إِنَّ كَلاَمَ الْحُكَمَاءِ إذَا كَانَ صَوَاباً كَانَ دَوَاءً، وَإِذَا كَانَ خَطَأً كَانَ دَاءً...الإمام علي ـ كرم الله وجهه

بغداد ايام الزمن الجميل / 7 .. مهن وحرف رحلت واخرى بالانتظار

        

  من ذكريات بغداد  مهن غادرت واخرى تنتظرفي كل مرحله من مراحل التاريخ

                             { الحلقة السابعة}

             

   

تنشط انواع من المهن والحرف منها من يغادر ومنها من يستبدل واخرى تتطور تبعا للحاجه الاجتماعيه ومتطلبات المرحله وهذا ينطبق على حبيبتنا بغداد حالها حال بقية المدن ..

فقد سادت في بغداد مهن وحرف فرضتها المرحله التاريخيه والحاجه الاجتماعيه والتقدم العلمي ومقدار التطور وفي بغداد خلال القرن العشرين وحتى نهايته كانت هناك مهن الفها البغداديون وتعاملوا معها يوميا او اسبوعيا او كانوا يرونها امامهم منها من تطور  وظل الى يومنا هذا ومنها من غادر بسبب البديل او التطور العلمي ومن هذه المهن ما سأذكر بعضها في هذه المقاله التي هي موجز قصير..

   

                    

     
 العربنچي
العربنجي او الحوذي او سائق العربه وهو الشخص المكلف بقيادة  عربه نقل اشخاص او بضاعه وقد تجرها الخيول او الحمير او الاشخاص , وكانت في بغداد هي الوسيله الرئيسيه لتنقل الاشخاص ونقل البضائع الى ما بعد الحرب العالميه الثانيه حيث بدأت السيارات بالتوافد تدريجيا الى بغداد وبدأت عملية احلالها محل العربات التي ظلت تشاهد في الشارع حتى مطلع السبعينات من القرن الماضي وكان الكثير من البغداديين يفضل العربه في تنقله اذا كان قادرا على دفع اجورها ومنهم الافنديه وبعض التجار والموظفين وكان العربنجي يعادل في مهن اليوم سائق سيارة الاجرة ويتصف العربنجيه بالمرح والطرائف والاعتزاز بمهنتهم ومن هؤلاء العربنجي (رزاق الملقب ,, جوقي العربنجي ) والذي كان يقف يوميا امام باب السراي الحكومي يتنظر الباشا نوري السعيد لينقله من السراي الى دار سكنه في الصالحيه (دور السكك) وظل جوقي هو العربنجي الخاص للباشا والعائله حتى تموز1958 واستمر جوقي في عمله عندما بدأت العربات تنحسر من الشارع وعزوف الناس عن ركوبها والرغبه الى كل ماهو جديد الامر الذي اضطر جوقي واخرين من صنفه التوجه الى مجزرة الرصافه لنقل اللحوم من المجزره الى القصابين في الرصافه ولكن صدر امرا في بداية السبعينات بمنع العربات من الدخول الى المجازر وتوقف جوقي عن العمل ونظم اصحاب العربات تجمعا وقابلوا مدير البلديه وعندما اصطدموا بالقانون والتعليمات ترجوا مدير البلديه بالسماح لجوقي فقط بالدخول لانه اكبرهم سنا وليس لديه مورد رزق غير العربه فأتصل بالمديريه وحصلت الموافقه على السماح لجميع العربات من اجل جوقي ولخاطر الباشا السعيد .. واليوم اختفت العربات من الشارع واصبحت من الذكريات وحلت محلها عربات اخرى تجرها الخيول البشريه وهي تحمل شهادات جامعيه ..

                 

                               

 الچرخچي

وهذه مهنه اخرى قدمت خدمه جليله لبغداد واهاليها عندما استحدثت للحراسه والجرخجي كلمه تركيه تعني الدوار والمقصود هو الحارس الليلي الذي تناط بمسؤوليته منطقه محدده من المنازل او المحلات لحراستها ليلا ولايملك الابزته الرسميه التي تشبه بزة الشرطه وغطاء رأس من (الكوفيه والعقال) وبندقيه قديمه من مخلفات الحرب العالميه الاولى وصافره وفي بعض الاحيان ولقلة الاسلحه يجهز بعصا (دونكي) ومن حين الى الاخر تسمع صوت صافرته ليعلن وجوده في المكان ويجيبه الحارس الاخر القريب ومن الطرائف الحقيقيه التي حدثت في منطقتنا الشعبيه في الكرخ وتتلخص القصه ( كان في المنطقه بقال معروف بعصبيته يدعى (الحاج داوود الحاج سلمان ) ولديه اولاد هم سلمان وصادق ونوري وسعدي وكان سلمان الكبير مولع بشرب الخمر يوميا ليعود اخر الليل بحاله مخجله حيث الغناء والصياح والسقوط على الارض وغيرها (العرق ايام زمان كان غير شكل ) وفي احد الايام اتفق الحاج داوود مع ابنه صادق بان ينتهوا من سلمان باسقاط طابوقه فرشيه على راسه من السطح عند عودته ليلا واتفق الحاج مع الابن بان يتهيأ وينتظر الامر بكلمة (ارمي ) وتهيأ صادق في سطح الدار وعند عودة سلمان كان برفقته الجرخچي ( شمخي ) يعاونه بايصاله الى البيت وعند وصولهم طرق الجرخچي على الباب وخرج الحاج داوود وبدأت عمليه محاوره حول الوضع الشائن وقال:

(اسمع سلمان والله اذا هسه اگول ارمي انهيك)

وبهذه الاثناء كان صادق شبه نائم وعندما سمع ارمي رمي الطابوقه الفرشيه وسقطت على كتف الحاج وبدأ بالشتائم عليهم بانهم متفقين مع بعض عليه ومعهم الجرخچي ولم تنتهي القضيه الا والحاج في مستشفى المجيديه وهو مجبس الكتف والذراع ..

                 


     
القندرچي

وهو في الحقيقه صانع الاحذيه وليس الرگاع او الاسكافي ولكن اللفظه تطلق عموما وقد اشتهرت هذه المهنه في بغداد والعديد من المدن لحاجة الناس اليها واستمرت باستمرار الحاجة اليها حتى دخلت المكائن في صناعة الاحذيه وتوسعت حتى قضت على هذه الصناعه اليدويه التي انتهت تقريبا في السبعينات من القرن الماضي ومن الاسماء التي كان يسمى بها صانعوا الاحذيه  (الكاهچي) ولاادري ان كانت هناك عائله تصنع الكاهي وتحولت الى صناعة الاحذيه وظلت الصفه حاضره ام انها كنايه على الذوق والاهتمام بحلاوة الكاهي وما ينسب على الاحذيه وكان صناع الاحذيه يصنعون نوعين من الاحذيه نوعان نوع (توصاه) وهو الذي يوصي عليه وينتظره ويكون افضل  والاخر (حاضر) وهو المعروض لدى القندرجي واذكر بعض صانعوا الاحذيه في ساحة الشهداء بالكرخ وخاصة المختصين بحذاء (اليمني) وهذا الاخر لم اجد اصلا لمسماه عدا احتمال كونه جيء به من اليمن وكان ذا لون احمر ومشهور بقوته  وهناك مثلا يضرب به هذا الحذاء حول اعرابي اشترى من هذا الحذاء بعد طول عناء وانتظار وكان عندما يصل الى ارض غير نظيفه او غير ملائمه ينزع الحذاء ويضعه تحت ابطه وعندما سأل لماذا تفعل ذلك قال قوله المشهور (بي ولابالاحمري) وذلك من اعتزازه به ومثلا اخر يضرب عن اهل (عفك) الذين كانوا قليلا ما يلبس احدهم حذاء  ويسير اكثرهم حفاة حتى ضرب فيهم المثل ( قيم الركاع من ديرة عفچ) واليوم مصانع الاحذيه اكثر من غيرها من المصانع وبانواع وموديلات تسر الناظرين وكم اتمنى ان يراها اهلنا قبل سبعين سنه واكثر لكان رمو اليمني بالشط ..

          

      

 التتنجي ... وهو بائع التبوغ وصانع السكائر وكانت هذه المهنه من المهن المحترمه واصحابها من المتريشين ولهم مردودات ماليه جيده لما للتبوغ من رواج في تلك الفتره لان اكثر المدخنين كانوا اما يستخدمون (النركيله) او سكائر (اللف) التي يقوم المدخن بلف سكائره بيده ولديه التبغ الخاص به وعليه كان يختار التبوغ والورق من النوع الجيد اذا كان موسرا وكان التتنجي يقوم في اكثر الاحيان بصناعة السكائر (المزبن) وهي تاتي بعد السكائر الميكانيكيه ثم المزبن ثم اللف وقيل المثل عندما سألوا احد الموقوفين بالحبس عن حاله حين قال (ايام المزبن كضن يكضن يايام اللف ) وهو يقصد ان ايام الامور الجيده راحت وايام الباقيه فيها قليلا من الخير واختفت هذه المهنه بغزو السكائر الميكانيكيه الوطنيه مثل:

                             

(الاهليه ، غازي ، تركي ،لوكس،ملوكي ) والاجنبيه مثل (كرفن اي ، بلايرس ، ابو الديك ، روثمن ، كامل ، لكي ستراك ، سالم ، مالبورو) واصبحت في طي النسيان واليوم اعيدت ولكنها من نوع اخر وهو بيع تبوغ النركيله ومستلزماتها

           

العرضحالجي .. وكلمة العرضحالجي هي عربيه وتعني (عرض حال صاحب الطلب ) اضيف لها جي وهي لتعريف المهنه .. كان المجتمع الغدادي يعاني من الاميه وعدم وجود ثقافه اداريه لمؤوسسات الحكومه وطريقة عملها وهذه الاسباب افرزت وجود اشخاص يجيون اللغه نوعا ما والكتابه ويعرفون كيف يعنون الطلب ولمن وما يكتب فيه وتراهم يجلسون امام دوائر الدوله من محاكم وطابو وجنسيه الخ .. وقد تطورت الحياة واصبح الذين يقرأون ويكتبون بالالاف وكذلك دخول النظم الالكترونيه الحديثه التي تغني عن مثل هذه الطلبات ويكتفي الطالب باملاء نموذج على الانترنيت من موقع الجهه (هذا الكلام المقصود به في المستقبل البعيد للعراق ) ولذلك انحسرت بعض الشيء واستبدلها البعض بمكاتب للتعقيب اضافة للعرائض .. ومن الطرائف التي كانت تحدث ان هناك ةشخص كرخي حاد الطباع وحاضر النكته وكان يجلس امام محكمة البداءه في الكرخ واسمه (ابو علي شنوفه )وله من الاصدقاء الكثير منهم المرحوم عبد الرحمن عارف وعلي الدبو ومحمد الكبنجي وغيرهم كثير وفي ايام السبعينات وتحديدا بعد بيان 11 اذار للاخوه الكورد قام اصدقائه بعمل تمثيليه لاثارته والبسوا شخصا منهم زيا كرديا وجاء الى ابو علي وسلم عليه وقال  ومع الاعتذار انقل النص باللهجه الكورديه (ايني اريد عريزه ال هاي محكمه وكان بيده ورقه نقديه فئة عشرة دنانير ) فقال ابو علي ادلل كاكا يمعود هاي بسيطه كول شنو الموضوع واني حاضر كاله ( كاكا هاي كاع مال اني بالحارسيه هو جان بعت منو نطه مال اني كاع شلون يصير هيجي ) كاله ابو علي كاكا رحمه على ابوك شويه على كيفك حتى افتهم شنو الموضوع وهو في هذه الاثناء (تناوش العشرة دنانير وحطه بجيبه ) كال الكاكا ( شوف هجي هاي كاع مال اني بالحارسيه هو جاء سوه بيع مال اني بعدين اني رحت هو جاء وصارت هاي قزيه ) كاله اكلك انت منو دزك عليه كوم نعله على مذهبك اجماله موسويلهم 11 اذار .) ضحك الكاكا وسمع ابو على الجماعه يضحكون عرف الفلم وضرب العشرة دنانير ..

  

المطهرجي .. وهي مهنه قديمه منذ زمن النبي موسى عليه السلام واستمرت ولحد الان بعد ان اصبحت فرضا على المسلمين ايضا والكلمه بالفصحى هي (الختان ) او الزعرتي كما يسميه العض وهذه المهنه لاتزال مستمره بعد دخول التطوير على الادوات والمعقمات والضماد والادويه واصبح الجراحين يقومون بهذه العمليه اضافة الى بعض المضمدين الصحيين بعد ان كانت من واجبات الحلاقين  .. كان الطهور مناسبه مهمه يتهيأ لها الوالد والوالده قبل فتره طويله لغرض اكمال مستلزماتها وخاصة الماديه وتتم العمليه بقدوم المطهرجي الى البيت او المكان الذي يتم اخياره للعمليه وتأتي (المزيقه) يقودها ابو خشمان ومزماره الشهير مع الطبل ويحمل الاب طفله بحضنه ويفتح ساقيه امام المطهرجي الذي يجلس على كرسي ويقوم بالعمل ويضمده وكانت تسمى عند الاطفال (العمامه ) وابو خشمان يعزف بايقاع جميل ويصيح (شوباش) اي ارموا مبالغ ايها الواقفون وبعدها يحمل الاب طفله وورائه ابوخشمان وجماعته ليخل الاب بولده ويضعه في فراش من الستن ويخرج ليذبح خروفا بهذه المناسبه ويوزع اللحم على الفقراء والجيران .. اما الام فهي متهيئه من قبل ايام بالحلويات والكليجه والحامض حلو زالمحلبي والشاي والكعك وتنتظر ان يبدأ (القبول) ويخضع الطفل الى الكشف الموصعي من قبل الحجيات من ذوات الخبره وابداء رأيهم بالعمليه وتبدأ السوالف ويشتغل (القشب) والمكرود كاعد يلوب من الوجع حتي تمضي الايام السبعه التي بعدها يتمكن من الخروج واللعب والسبح ويظلون يهددونه بطهور (المنجل) حتي يصير عاقل ..

والى اللقاء مع ذكريات بغداديه اخرى .... تحياتي / عبد الكريم الحسيني

للأطلاع على الحلقة السادسة يرجى النقر على الرابط أدناه:

http://www.algardenia.com/tarfiya/menouats/1894-6.html

        

قوس قزح

مقالات

سعد هزاع التكريتي

أشواق على شاطئ الحب

جابر رسول الجابري

الصراع والتطرف الفكري

سعاد الصيد الورفلي

أطفال من شمع

هناء احمد الداغستاني

اعذرني تصورتك امرأة !!

د. محمد عياش الكبيسي

التعليم الديني وتهمة الإرهاب



إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام