سفراء ودبلوماسيو الزمن الأغبر/١١ - حقيقة تجسس عقيلة الهاشمي واغتيالها

 ذو الفقار

سفراء ودبلوماسيو الزمن الأغبر/١١ - حقيقة تجسس عقيلة الهاشمي واغتيالها

ملاحظة

عطفا على مقالاتنا السابقة، نستكمل الحديث عن الدبلوماسية العراقية بعد الاحتلال الأمريكي الإيراني للعراق بعد ان استعرضنا الدبلوماسية العراقية في اوجها الباهر خلال الحكم الوطني السابق، وما افرزته من سفراء ودبلوماسيين لامعين كانوا مصدر فخر واعتزاز على المستوين العربي والعالمي، مثل وسام الزهاوي، ونزار حمدون، وعبد الجبار الهداوي، ووهبي القره غلي، ووداد عجام، ورياض القيسي، واكرم الوتري، وفؤاد الراوي والعشرات غيرهم، نجوم لامعة في سماء الدبلوماسية العراقية بريقها مستمر حتى بعد وفاة من مات منهم رحمهم الله تعالى.
مقابل تلك النخبة اللامعة من سفراء العراق قبل الاحتلال نجد بعد عام 2003 لدينا سفراء يثيروا العجب العجاب، منهم بائع طرشي في النجف يصبح سفيرا وآخر بائع اثاث في الكوفة، وسفير كان عاملا في معرض سيارات، كما نشرت الصحف الامريكية ان استثمارات (حامد البياتي) ممثل العراق السابق في الأمم المتحدة في نيويورك ( زور شهادة الدكتوراة) لديه استثمارات عراقية في قطاع العقارات في نيويورك تضاهي موازنة كل من سوريا ولبنان. السفير العراقي في اليابان يستقبل الضيوف بالنعال. السفير العراقي في موريتانيا يلبس جلبيه وينتعل شحاطة في استقبال الضيوف. سفيرة العراق في الأردن صفية السهيل مصيبتها مصيبة ولها فيلم يخدش الحياء، وهي اردنية الجنسية، وسفير عراقي في بيروت تظهر زوجته بكل وقاحة في لقطة عاطفية مع المطرب راغب علامة وتصر على موقفها العاطفي دون ان تهتز شوار السفير الديوث، وسفير عراقي في بيروت يحمل قاذفة (آر بي جي 7 ) مع عناصر من حزب الله كأنه عنصر ميليشياوي، ومن هذا المال حمل جمال.

من قتل عقيلة الهاشمي؟
سألنا البعض من الأصدقاء عن صحة قول السيد سالم الجميلي (مدير شعبة الولايات المتحدة) في جهاز المخابرات العراقي، بأن المرحومة عقيلة الهاشمي (1953 ـ 2003) كانت عميلة (جاسوسة) للولايات المتحدة الامريكية، ولماذا تم اختيارها من قبل الحاكم المدني بريمر رغم معارضة بعض أعضاء مجلس الحكم سيء الصيت؟
أقول عندما كان السيد محمد كاظم سعيد الصحاف وزيرا للخارجية كان يتعامل باحترام كبير مع المستشارة (حينها) عقيلة الهاشمي وكانت تعمل في دائرة المنظمات الحكومية التي يرأسها الدبلوماسي اللامع رياض القيسي رحمه الله، وكان القيسي ثروة وطنية بحق من الصعب تعويضها في العلاقات الدولية وبشكل خاص مع الأمم المتحدة ولجان التفتيش، واعقبه بعدها السفير (لاحقا) الأستاذ حميد الموسوي، ولم يكن قبلها قد عمل في وزارة الخارجية العراقية، وهو شقيق الشاعرة ساجدة الموسوي، وكان على مستوى عالي من الخبرة والكفاءة، وترك العمل بعد احتلال العراق، وهذا ما فعله معظم السفراء ما عدا البعض القليل منهم حيث استمروا في العمل في ظل الاحتلال مثل غسان محسن، محمد امين، صباح الدليمي، محمد العاملي، بسام كبة، صلاح العزاوي (طيار سابق)، وقصي مهدي صالح. اما السفير سعدون الزبيدي فقد حاول العمل مع الوزير هوشيار زيباري لكن الوزير اعتذر لأنه الزبيدي كان مترجما خاصا للرئيس صدام حسين، واكد للزبيدي ان الأحزاب الحاكمة ستعارض عودة الزبيدي للوزارة، فيأس من العودة وانكفأ بعيدا.
كان الوزير الصحاف يطلق على عقيلة الهاشمي وصف (العلوية)، وهي من اسرة نجفيه، وهي ابنة أخ السيد محمد رضا النوري النجفي معرب كتاب (مفاتيح الجنان) الذي يعتبر قرآن الشيعة رغم ما فيه من ضلال واباطيل. عملت عقيلة في الوزارة منذ عام 1979 ولغاية اغتيالها عام 2003 أمام منزلها. وقد اخبرتني في احد الأيام عن عمها النوري بأنه حلم يوما بأنه رأى في الجنة قصرا مهولا، فسأل عن صاحبه فأخبروه ان يعود الى فتى شقي يدعى فاضل، وهو رجل جزع الناس من شقاوته وشغبه في النجف، وتعجب النوري من الأمر، كيف يحصل هذا الشقي على هذا القصر الكبير. عندما استيقظ ارسل بطلب فاضل الشقي، وسأله: هل تقيم الصلاة والصوم او الزكاة، وهل حججت الى بيت الله الحرام، او تتصدق على الناس؟
ضحك فاضل وقال: سيدنا ولا واحدة مما ذكرت.
قال النوري: هل انت وحيد العائلة ام لك أخوة وخوات؟
قال: أمي فقط وهي عمياء ومشلولة، وانا أقوم برعايتها، احملها على كتفي، حتى عندما تقضي حاجتها، واغسلها واطبخ لها الطعام وافعل كل شيء من اجلها واحقق لها كل ما ترغب به ولم اضجر منها يوما او اتقاعس عن خدمتها، فهي كل حياتي.
قال السيد النوري: حسنا فعلت! جزاءك كبير عند الله يا ولدي، استمر برعايتها كما أنت عليه، فقد رأيت في حلم ما يسرك بعون الله.
عقيلة والحق يقال دبلوماسية كفؤة جدا وكل عملها كان في دائرة المنظمات والمؤتمرات الدولية، وكانت مع الحاج غسان ود. حميد الموسوي من أبرز أقطاب الدائرة. كانت عقيلة عزباء ومحبوبة جدا من قبل كافة منتسبي الوزارة، وكانت عضوا موفدا في جميع المؤتمرات التي تعقد في واشنطن، وهي المترجمة الشخصية لنائب رئيس الوزراء طارق عزيز رحمه الله، فهي تحمل شهادة ليسانس في الحقوق، والدكتوراة في الأدب الفرنسي من جامعة السوربون، ولغتها الإنكليزية راقية ايضا.
اذكر عندما صدر امر من الحزب بأن لا يجوز لأعضاء الحزب ان يعملوا الهريسة في عاشوراء، سألها طارق عزيز مستغربا: هذه المرة لم تطلبي القدور لإرسال الهريسة لنا، فأعلمته بتعليمات الحزب، فقال لها: اعملي وان سألك أحد قولي له حصلت على استثناء من نائب رئيس الوزراء، وفعلا قامت بعمل الهريسة في بيتها، وكانت تلبس مع اختها واخوانها الملابس السوداء حينها، ومن الطرف ان من كان يدرخ (يهرس) الهريسة غالبيتهم من الدبلوماسيين في الوزارة، ولا حاجة الى ذكر اسمائهم فهم الأقرب اليها من الموظفين.
د. عقيلة مثقفة جدا وقارئة كتب نهمة، ولديها مكتبة بيتية مهمة، وكنا نتناقش في الكثير من القضايا السياسية والدينية، مما اذكره، في أواخر عام 1985كنت اتحدث معها عن الفيلسوف الايرلندي برنارد شو وقوله المشهور" مجنون من يعر كتابا، والأكثر جنونا من يرده الى صاحبه"، فقالت هناك مثل فرنسي أعنف يقول" اعطني اليد التي تعير كتابا لأقطعها".

ناجي الحديثي وكراهية عقيلة الهاشمي
عندما تولى ناجي الحديثي الوزارة، كان يبغض عقيلة بشكل لا يصدق، وكانت تشكو من تعامله الجاف معها وقسوته في مخاطبتها، بل كان يسمعها كلمات جارحة، وحرمها من الإيفاد، بل جردها من وظيفتها، وصارت مجرد موظفة بلا عمل يذكر، واذكر انها في أحد الأيام خلال الدوام المسائي، وكنت على علاقة وثيقة معها، كأننا أخوين، شكت لي من تعامل ناجي الحديثي معها، وأجهشت بالبكاء، فهدأت من روعها، وطلبت لها فنجان قهوة من الضيافة، وكانت لا تعرف سبب كراهية الحديثي لها، وهذا ما كان يؤرقها، وتبين الأمر لاحقا بعد اعتراف ضابط المخابرات.
ولم نعرف نحن أيضا سبب تعامل الحديثي مع عقيلة بهذه الطريقة غير اللائقة به وبها، رغم اني اشاطرها في كراهية ناجي الحديثي الذي حول الوزارة الى دائرة أمنية، وملأها بعناصر من جهاز المخابرات، وصار للموظفين من قضاء حديثة ميزات عن باقي الموظفين، فهو عنصري مناطقي وعشائري، وكان أفشل وزير خارجية، ولولا الصدف ما كان وصل الى الوزارة، لكن عمله مع احد قريبات الرئيس صدام حسين عندما كان سفيرا في النمسا حيث كانت تعالج من احد الامراض الخطيرة، اصبح الحديثي مرافقا لها، وتملقها كثيرا، وهي من رشحته الى هذا المنصب.
كما يبدو ان المخابرات العراقية كشفت أمر عقيلة وتجنيدها من قبل جهاز (السي آي أي) الامريكي وبدأت تراقبها، وتجمع المعلومات عنها، وان الحديثي كان على علاقة وثيقة مع طاهر حبوش مدير جهاز المخابرات، ويبدو انه أعلم الوزير الحديثي بالأمر، ولكن من حسن حظها انه قبل اعتقالها حصل الغزو الأمريكي للعراق وعينها الحاكم المدني بول برايمر كعضو في مجلس الحكم سيء الصيت، وتعجب الكثير لماذا وقع الاختيار على عقيلة دون غيرها من كوادر الوزارة؟ ولماذا خصها بريمر بهذا المنصب وأصر عليه؟ مع انه اختيار ثلاث سيدات لا علاقة لهن بوزارة الخارجية، (د. سلامة الخفاجي، د. رجاء حبيب الخزاعي، السيدة وصون غول جابوك). الحقيقة ان ما ذكره مسؤول المخابرات هو التفسير الأقرب للتعامل الخشن اتجاه عقيلة من قبل الوزير الحديثي، والاغرب منه انه رغم علاقتها الوطيدة مع نائب رئيس الوزراء طارق عزيز وقد شكت له موقف الحديثي منها، لكنه لم يحرك ساكنا، وهذا موضوع يحتاج الى وقفة! وحرمها الوزير من الاطلاع على المخاطبات السرية في دائرة المنظمات، وهذا الأمر يستحق أيضا وقفة! وطالما ان ناجي الحديثي على قيد الحياة فبإمكانه ان يبين الحقيقة احتراما للرأي العام وكشف الملابسات.
مع اني متألم حقا من هذا الموضوع. ربما كان التعصب الشيعي يقف وراء تجنيد عقيلة، مع ان هذا الأمر لم تكشفه الا الى عدد قليل من المقربين لها، فهي حريصة ان تظهر بمظهر بعيد جدا عن التعصب الشيعي، وقد أجادت هذا الدور بدرجة كبيرة، فقد كانت متعاطفة جدا مع (محمد باقر الصدر) وتعتبره ثروة وطنية لا يستهان بها. يضاف الى ذلك حرمانها من درجة سفير مع انها تستحقه وظيفيا، وكانت تستغرب من حرمانها، وهي تحرص ان لا تثير هذا الموضوع لكننا نتحدث مع انفسنا: هل من المنطق ان تكون (سها الطريحي) سفيرة، وعقيلة لا وشتان بينهما؟ هناك خبايا أخرى سنتحدث عنها في وقت لاحق.
أخذت عقيلة معها أربعة من الموظفين الدبلوماسيين الى مجلس الحكم (اعارة خدمات) وهم غالب عسكر، أحمد مرزة، يونس السامرائي، وجاسم نعمة مصاول (كان مستقيل من الوزارة)، وعادوا الى الوزارة بعد اغتيالها.
في أحد الأيام التقيتها في بناية معهد الخدمة الخارجية، وكان مكتب الوزير يشغل الطابق الأرضي بسبب الترميم بطوابق الوزارة، فسألتني عن احوالي وسألتها عن احوالها، فقلت: في الحقيقة غير جيدة، فقلت: خير ان شاء الله، يعني كما كنا في عهد ناجي الحديثي؟
قالت: الأمر ربما أسوأ، علاقتي جيدة مع جميع أعضاء مجلس الحكم، ما عدا واحد فقط يكرهني كرها شديدا، فعلا ينطبق عليٌ ما اقرأه حاليا، اقصد موسوعة العذاب لعبود الشالجي. وهو يتآمر مع بعض أعضاء مجلس الحكم لا قصائي من المجلس، ووشاياته مستمرة لبول بريمر. فقلت لها:

احذري من هذا الرجل، فهو اخطر عضو في مجلس الحكم، ولديه مافيا لا ترحم، صدقيني د. عقيلة انا اخشى عليك من هذا المنصب، وكانت لي تجربة مريرة مع مافيا الجلبي عندما سيطروا على وزارة الخارجية في بداية الغزو.
لاحقا وكانت تلك آخر مرة التقي بها، جاءت الى الوزارة للقاء وزير الخارجية هوشيار زيباري، والتقيت بها في الممر بحضور السيدة ذكرى العزاوي مسؤولة ذاتية الوزير، وسألتها عن أحوالها، فقالت: لا بأس، لولا وجود أحمد الجلبي، انه يضمر الشر اليٌ، يصفني دائما (الرفيقة أو البعثية) حتى عندما يحييني يقول: كيف أحوال الرفيقة.

الحقيقة لم تكن عقيلة قيادية في حزب البعث، بل بدرجة نصير متقدم، لأنه لا يجوز ان يعمل في الخارجية اقل من درجة نصير في حزب البعث.
كانت عقيلة تخشى الجلبي وعصابته، لذا لم استغرب الخبر عن مقتلها، على الأقل لمن كان يعمل معها او قريب منها. لم تعمل عقيلة في اية بعثة خارج العراق ولم ترشح الى منصب سفير، وجميع الموظفات حرمن من العمل في البعثات خارج العراق الا في حالة استثنائية واحدة، فقد قدمت احدى الموظفات العازبات (كوردية) طلبا لرئيس الجمهورية صدام حسين طالبة منه ان تنقل الى اوربا، لأنها كانت فارعة الطول بشكل مفرط، والبعض يتنمر عليها، وفعلا عندما كانت تأتي لتناول الطعام في كافتيريا الوزارة عام 1989 (الطابق الخامس) كان الجميع يتهامسوا حول طولها الفارع وطريقة جلسوها الغريبة، وفي اوربا لا توجد مشكلة في هذا الشأن حسب رأيها، وفعلا قابلها الرئيس صدام حسين، وامر بنقلها الى ممثلية العراق الدائمة في جنيف، ومن المؤسف ان تصرفاتها كانت لا تتناسب وعملها الوظيفي بعد ان اقامت علاقة عاطفية مع احد الاخوة المصريين، ولم تلتزم بتوجيهات السفير، فقدم طلبا للوزير لإعادتها الى الوزارة، لكنها لم تعد وبقيت في الخارج، وسمعنا انها تزوجت من الرجل المصري، ولا نعرف حقيقة الأمر وانتهت قصتها عند هذا الحد، مع انها سببت الضرر الى بقية الموظفات.
لم تكن حالة التجسس في الوزارة مع عقيلة الهاشمي فحسب، فقد سبقتها موظفة اخرى كانت تعمل في مكتب وزير الخارجية طارق عزيز وتدعي (بولين كوركيس) وهي من الأخوات المسيحيات، فقد تم كشفها من قبل جهاز المخابرات العراقي، وكانت تتجسس لصالح موسكو، وحكمت بالإعدام، لكن الحكم خفف عليها بالسجن المؤبد، وعادت الى الوزارة بعد الاحتلال عام 2003 والغريب انها نقلت الى روسيا، وكنا على علاقة وثيقة بها بعد عودتها الى الوزارة، لكنها كانت تعاني من المرض والشحوب، وهي فتاة هادئة جدا ومحبوبة، لكنها تورطت مع المخابرات الروسية، والعمل في مكتب الوزير يحتاج الى السرية والكتمان، وهو يضم جميع ملفات الوزير ومخاطبات الرئاسة ومشاكل السفراء وغيرها من المسائل المهمة علما ان التجسس لم يكن مقصورا على السيدات فقد تمكنت المخابرات الامريكية من تجنيد موظفين في الوزارة مثل محمد الحميميدي وسعد محمد رضا، ورعد الآلوسي والعشرات غيرهم، بل ان احد الموظفين من جهاز المخابرات نقلن خدماته الى وزارة الخارجية وعمل في دائرة المنظمات، ثم نقل الى للعمل في الولايات المتحدة وتم تجنيده. وهناك حالات أخرى سنستعرضها لاحقا.

ذو الفقار

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

657 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع