الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - السماوة في الأيام الاخيرة من رمضان .. التهيؤ للعيد

السماوة في الأيام الاخيرة من رمضان .. التهيؤ للعيد

                                                   

                              زيد الشهيد

      

      

السماوة في الأيام الاخيرة من رمضان .. التهيؤ للعيد

يتوزَّع شهرُ رمضان إلى ثلاث عشرات تكون فيها حالةُ الصائم النفسية والجسدية متفاوتة .. ففي العشرةِ الاولى ينتاب الصائمَ العطشُ والجوعُ ، ذلك أنَّ الجسد معتادٌ على التغذيةِ طيلة أحد عشرة شهراً لثلاث وجبات مَقرونةً بشرب الماء والسوائل الأخرى . وبهذا تحدثُ ردَّةُ فعلٍ فسيولوجية تُنبىء الصائمَ بالجوع ، وتضغط عليه لشربِ الماء ؛ لكنَّ الصائمَ بإيمانه وتصميمه على الالتزام بالصيام يكبح جماحَ الجسد ، ويصرُّ على العزيمةِ في التحمِّل ( رُغمَ بعض الحالات التي تنتابُه كالصداعِ والغضب لمواقفَ قد تبدو في حالاتِ الافطار لا تدعو لذلك ) حتى انقضاءِ النهار بكامله .. وبصبرهِ وجَلدهِ وتحمّلهِ ينتصر على رغبات الجسد ويجد نفسَه قد صمدَ فاجتاز العشرة أيام الاولى . 

في العشرة ايام الثانية يتحلَّى جسد الصائم بالاعتيادية ، أي انه يعتاد على الجوع والعطش . وتقل حاجة المعدة الى الطعام والماء بعد أن خضعت لقانون التكيّف الفسيولوجي . وفي هذه العشرة أيام يجد الصائم نفسه مسيطراً ، وقد استكان جسده للنفس المُصرّة على الالتزام بتعاليم الدين ونبذ الشهوة الى الطعام إذ يساوره شعور انه صرف الثلث الاول باقتدار ، وما عليه الا التواصل .
في العشرة الثالثة يبدأ الجسد بشيء من الخواء ، ويكتشف الصائم أن جسده فقد الكثير من الوزن ، وأنَّ ايام الصيام كانت تعتمد على خزين الجسد في مقارعة الجوع والعطش خصوصاً اولئك الذين يلتزمون بتعاليم الصيام والافطار ، فلا يأكلون الكثير في الليل وعند وقت السحور .. وترى الصائم في اواخر ايام العشرة الثالثة قد صار عصبياً ويضجر في حالات التعامل : البيع والشراء .. وخصوصاً في الساعات التي تقرب من وقت الفطور ... فقد سجلت الدوائر المعنية في مرور الدول الاسلامية حوادث طرق كثيرة مع اقتراب وقت الفطور بعد ان يغلق اصحاب المحال دكاكينهم ، ويبرح الموظفون دوائرهم ، وينتهي العمال من عملهم في معاملهم .. لذلك وظفت الكثير من برامج المرور لتذكير الصائم بضرورة الرويّة في السياقة ، والهدوء في السير .
إنَّ فقدان الكثير من الصائمين لأوزانهم يشعرهم بالراحة والرضا لما حصل . فبفقدان الوزن يترشّق الجسد ، وتتخلص المعدة من كثير من الظواهر المرضية التي كانت هي مكمن لها وبيئة مناسبة . فالمعدة بيت الداء ، وكبحها والتقنين في اطعامها يوفر على الجسد عديد الامراض التي سببها الرئيسي المعدة ... وبهذا تساور كثير من الصائمين رغبة ان يظلوا صائمين لما يتعدى الشهر لولا أنَّ الدين حتَّم عليهم شهراً لا اكثر .
في الايام القليلة المتبقية من شهرِ رمضان ، وتهيؤاً لعيد الفطر الذي يطلق عليه شعبياً " الصغير " لأن ايامه ثلاث بينما يطلق على عيد الاضحى " الكبير " لأن ايامه اربعة تتحرك العائلة السماوية شأنها شأن كل عائلات العراق في مدنه المختلفة لعمل الحلوى التي تقترن مناسبتها مع حلول العيد فتنسى موضوع الزلابيا والبقلاوة التي تبتاعها من محلات الشكرجية ، وتتجه لعمل حلوى بيتية وبيد نساء البيت وعادة ما تكون بسيطة ، وبنوعين :" الكاكول " و" الكليجة " .. فعمل الكاكول يقتصر على عجن الطحين بالسمن النباتي مع السكر وقليل من الكركم لإعطائه لوناً ذهبياً وتقطعيه إلى دوائر مسطحة بواسطة مقابض خشبية تحفر في طرفها نقوش وتملأ بالعجينة ، ثم تستخرج على شكل اقراص منقوشة لتوضع في صينية فافون وتحمل إلى افران الحلويات .. وعند الافران ترفع الاقراص من الصواني الفافون وتُنتَظَم في صواني معدنية سميكة مخصصة للدخول الى الافران ذات الدرجة الحرارية العالية . وعادة ما تضاف عليه الحبّة السودة لتجميله ، وفي نفس الوقت تعطي الحبَّة السوداء نكهة طيبة للفم عند أكل الكاكولة ... أما النوع الثاني فهو " الكليجة " التي تكون كروية او تدخل الاصابع في التفنن في شكلها ، ويتم حشوها أمّا بالتمر المنزوع النوى ، أو بلب الجوز الهندي " المبروش " مخلوط مع السمسم والسكر ... وتتوجه بعض العائلات الى استخدام السمن الحيواني لتكون الكليجة اطيب نكهة وهشّة عند القضم ... وكانت معامل الحلويات العائدة لمحمد عبد الزهرة في الشرقي ، و رحيم عبد السادة ، ومكي طه في شارع مصوي ، وكريم عمران في شارع باتا .. وتبقى هذه المعامل حتى وقت متأخر من الليل .
ومع اذان الفجر تتحرك العائلات التي صنعت الكاكول والكليجة لحمل نسبة كبيرة مما عملت لتوزيعه كفطرة للموتى على المصلين صلاة فجر العيد ومجموعة ابو طبيلة حيث يأتون مع بدايات الصباح ليمروا على البيوت وهم يضربون على الصنوج فيعطون من الكاكول والكليجة ومعهما قد يعطون مبالغ مالية كعيدية وشكر لما بذلوه طيلة ليالي الشهر وهم يجوبون الشوارع والازقة لانهاض النائمين كي يتناولوا طعام السحور .. أما فطرة الأحياء فعادةً ما تكون نقوداً تعطيها العائلات الميسورة إلى الأسر المتعففة قبل اسبوع من حلول عيد الفطر لتتمكن تلك الأُسر من شراء الملابس الجديدة لها ولأولادها فتتساوى مع العائلات المتمكنة مادياً ؛ وتلك من شيم الانسانية الطيبة التي يكون فيها الانسان رحيماً مع أخيه الانسان ، انطلاقاً من قول الرسول الاعظم " كلكم كأسنان المشط " ... وبهذا يكون استقبال العيد بشيء من الفرح والسرور ؛ ويكون طعام الفطور خاصاً ، حيث يجلس أفراد العائلة حول صينية القيمر والكاهي التي اعدتها لتكون وفق المناسبة السعيدة ، وليكون فطوراً متميزاً .
الليلة الاخيرة من رمضان ( أم الحللَّس )
لم تمتلك بيوتات السماوة حمامات للاستحمام ( طيلة العقود الخمسة الاولى من القرن العشرين ) إلا ما ندر ، وذلك مدعاة لتواجد حمامات عامة في المدينة ، توفر للمستحم مستلزمات الاستحمام ، نظافةً وتدليكاً ... ومن هنا كانت الحمامات حاجة لتوفير الخدمات على مدى الايام ... فيزداد روادها في الشتاء ، ويقل في الصيف ( على اعتبار ان غالبية الناس اعتادت السباحة في النهر أو الاغتسال في بيوتهم فالجو لا يقارعهم بالعواقب التي تأتي بالامراض شتاءً ) .
ومن الطقوس التي اعتاد عليها الناس هو الاستعداد للعيد على احسن وجه .. ابتداءً من تهيئة الملابس الجديدة التي يجب ان تلبس لاول مرة صباح اليوم الاول من العيد . لذا ترى الناس في الايام الثلاثة الاخيرة قبل حلول العيد في حمى الشراء ، حيث يعج سوق السماوة المسقف على وجه الخصوص بالآباء الذين يقودون اولادهم إلى المغازات لشراء البدلات الجاهزة ، ومحلات بيع الاقمشة لخياطة ثياب العيد عند الخياطين الذين يشكل اقتراب العيد موسم رزق وفير لهم .. وترى الامهات وهنَّ يصاحبن البنات بجدائلهن المتدلية على الظهور لشراء ما يجدنه ملائماً لفرحة كبيرة كما هي فرحة العيد ... وترى الاولاد والبنات تلك الايام يحلمون ويتخيلون كيف سيلبسون الملابس الجديدة وكيف سينهلون من فرحة العيد وهناء ايامه .
ويتهيأ محل باتا والمحلات المتخصصة ببيع الاحذية لعرض معروضاتهم الجديدة من الاحذية ؛ لذا بالامكان مشاهدة هذه المحلات تزدحم بالمشترين الذين يبحثون عما يلائم اولادهم .
أما الكبار فاعتادوا شراء الاقمشة المستوردة ن ومنها الانكليزية على وجه التحديد ، فيأتون بها إلى الخياطين المتخصصين بخياطة البدلات ، ومنهم شهيد بشيشي ، والحمداني ، وكريم شاني ، وحسين شيك ، وعبد الحر ، واسماعيل حمودي .. اما الثياب ( الدشاديش ) فقد تخصص في خياطتها خضور وولده محمد ، والعاقولي .. وهناك اكثر من قيصرية في السوق المسقف تمثل تجمعاً للخياطين : خياطي البدلات ، وخياطي الثياب والقمصان ، وخياطي العباءات الرجالية بنوعيها الشتوي والصيفي .
وتمثل الليلة الاخيرة من ليالي رمضان الليلة المفرحة جداً ( ويطلق عليها " أم الحللَّس " .. ولا يُعرف من أين جاءت التسمية ، ولماذا !! ) ، حيث تعم الفرحة في اوساط المجتمع السماوي اثر انتشار خبر اعلان رؤية هلال العيد من المرجعية الدينية في النجف الاشرف ، فيتوجه اغلب الناس إلى الحمامات العمومية الشعبية التي تتهيأ لاستقبال الناس . فيمكن مشاهدة الداخلين الى الحمامات وهم يحملون " البقج " التي تحوي الملابس النظيفة التي تستبدل بعد الاستحمام ، ومعها الليفة والصابونة ، والكيس الخشن لاستخدامه قبل التلييف بالليفة والصابونة .. وبعض الناس تأتي بفاكهة البرتقال لتناوله مباشرة بعد الاستحمام اعتقداً بأنه تناوله يمنح الصفاء للبال وينشط المعدة والامعاء ...
وفي الحمام يجد الداخل للاستحمام العمال في نشاط دائم ، يسلمونه الوزره ( وهي قطعة قماش بطول وعرض متر ) يلف بها جسده بعد خلعه الملابس والاستعداد للدخول الى قاعة الاستحمام التي سيجدها تعج بالبخار والماء الساخن ... وعند خروجه سيجد العمال انفسهم في حالة من التهيؤ لاستلام الوزره المبللة واستبدالها بوزرة جافة . يلف بها جسده للوصول الى مكان خلعه ملابسه حيث يرتدي الملابس التي أتى بها ملفوفة بالقجة .. ثم يخرج دافعاً اجور استحمامه إلى مالك الحمام الذي عادة ما يجلس خلف مصطبة مخصصة لإدارة الحمام حيث يكون في وضع يشاهد الجميع ويحث عامليه على تقديم الخدمات على افضل حال 
ومن الجدير بالذكر ان الحمامات تفتح عصر ليلة العيد للنساء حتى مقدم الغروب ... وما بعد الغروب يخصص للرواد الذين يستحمون تلك الليلة استعداداً لصباح يوم العيد ، والشروع بالتوجه الى أداء صلاة العيد والفجر في اقرب جامع .

           

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

604 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع