عليه.
و تختلف الاستعارة السائدة في أغاني الحرب ضد تنظيم "داعش" بعد عام 2014 اختلافًا واضحًا عن استعارة الأخوة الداخلية، إذ تحضر هنا استعارة الخطر الداهم والحاجة إلى تحرّك فوري وعاجل. والمثال الأوضح على ذلك أغنية "يا ستار دخلنا يا عراق إنذار"، التي اشتهرت بشكل كبير وباتت موجهة مباشرة إلى الجيش العراقي لرفع همته في التصدي للتنظيم بعد سقوط مدينة الموصل، بحسب ما وثّقته دراسة متخصصة في أغاني الحرب العراقية. في هذه الاستعارة، لا يُصوَّر الوطن بوصفه أرضًا هادئة تنتظر الدفاع عنها فحسب، بل بوصفه جسدًا مصابًا في حالة طوارئ يحتاج إلى تدخّل فوري، وكلمة "إنذار" نفسها مستعارة من مجال الحرائق والكوارث الطبيعية، لتُسقط على الوضع العسكري المعقّد الذي عاشه العراق في تلك المرحلة. وهذا الانتقال من استعارة "الأخوة الهادئة" إلى استعارة "الإنذار العاجل" يعكس، من الناحية التداولية، تحوّلًا في طبيعة الخطر المتصوَّر ذاته: من خطر داخلي يمكن حله بالحوار والتصالح، إلى خطر خارجي مباغت يستدعي حشد الطاقات العسكرية والمعنوية فورًا دون تأخير.
ايضا ترتبط باستعارة الإنذار استعارة موازية تصوّر الجندي أو المقاوم في وجه الإرهاب بوصفه حارسًا لجسد الوطن المصاب، لا مجرد مقاتل عادي. وتتجلى هذه الاستعارة بوضوح في الأغاني التي أُنتجت خصيصًا لرفع معنويات القوات الأمنية العراقية خلال معارك تحرير المدن من تنظيم "داعش"، حيث يُخاطَب الجندي بصفته الحارس الذي يقف بين الخطر الداهم وبين جسد الوطن الذي يجب حمايته من التمزّق الكامل. وتُظهر دراسة متخصصة في أغاني الحرب العراقية أن هذه المرحلة شهدت أيضًا تنافسًا فنيًّا واسعًا بين مطربين شباب على إنتاج أغانٍ من هذا النوع، نظرًا لما حققته من شهرة واسعة وانتشار سريع في أوساط الجمهور العراقي المتعطش لخطاب يعيد له الثقة بمؤسسته العسكرية بعد صدمة سقوط عدة محافظات بيد التنظيم الإرهابي. وفي هذه الاستعارة، لا يعود الجندي فردًا معزولًا يؤدي واجبًا رسميًّا، بل يتحوّل إلى امتداد رمزي لجسد الأمة بأكملها، وهو ما يمنح كل نصر عسكري فردي بعدًا جماعيًّا يشعر به كل مستمع للأغنية وكأنه انتصار شخصي له.
ومن الاستعارات اللافتة أيضًا في هذه المرحلة، تحوّل التعبير عن الوطن من صيغة الجماعة المجرّدة إلى صيغة الصوت الفردي الحميم، وأوضح مثال تطبيقي على ذلك أغنية "أنا عراقية"، التي قدّمتها إحدى المطربات العراقيات في سياق تماشى مع موجة الأغاني التي تناولت الحرب من زاوية الهوية الشخصية، لا من زاوية الخطاب الجماعي الرسمي وحده، بحسب ما رصدته دراسة متخصصة في أغاني الحرب العراقية. في هذه الاستعارة، لا يُخاطَب المستمع بوصفه فردًا ضمن جماعة كبرى مجردة، بل يُدعى إلى أن يشعر بالانتماء الوطني بوصفه جزءًا من هويته الشخصية الحميمة، تمامًا كما يشعر بجنسه أو باسمه العائلي. وهذا التحوّل من الخطاب الجماعي الصرف إلى الخطاب الفردي الحميم يعكس تحوّلًا اجتماعيًّا أوسع في العراق بعد 2003، حيث بدأ الفرد العراقي، بعد عقود من هيمنة الخطاب الجماعي الرسمي، يبحث عن مساحة للتعبير عن انتمائه الوطني بصوته الخاص، لا بصوت السلطة أو الجماعة فقط.
من الاستعارات المتكررة أيضًا في أغنية الحرب العراقية بعد 2003 تصوير دم الضحايا والشهداء بوصفه بذرة تُنبت حياة جديدة للوطن، لا مجرد خسارة نهائية عدمية. ويظهر هذا النمط الاستعاري بوضوح في الأغاني التي رافقت جنازات الضحايا المدنيين والعسكريين في مراحل العنف الطائفي وحرب الإرهاب على حد سواء، حيث يُصوَّر فقدان الأبناء بوصفه ثمنًا مؤلمًا لكنه ضروري لاستمرار الوطن ونهوضه من جديد. وفي هذه الاستعارة، ينتقل الدم، وهو مادة بيولوجية مرتبطة بالموت والفناء في تجربتنا اليومية المباشرة، إلى مجال مختلف تمامًا هو مجال الزراعة والإنبات والحياة الجديدة، بحيث يصبح الموت، عبر هذا التحويل الاستعاري، جزءًا من دورة حياة أكبر لا نهاية عدمية. وهذا النوع من الاستعارة يؤدي وظيفة نفسية مهمة جدًّا في سياق مجتمع أنهكته سنوات طويلة من العنف المتلاحق، إذ يمنح المستمع الثكلى وسيلة لتحويل حزنه العميق إلى معنى يمكن احتماله، بدلًا من الاستسلام لليأس الكامل.
تكشف المقارنة بين المرحلتين المدروستين، مرحلة العنف الطائفي الداخلي ومرحلة الحرب على الإرهاب، عن تحوّل استعاري دقيق يستحق التوقف عنده. ففي المرحلة الأولى، كانت الاستعارة السائدة تعالج شرخًا داخليًّا يهدد بتفكيك جسد الوطن من الداخل، ولذلك غلبت عليها استعارة "الأخوة" التي تحاول لَمّ الشمل بين أطراف متنازعة داخل الأسرة الواحدة. أما في المرحلة الثانية، فقد غلبت استعارة "الحارس" و"الإنذار العاجل"، التي تعالج خطرًا موحَّدًا يهدد الجسد الوطني بأكمله من خارج نطاق الأسرة، ولذلك لم تعد هناك حاجة لاستعارة "لَمّ الشمل" بقدر الحاجة إلى استعارة "التعبئة الجماعية الموحّدة" ضد عدو واضح المعالم. وهذا التحوّل الاستعاري يعكس، من الناحية الاجتماعية والسياسية، تحوّلًا موازيًا في طبيعة "الآخر" المتصوَّر في كل مرحلة: من "آخر داخلي" يصعب التعامل معه استعاريًّا إلا عبر لغة التصالح الأسري، إلى "آخر خارجي" واضح المعالم يسهل تصويره استعاريًّا بوصفه خطرًا مشتركًا يوحّد الجميع في مواجهته، بصرف النظر عن انتماءاتهم الفرعية.
وهنا يمكن رؤية أن الأغنية العراقية بعد 2003 لم تعد تستخدم الاستعارة بوصفها أداة تحفيز على القتال ضد عدو خارجي واضح كما كان الحال في مراحل سابقة من تاريخ الأغنية العراقية، بل طوّرت وظيفة استعارية مزدوجة جديدة: فهي من جهة أداة علاجية تحاول رأب الصدع الداخلي عبر استعارة الأخوة والأسرة، ومن جهة أخرى أداة تعبئة جماعية موحِّدة في مواجهة خطر إرهابي مشترك عبر استعارة الحارس والإنذار. وهذه الازدواجية الوظيفية تعكس طبيعة المرحلة العراقية بعد 2003 ذاتها، التي جمعت بين تحدٍّ داخلي متعلق بالهوية والانتماء، وتحدٍّ خارجي متعلق بمواجهة تنظيم إرهابي عابر للحدود. ويلاحظ أيضًا أن الاستعارات في هذه المرحلة تنزع بشكل عام نحو تخفيف حدة الخطاب القومي الكبير الذي كان سائدًا في مراحل سابقة، لصالح خطاب أقرب إلى الحميمية الفردية والأسرية، وهو ما يتجلى بوضوح في التحوّل من مخاطبة "الأمة" بصيغة الجمع المجرّد إلى مخاطبة الفرد بصيغة "أنا عراقية" الحميمة، وهذا التحوّل بحد ذاته مؤشر لغوي دقيق على تحوّل أعمق في طريقة تفكير المجتمع العراقي بذاته بعد عقود من هيمنة الخطاب الجماعي الرسمي الصرف.
بالخلاصة، أن الأغنية العراقية بعد عام 2003 طوّرت منظومة استعارية غنية ومتجددة لوصف الحرب والعنف، تراوحت بين استعارة "الوطن أسرة واحدة" في مواجهة الانقسام الداخلي، واستعارة "الحرب إنذار عاجل" و"المقاوم حارس" في مواجهة الإرهاب الخارجي، واستعارة "دم الشهيد بذرة استمرار" في معالجة الفقد الجماعي، واستعارة "الهوية الوطنية صوت انتماء فردي" في التعبير عن الذات الفردية داخل الجماعة. وقد أثبت التحليل التطبيقي أن هذه الاستعارات ليست اختيارات لغوية عشوائية، بل استجابات دقيقة لتحديات اجتماعية وسياسية محددة عاشها العراق في كل مرحلة من مراحله بعد 2003.
المصادر
1. "الاستعارة في ضوء اللسانيات العرفانيّة – النظرية التصوريّة لجورج لايكوف ومارك جونسون إنموذجًا"، مجلة كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة ذي قار.
2. "أغنية الحرب في العراق... قراءة اجتماعية"، صحيفة القدس العربي.
3. "أغاني الحرب في العراق: موسيقى غجريّة وشهرة للمؤدّين"، مجلة الگاردينيا الثقافية.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1221 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع