ضربة حرّة مباشرة للملاعب المحتلّة وقراءة متأنّية في كتاب الكابتن عدنان حمد

                                                 

                        بقلم: صفوة فاهم كامل

ضربة حرّة مباشرة للملاعب المحتلّة وقراءة متأنّية في كتاب الكابتن عدنان حمد

   

في تسعينيات القرن الماضي وأثناء الحصار الظالم على العراق والذي طال كل مناهل الحياة ومنها الرياضة، قال الشاعر الكبير رعد بندر في قصيدةٍ وطنية مغنّاة:

هكذا يلعب المحاصرون، في العناد يغلبون

إن تكن لعبةً لهم، فأنها لنا قتال (...)

وبعد الاحتلال الغاشم للعراق عام 2003، وما رافقه من انهيار للبنى التحية للبلد ومنها الرياضية ومآسي طالت المواطنين، قال أحد الشعراء الشعبيين في قصيدة وطنية ومغنّاة أيضاً:

شفتو لاعب بالملاعب يلعب وإيده على جرحه،

هذا لاعبنا العراقي؛ من المآسي جاب فرحة (...)

ومثل هذه الأوصاف الحماسية والوطنية تنطبق على حال اللاعب والمدرب القدير الكابتن عدنان حمد، عندما شرع بتأليف كتابه الأثير: (ملاعب محتلّة) الصادر عن دار الذاكرة للنشر والتوزيع في بغداد، وأقيم له مؤخراً حفل كبير ومميّز لإشهاره وتوقيعه، جرت وقائعه في قاعة الأورفلي للفنون في العاصمة الأردنية عمّان بحضور السفير العراقي حيدر العذاري ونخب عديدة من المثقفين العراقيين والأردنيين وغطّته قنوات إعلامية أردنية وعراقية مختلفة وقدّمه الإعلامي القدير وهِاد يعقوب.

إنَّ قلّة من الرياضيين من تأخذه الهمّة والعزيمة في توثيق سيرة حياته كنجم رياضي له من الإنجازات والمساهمات الوطنية ما يستحق أن يضعها في كتاب ويقدمها هدية متواضع للمكتبة العربية ولجيل الرياضيين على وجه الخصوص، ومن هؤلاء القلّة الرياضي الدكتور عدنان حمد، عندما وثّق يومياته وذكرياته بالقلم والصورة خلال مرحلة مهمّة وعصيبة من تاريخ العراق.

    

إن من يسمع أو يقرأ للوهلة الأولى عنوان الكتاب (ملاعب محتلة) سيصاب بالدهشة والاستغراب من هكذا مصطلح غير مألوف لديهم، لا في القواميس السياسية ولا في القواميس الرياضية، فمصطلح (أرضي محتلة) أو (بلاد محتلة) هو المألوف وطرقت آذان الجميع ومتداولة في الأخبار اليومية تقريباً. ولكن ما أن تقع عين القارئ على مؤلف الكتاب وأسمه الواضح حتى يزول ذلك الاستغراب ويصبح يقيناً أن فحوى مادته رياضية، لأن مؤلفه رياضي ولاعب منتخب وطني سابق، ومدرب عربي قدير ذو سمعة طيّبة، وشخصية رياضية معروفة بين عامة الناس.
الكتاب يستعرض بمجمله فترة حرجة من تاريخ العراق وفي جوانب عديدة ومنها الرياضية، ويتناول فترة زمنية حُدّدت ما بين آب 2003 وآب 2004، تلك الفترة التي أعقبت احتلال العراق وانهيار البنى التحتية الرياضية والحالة المعنوية للرياضيين في مزاولة الرياضة وما رافقها من مواقف أخرى غير مواتية، بينما كان لاعبوا المنتخب الأولمبي لكرة القدم على أعتاب تحدّي كبير وكفاح مستمر للاستعداد والمشاركة في أولمبياد أثينا في غضون أسابيع قليلة بعد الاحتلال، وتحقيق إنجاز تاريخي للكرة العراقية بقيادة الكابتن عدنان حمد الذي بدأ استعداده لتلك المهمّة الوطنية قبل الغزو واستمرّ حتى نهاية الأولمبياد. ووثّق حمد أحداث هذه الأيام كشاهد عيان على تلك المرحلة ومساهم رئيس فيها قدر تعلّق الأمر به.

لذلك فأن مادة الكتاب الأساسية هي رياضية بحتة بالدرجة الأساس فيما تخلّلت صفحات عديدة منه أحداث سياسية واجتماعية ومنها أيضاً أحداث عسكرية جرت مع المنتخب جرّاء الاحتلال والوضع المتدهور الشاذ والتي شخّصها الكاتب بشكل عام وأشار لها بأصبع الاتهام حول السلوك المشين للقوات الأمريكية تجاه بلده العراق وشعبه، وإلى الرياضية تحديداً وتعدّيه على المنشآت وملاعب الكرة الخضراء واستخدامها كمعسكرات، ووصلت وقاحتها إلى التعدّي على شقة الكابتن عدنان حمد السكنية المتواضعة في شارع حيفا والاستهداف الواضح له شخصياً، نتيجة مواقفه الوطنية وصوته الجريء وتصريحاته الناريّة ضد الاحتلال في المؤتمرات الصحفية خلال مدّة البطولة. وبقيت هذه القوات الغازية جاثمة على صدور العراقيين لسنوات أخرى، تركت أثراً نفسياً على الجميع.
واستعرض الكاتب ولمرّات عدّة ملابسات رحلات المنتخب المتعبة والسفر الطويل بالحافلات عبر الطريق الواصل بين بغداد وعمّان، إذا كان هذا الطريق الدولي يعتبر بمثابة الشريان الأهم الواصل بين البلدين ومن الأردن ينطلق إلى العالم الخارجي جواً، إذ كانت المطارات الجوية العراقية مغلقة في حينها بسبب أجواء الحرب وتصاعد المقاومة المسلّحة ضد طائرات العدو. فكان ذلك الطريق مسلك مهم لأرتال الجيش الأمريكي الطويلة وما تمثله من خطورة ومشاكسة لسالكيه من المدنيين واعتبره الكابتن بمثابة امتحان آخر للمنتخب ومجازفة حقيقية وإرهاق جم لأجساد اللاعبين وخطورة قصوى على حياتهم، لكن ليس في اليد حيلة لاتباع طريق آخر ولا مناص من ذلك إلا التحدي والصبر.

وتطرّق المؤلف أيضاً في كتابه إلى وصف بطابع سياحي وتاريخي لعدد من العواصم والمدن والأماكن التي حطَّ المنتخب ولعبَ فيها مبارياته التجريبية والتصفيات المؤهلة وتجوالهم المحدود في مرافقها وما رافق تلك الرحلات من مواقف طريفة ومحرجة وتجربة جديدة لهؤلاء اللاعبين الشباب.
ويمكن اعتبار الكتاب بغلافه الجذّاب وطباعته الأنيقة ألبوماً مصوّراً ايضاً إذا زيّنت صفحاته أكثر من ستين صورة ملونة جسدت أحداث ووقائع خمسين موضوعاً مختلفاً سلسَلها الكابتن عدنان في كتابه ضمن مدّد تاريخية متسلسلة.

مهّد للكتاب في صفحته الأولى الإعلامي والصحفي الرياضي المعروف الدكتور هادي عبد الله، فأوجز مقدمته بعبارات بليغة منها: (إنها مذكرات رياضية نضجت على نار مشاعر حب العراق والإيمان بالدفاع عنه بكل الأسلحة ومنها سلاح الرياضة والإعلام الرياضي، فتحقيق الإنجاز غير المسبوق في أولمبياد أثينا رسّخ الإيمان بحتمية الانتصار وعزّز أواصر الوحدة الوطنية وعجّل في حرق أوراق المحتل ومن تبعه). كما يصف في جانب آخر صوت الكابتن عدنان حمد (بأنه عاصفة تُعري شجرة الاحتلال الخبيثة من أوراق النفاق، وتساعد على اقتلاعها من فوق أرض العراق).

             

أما الصحفي الرياضي علي رياح، والمبعوث رسمياً للدورة من قبل قناة الجزيرة الرياضية لتغطية وقائعها فأسهب في نهاية الكتاب في شرح فنّي موجز وبأسلوب رشيق في التعبير ومنمّق، للمباراة الأربعة التي خاضها المنتخب الأولمبي في مدن اليونان خلال البطولة حيث كان اسم العراق ومنتخبه المفاجئة، جزءًا مهما وحيويا سُلّطت عليه الأضواء طيلة أيام هذه الدورة المهمة عالمياً.
وإذا يقدّم الكابتن عدنان حمد كتابه الأول للمكتبة الرياضية، نرى أنه سيحظى بمقبولية واسعة في الشارع العراقي والعربي وفي معارض الكتب الدولية، نظراً لأهميته في كشف عرى الاحتلال ومقاومة وعزيمة أبناءه لتحقيق الأهداف، ومن جهة ثانية نطمع منه ونؤازره بقوة في أن يستمر بعطاءه الثقافي في إصدارات أخرى وأهمها سيرته الشخصية في الحياة العامة والاجتماعية والمحافل الرياضية المحلية والدولية على حدٍّ سواء والتي ناهزت الستين عاماً... ومن الله التوفيق والسؤدد.

إذاعة وتلفزيون‏



الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

684 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع