الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - العصبية القبلية والدولة

العصبية القبلية والدولة

                                            

                          قاسم محمد داود


العصبية القبلية والدولة

بالرغم من ان وادي الرافدين ومنذ فجر التاريخ شهد قيام دول وامبراطوريات لا تزال شواهدها التاريخية قائمة وان على هذه الأرض قامت أولى الحضارات الإنسانية الا ان القبيلة والقبلية لاتزال فاعلة لا بل أصبحت قوة سياسية يحسب لها الشيء الكثير وعادت العصبية القبلية والحمية العشائرية باعتبارها الملاذ الأكثر فعالية لحماية الفرد من تعديات الآخرين ، وحتى في المدن العراقية الكبرى ومنها العاصمة بغداد التي كانت العائلة فيها هي المؤسسة الأقوى والاعرق من حيث الانتماء الاجتماعي ، هذه وغيرها من المؤشرات على أن القبلية عادت بقوة وخصوصاً بعد الاحتلال الأمريكي ، تدعونا للبحث والتشخيص لكي لا يتحول العراق الى بؤرة للتخلف الثقافي والاجتماعي لأن القبلية هي مسار بالضد من التقدم ومواكبة العصر والتطور التكنلوجي والانفتاح الفكري والمعرفي والثقافي الذي لا يتناسب مع التعصب الاعمى للقبيلة والعشيرة . ان بروز القبيلة ونجاحها في فرض رموزها وخطابها كي تكون جزءاً من الخطاب الثقافي للمجتمع، يعني ضمن ما يعنيه ضعفاً في خطاب الدولة وما ترمز اليه، لان المسلمة التاريخية والفرضية النظرية تؤكد أن العلاقة بين القبيلة والدولة هي دائماً علاقة تناقض، وليست علاقة تكامل كما يوحي لنا الخطاب القبلي السائد حالياً فكل منهما تحمل العناصر التي تنقض أساس الأخرى. نظرياً على الأقل: " الدولة هي كيان سياسي قانوني وبالتالي فلانتماء إليها هو بالضرورة انتماء سياسي وقانوني أيضاً." في المقابل القبيلة : " هي في الأساس كيان اجتماعي ( من خلال علاقة النسب ) ، وليس انتماءً سياسياً أو قانونياً . " لا يتحقق انتماء الفرد للقبيلة إلا من طريق واحد طريق الاب. من دون ذلك لا يتحقق الانتماء. في حالة الدولة، الامر على العكس من ذلك تماماً. يتحقق انتماء الفرد للدولة من خلال إجراءات قانونية وإدارية معينة، تنتهي بإعطائه الجنسية بغض النظر عن عوامل النسب. هناك عنصر آخر يؤكد العلاقة العكسية بين الاثنين. ففي الوقت الذي تقتصر سلطة القبيلة على حدود مجتمعها الذي يتكون من افراد تربطهم علاقة الانتساب الى جد واحد، او داخل حدود مساكن القبيلة، تعتبر الدولة ان سلطتها شاملة، يجب على الجميع ان يخضع لها، أفراداً وجماعات، ومؤسسات. وانطلاقاً من هذه السلطة تحتكر الدولة مشروعية امتلاك واستخدام أدوات العنف أو التهديد بها، ولا تسمح لأي كان بمشاركتها في ذلك، إلا بإذنها وتفويض منها وعكس ذلك يعني ان الدولة تعاني من خلل كبير. لكن حتى يتسنى للدولة كل ذلك لابد ان تنال سلطتها بالقبول من رعاياها، وبالتالي لابد لها ان تؤسس هذه السلطة على شكل من اشكال الشرعية، قد تأخذ مشروعيتها على شكل منجزات، او الشرعية التاريخية، وقد تكون شرعية قانونية، او شرعية فكرية تحظى بأجماع، وربما تجتمع كل تلك الاشكال في صيغة سياسية وفكرية قانونية واحدة. وفي حالة عدم تمتع الدولة بأي شكل شرعي فأنها تفرض سلطتها على المجتمع بالعنف. وفي كل الأحوال فأن الدولة لا يكتمل بناؤها دون ان يكون لها توجه ثقافي وسياسي يعكس طبيعتها وهذا التوجه هو الذي ينظم العلاقة بين الدولة ومكونات المجتمع الذي يخضع لسلطتها. وعليه فإن بروز القبيلة، وبروز القيم القبلية سيكون على حساب التوجه الفكري للدولة وهو بالتالي العودة بالمجتمع الى ما قبل الدولة وتجاوز على سلطة الدولة ومسارها الثقافي. ولأن القبيلة في الأساس هي من ضرورات عصر طفولة البشرية والمجتمعات البدوية حيث انها كانت " تجمعات بشرية مغلقة على نفسها تتبادل المنافع والعلاقات الاجتماعية فيما بينها " ، وتحقيق اكبر قدر من متطلبات الحياة المادية والمعنوية وهو الشكل الذي سبق قيام الدولة والمجتمع المدني فأن وجودها بعد انتفاء حاجتها وبعد التطور والتقدم الذي حققه الانسان وقيام الدولة بأشكالها المختلفة ، يعتبر عاملاً سلبياً ضد تحقيق المدنية وان بروز قيمها الى المجال العام سيكون سبباً في صراع سياسي واجتماعي وسلوكاً يخالف الاستقرار الذي يطلبه التقدم الصناعي والثقافي والعمراني للبلد لأن النخب القبلية لا تهمها إلا مصالحها وإظهار وجاهتها على حساب الآخرين، وكما هو معروف فأن التعصب للقبيلة هو المحور الأساس للفكر القبلي واهم نوازعها في توجه يتجاوز مصلحة المجتمع ، حيث أن القبيلة لا تنتمي الى ثقافة المجتمعات المدنية المتحضرة بل هي النقيض من ذلك واذا ما تجذرت القبلية في المجتمع فلن تنتج سوى التخلف لاسيما ونحن نربي الأجيال الجديدة على التمسك بالنهج القبلي والتعصب للقبيلة ومحاورها : العرق ، القرابة ، الولاء ، الدم ، العصبية ، الثأر ... ثم اذا كانت الدولة تسعى لقيام نظام حكم ديمقراطي فأن هذا يستدعي تجاوز دور القبيلة وعدم زجها في المجال السياسي واعتبارها عامل مؤثر ، لأن ممارسة الديمقراطية أمراً صعباً في ظل وجود نفوذ قوي للقبيلة على الافراد المنتمين لها يأتمرون بأمر زعماء القبيلة الذين تحركهم مصالحهم الشخصية قبل مصلحة المجتمع، كما أن شيخ القبيلة عندما يمارس السياسة باسم القبيلة فأنه يقود المجتمع نحو التفرق وتفكيك اواصره ، والسير به نحو الصراع من أجل الغنائم ، وتحويل مفهوم الدولة الشامل لتصبح نظام سياسي فاشل يتمحور حول نخب عائلية قبلية لا هم لها إلا مصالحها . بالمقابل يجب نشر قيم المدنية القائمة على الحب والتسامح وقبول الآخر وتفعيل دور القانون وسلطة الدولة واحترام مؤسساتها فلا يجد الفرد نفسه مضطراً للاحتماء بالقبيلة والعرف القبلي الذي اصبح بديلاً للقانون في حل النزاعات بين الافراد والجماعات أو ما يسمى (الفصل العشائري) وبالتالي تقل فعاليتها وتعود لمكانتها الحقيقية. ان المجتمع المدني ليس ضمان للعيش المشترك فحسب، بل هو روح الدولة، فالدولة لا يمكنها ان تعمل وتقوى وتتقدم في كل المجالات إلا بالمجتمع المدني القائم على أساس التسامح وقبول الآخر وعلى الإخاء والمساواة، الذي هو المرتكز الرئيسي في حماية الامن القومي وحفظ كيان الدولة ، بالعكس من المجتمع القبلي لأن طبيعة تركيبته تجزيئية مغلقة متعصبة عنصرية . ومن أجل الخروج من القبلية والعودة الى المدنية ونشر الوعي المدني لكي نواكب العصر الذي صرنا نستخدم منتجاته المادية ومخترعاته دون أفكاره وثقافته أي التمييز بين كل من "ثقافة القبيلة" ، و"ثقافة المجتمع الحديث" ، نحتاج الى إرادة دولة قوية بكل مؤسساتها التي لها الدور الأول والمهم في انهاء البنى القبلية وتجاوز تقاليدها من خلال ما تمتلك من مؤسسات تفرض بها القانون وتجعله فوق الجميع دون تهاون، كما نحتاج الى مؤسسات مجتمع مدني تساعد في تنظيم حركة المجتمع وتساهم في توعية افراده لكي تدفعهم طوعاً للخروج من الانتماء القبلي المنغلق الى الانتماء المجتمعي الواسع، المجتمع الحضاري الذي يرتكز على الفكر المتمدن، يقوده المتمدنين والمتعلمون والناشطون في حقوق الانسان ونظافة البيئة وكل ما يتعلق ببناء المجتمعات ورقيها وتطورها ، لا مجتمع قبلي يقوده الأميون وأنصاف المتعلمين تحت مبررات قديمة بالية لم تعد تناسب التطور الذي تشهده المجتمعات البشرية. وخلاصة القول أن المجتمع المدني وحده لا غير هو القوة القاهرة للتخلف والقادر على أحداث قطيعة مع الثقافة القبلية التقليدية التي خرجت من كهوف الماضي، وتجاوز التكوينات الدنيا القائمة على العصبية والمناطقية والعرقية، والمذهبية وهذا لا يعني نفيها وازالتها، بل يعمل على تأسيس هذه التكوينات الطبيعية كأوعية ومسالك للتعارف والتعاون، ويحافظ على هويتها الأولية، بعقل واعي ويتجاوزها لصالح قيم العيش المشترك، وتكون أساس الولاء والانتماء والتي تتجسد في دولة مدنية بدستورها ونظمها وقيمها الحديثة. لقد آن لنا ان نعي ان لا مكان للقبيلة في الدولة الحديثة: دولة الفرد والمجتمع. أن تفعيل القبلية في مجتمعنا يمثل قتل للثقافة المدنية والتحضر والوعي الذي كان سمة اصيلة للعراقيين، بما يعني تهديد لمستقبلنا كله.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

474 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع