السيد الأخ الأستاذ عبد الله مرقس رابي المحترم

                                                  

                          القس لوسيان جميل

السيد الأخ الأستاذ عبد الله مرقس رابي المحترم
بعد التحية

قرأت ردك الذي ضمنته ديباجة تدعي فيها النزاهة العلمية التي لا تبغي غير الحقيقة كما تدعي، فوجدت ان كل ما كان في ردك لا يتوافق مع ادعاءاتك بالعلمية والنزاهة والحياد. غير اني في هذه الأسطر الأولى اوجه شكري الى الأب نوئيل فرمان الذي عرفني بشخصية ليس لها مثيل سوى بالأحلام. ولكن مع ذلك اعاتبك يا اخي نوئيل لأنك اتعبت هذا العلامة الفريد وسخرته ليأتي لنجدتك. مثلما سخر غيرك العلامة الفنلندي المحايد جدا والذي لم يفلح سوى بإعطاء الآشوريين حلا يشبه حل من يفسر الماء بالجليد. هذا مع العلم يا ابونا نوئيل، انا لم اكتب لك الا لأني عرفت فيك انسانا فاهما ومتنورا ومثقفا وخلوقا،وإلا لكنت شرحت لك كلمة الأنثروبولوجيا حتى لا يزعل السيد رابي وتستولي عليه الحمية العلمية، ويكتب عني الترهات التي كتبها. وأقول لك اما كان بإمكانك ان ترد علي وعلى نفس الموقع الذي اكتب فيه والذي يكتب فيه اصدقاؤك الذين اشرت اليهم، وأظن اني انا ايضا سبق ورأيت اسمك على صفحات هذه المجلة، عوضا عن ان تسخر رابي وينشر رده علي في موقع الدجل والسباب بصورة مخزية؟ ثم ينشره في نفس الموقع الذي اكتب وانشر فيه، ظنا منه انه في هذا الموقع ايضا يصفقون له كما حصل عليه في موقع عنكاوا وغيره. فحصل فيه على خيبة مجلجلة. 

ولكن مع هذا، انا لست مستاء من ذلك، لأنك يا ابونا، اعطيت لي الفرصة لكي افند عالمك، كما كنت قد فندت العالم Simo Parpola الذي لم يساعد جماعتك الاتنية الآشورية الا بكلمات لا تعني اكثر من كلام عالم يفسر الماء بالجليد. ثم يحرض هذه الجماعة على التوحد ليأخذوا حقوقهم، تنفيذا لآجندته الحاقدة تاريخيا على العرب. ( خوش عالم اليس كذلك ).
اما الآن فأقول للسيد عبد الله رابي: بما انك تنتقدني لأني بحسب ظنك، لم اشرح لك معنى الأنثروبولوجيا، ولا معنى جملتي التي قلت فيها انا لست عروبيا، لكني عربي، لأسباب ذكرتها، فانا اقول لك اني ذكرت ما يلزم، لكنك بالحقيقة لم ترد ان تفهم ما قلت. وفي هذا اتذكر جملة كان يقولها استاذ اللاهوت الأدبي عندما كان يصر احدنا على انه لم يفهم ما قاله الاستاذ، بقوله له: اذا مع كل هذا لست راضيا فهذا يدل على انك صعب.
اما انا من جانبي فسأقول لك:ماذا كنت اقصد بــ/ الأنثروبولوجيا، ولماذا كنت اشدد عليها وما كان قصدي في ذلك. ثم اقول لك الآن: اذا كنت لا تفهم ما قلته وانت الذي يدعي العلم، فهذه مشكلتك يا استاذ، وليست مشكلتي، ولاسيما انك تركت العلم جانبا واتبعت الطريق العقائدي البعيد عن العلم Dogmatique،حيث وضعت عقائدك الشوفينية التآمرية حيث كان المطلوب منك اثباتها كبرهان على اني انا اجانب الصواب، من خلال عملية سطحية عنصرية باهتة وقولتني ما لست اقوله،وما رفضته بطريقة فجة عن طريق تهم سياسية يفترض انها لا تليق بعالم مثلك، اذا حقا كنت عالما. انت بالحقيقة لم تعمل سوى اثارة مشاعر الجهلاء ضدي. كما انك في الحقيقة ارى انك قد وضعت فكرك كنتيجة مبرهن عليها في أمر كان مطلوبا اثباته، كما يقال في علم المنطق.
اما هذا الأمر فليس مجرد خطئ ارتكبه عالم لكنه عمل تضليلي لا يعمله عالم يتحلى بأخلاق علمية كالتي تدعيها يا استاذ. اما ان تأخذ صفحة او اكثر بشرح الأنثروبولوجيا على راحتك، تشرحها للقس لوسيان لتفنيد افكاره، بحجة انك لم تفهم افكاره، فهذا ايضا عمل غير اخلاقي لأنك لم تثبت ان القس لوسيان لا يفهم معنى ما يكتب كما اردت التنويه اليه. ولكن الأمر طلع انه فهمت ما كان يقصده القس لوسيان بكلامه عن ايديولوجيا الآشوريين وغيرهم العاطفية المؤدلجة، لكنك اردت فقط ان تجد لنفسك عذرا ينقذك ويعفيك من البرهان العلمي، لكي تبقى امامك ساحة شبيهة بساحة السياسيين الدجالين والذين يعتمدون على الدجل وعلى الكلام الباطل الذي يريد ان ينال من الخصم بأية وسيلة كانت. الأمر الذي لن تستفيد منه كثيرا ومع كل الناس يا استاذ، وكأني بك تريد ان تلقي تهمة التزوير والتضليل التي تنسب عادة لأمثالكم، يا استاذ، باسلوب الشخصنة الذي كان يلجأ اليه الشيوعيون. فإذن لقد اثبت يا استاذ على نفسك انك لم تفهم معاني الأنثروبولوجيا وتطبيقاتها التي استخدمتها في كتابتي للأب نوئيل، الأمر الذي يعني شيئين لا ثالث لهما. فإما انك صادق وانك فعلا لم تفهم ما كتبته على الرغم من ادعاءاتك بالعلم، وإما انك فهمت لكنك بدأت تكذب وتراوغ وكأنما الذنب ذنبي حيث بحسب تنويهك اني كتبت شيئا لا اعرف معناه ولا اعرف لماذا استخدمه. ولكن انت لا تعرف ان الكثيرين لا يصدقونك. ففي الحقيقة اذا كنت حقا لم تفهم ما كتبت، فهذا ليس بالضرورة ان يكون الذنب ذنبي، بل ان عدم فهمك يمكن نسبه، اذا صدق قولك انك لم تفهمني، الى قدراتك العلمية الناقصة،ام ان كل من يقدم نفسه للذود عن الأكاذيب تنفخونه حتى تحسبونه ويحسب نفسه انه يملك علم السماء والوحي الالهي. ومرة اخرى ما ذنبي انا اذا كنت انت لا تفهم كل تطبيقات الأنثروبولوجيا التي حاولت استخدامها في اثبات وجود القومية الاتنية؟ ولكن من حسن الحظ انت فشلت فيما تسعى اليه.
اما خطؤك الفضيع الآخر والمتعجرف فهو حسبانك ان العرب هم فقط اصحاب العقال والجمال والصحراء وأنهم لم يصلوا الى العلم الذي وصل اليه حضرتك. مع العلم ان العرب مسلمين وغير مسلمين، كانوا يملكون علوما لم يكن يملكها احد في زمانهم، والآن في الحاضر لهم جيوش من العلماء يستطيعون ان يتفوقوا عليك وعلى كل امثالك، وفي شتى العلوم. فما هذا الكبرياء وهذه العجرفة الفارغة الخالية من الطعم؟ والحقيقة لو عرفت ان عقلك العلمي بهذه الدرجة من الانحطاط، استنتاجا من تصريحاتك، لكنت غيرت بعض عباراتي لتستطيع فهما، كما نفعل مع اطفال وعجائز، حيث نستخدم معهم طرقا تربوية خاصة.
ولكن هنا من حقي ان اتساءل:هل لو كتبت اكثر وأوضح، كنت، وانت بهذه العقلية المغلقة على مصطلحات منتحلة كمصطلح شعبنا وشعبكم والمنفوخة بعلمك الفارغ، كما يبدو، الا من الادعاء بالعلمية، فهل كنت تفهم اكثر وانت بهذه العقلية المنغلقة على تعليم القرية ؟ لا اعتقد.
فإذا كنت لم تفهم ما كتبته، وهي طائرة، فماذا تفهم اذن، فقط مصطلح شعبنا وشعبكم؟ فحضرتك لو كنت عالما حقا، لما وضعت نفسك في مأزق قولك عن القومية الاتنية العنصرية النازية، ولما وضعت اولوية منطقية مجانية تكلمت فيها عن شعبك الكلداني الآشوري السرياني، ولصقت بعضهم ببعض لا اعرف بأي صمغ سماوي. ولكنت عرفت ان ما يتم تأكيده مجانا يرفض مجانا. ولعرفت على اي حال انه لا يجوز دمج جماعات دمرت احداها الأخرى في وحدة سياسية مصطنعة، تعرف جيدا من هو الذي وحدها سياسيا وجزافا.هذا مع العلم ان خصومة هذه الجماعات لا زالت مفتوحة وسائرة على قدم وساق.
وهكذا الأمر فيما يخص فكرة الكلدو – اشورية. ثم الا ترى اين اوصلت افكارك وأفكار امثالك الشرائح المسيحية في العراق كله؟ وألا ترى كيف ان جماعتك الآشورية فقدت مسيحيتها اولا وجعلت منها مسيحية خالية من اي معنى، باستثناء معنى التراث. يعني كنيسة متحف، وذلك بإصرار الكنيسة التي يدعي المنتمون اليها الرؤساء خاصة انهم آشوريون، حتى باتت هذه الكنيسة لا تعرف هويتها بسبب سيطرة قوميتها الكاذبة عليها. وبدلالة انهم بين مدة واخرى، وأحيانا متقاربة، يغيرون من على واجهتها الخارجية اللوحة التي تحمل اسمها،الأمر الذي يعني ان انتحال الاسم، ولاسيما في زمن الاحتلال ليس امرا هينا ( آونطا ) كما نقول بالدارج بكلمة اظنها تركية. كما يدل على ان ما كل مدعبل جوز، ويدل على ان من يضحك اولا يبكي اخيرا، والعكس صحيح طبعا. واللبيب يفهم من الاشارة، الا انت كما يبدو يا استاذ، لأنك لا تهتم بالبشر بقدر ما تهتم بأيديولوجيتك العنصرية والتي لا يعقل ان تتمسك بها فقط من اجل الحق والعلم كما تدعي.
وملاحظة مهمة نقولها لك ولأبناء شعبك الكارتوني وأقول لكم: لقد اوصلتْ العقلية البراغماتية الميكيافلية التي تحملونها مسيحيينا الى مذبحة سميل وتوابعها وغيرها من المذابح، وأوصلتم مسيحيينا في نهاية الأمر في ايامنا هذه الى ما شاهدتموه اليوم وفي كل يوم من مآس لم نرى لها مثيلا في تاريخنا المعاصر، فالى اين تريدون ان تذهبوا بنا في انتهازيتكم وميكيافليتكم في المستقبل القريب والمتوسط او حتى البعيد لا سمح الله؟
لقد خلقتم العراق الذي سميتموه مع المحتل بالعراق الجديد، وزمرتم وطبلتم له، فهل رأيت الى اي عراق جديد اوصلتم العراق ونحن معه؟ ولكن لربما تقولون في انفسكم ايها الغرباء: انا ومن بعدي الطوفان. وتقولون ما قاله احد الأغوات في الموصل عندما تزحلق الخادم الذي كان يقدم للضيوف طعام الفطور في صينية مملوءة بأنية الفرفوري، فوقعت تلك الانية الفرفوري الجميلة على الأرض وانكسرت. ففي الحال صاح صاحب البيت ( الآغا ) مازحا بقوله: لا تهتموا المهم ان المعالق ( الملاعق ) بقيت سالمة. ففي الواقع ان نفرا من الآشوريين والقيادات الكنسية تمت ترضيته بالمال وبغير المال وبراتب شهري لا اعرف من اين، ولكن اعرف انه كان المسئول عن التوزيع السيد سركيس آغا جان. ولهذا اقول بقيت الملاعق سليمة وليات الطوفان على الآخرين. ترى اليس من حقي اني كنت يوما قد قلت لإخوتي من القيادات الكارتونية الذين يدعون انهم آشوريون بأن ما ينقصهم هو ان يكونوا عراقيين؟ فنهضوا للفور من عندي، ولم اجد بينهم سوى واحد قال: انا اؤيدك فيما ذهبت اليه يا ابونا.
هذا من جهة، ومن جهة اخرى اسألك يا استاذ: ترى الى متى تظلون تحاولون ان تستولوا على كل المسيحيين وتدخلوهم الى خانة شعبكم على الرغم منهم. فنحن بالحقيقة ملينا منكم ومن نقص شعوركم بالمسؤولية الشمولية، فنحن بالحقيقة لم نعد نعرف شعب من نحن؟ شعب العراق ام شعب الآشوريين او شعب الكلدان ام شعب يونادم كنا الانتهازي ام شعب السيد افرام زعيم حزب كلداني لم احفظ اسمه، وكذلك اسم تنظيم آخر كلداني آخر شكله مسيحيون في ميشيكان – امريكا، على الرغم من انهم ليسوا عراقيين، ولا تشملهم قوانين الدولة العراقية. يعني هم جالسون على تل السلامة، تماما مثلك يا استاذ وانت متأكد ان النيران التي ساهمتم في اشعالها لن تصل اليكم. فهل ما انت فيه يدل على اي مصداقية علمية وحياد تدعي به؟ وهل علمك يا استاذ هو يعلمك هذه التسميات والإعمال الشعوبية،والكلام السوقي بالسوء عل ديانة الآخرين، وقوميتهم الحقيقية الباقية حية، حتى يومنا هذا، والتي لا تعترف بأن تكون انت وأزلامك منها. ام ان الذين سرتم خلف دباباتهم لتدمير العراق هم يعلمونك تقسيم الشعوب بهذه الميكيافلية.
انا شخصيا انثرولوجيتي تعلمني هذا الكلام، وانت ماذا تعلمك انثروبولوجيتك الصحيحة العلمية التي لا يعرفها احد غيرك؟ وكما قال لي احد الاخوة المسلمين في تلكيف، عندما رأى صاحبه صاحب محل لم يقبل ان يبيعني شدة من المياه الغازية نصفها سفن ونصفها فانتا: فقال لي: لا تهتم يا ابونا ان من لا يعرفك يجهلك. وحضرتك لا تعرفني حقا ولهذا تجهلني، انا الذي بنيت منهجية انثروبولوجية علمية لا تقبل بالغيبيات، مهما كانت قيمتها، وقلت عنها او اسميتها: منهجية لاهوتية انثروبولوجية خارج الأسوار، نالت كلمة من قبل المرحوم الأب كميل حشيمه، حيث كنت قد ارسلت لجريدته، جريدة المشرق اللبنانية في بيروت، نسخة من الكتاب الذي يحمل تلك المنهجية.اما هذا الكتاب فعنوانه: كيف نتكلم عن الله اليوم. فهذا الأب الجليل التي توفي بعد ذلك كان قد وضع تقيمه للكتاب وللمنهجية التي يحملها على صفة غلاف مجلته الأخيرة تقييما لم اكن اتمنى احسن منه. حيث عد كتابي كتابا منهجيا علميا موسوعيا لا ينطلق من الله الى الانسان وانما ينطلق من الانسان الى الله. كما انهى تقييمه بقوله: ان هذا الكتاب الكبير بحجمه كبير بقدره ايضا.
هذا، فضلا عن اني لم تأتني اية ملاحظة نقد او عتاب من اي من رؤساء الكنيسة الكاثوليكية والمحلية،على الرغم من انهم لم يكونوا قابلين بما كتبت لأنهم لم يستطيعوا ان يفهموا ما كتبت؟ وهل من هو طامس في السلفية التكفيرية المسيحية يمكن ان يستسيغ ما كتبته؟ !
اما وانأ هنا في دهوك فقد انتهيت تقريبا من تأليف كتابين آخرين،عنوان الأول هو:كيف نتكلم عن الانسان اليوم. وهو حسب منهجية انثروبولوجية تعتمد على كافة علوم الانسان.ثم كتاب آخر عنوانه: قواعد انثروبولوجية لظهور الروح وحركته وارتقائه؟ فهل انت يا استاذ تملك الشجاعة والعلم الكافي لتألف مثل هذه الكتب؟ هذا ناهيك عن مقالات فلسفية ولاهوتية كثيرة، ومنها مقالة عن شؤون العائلة على حسب المنهجية المذكورة نفسها. وانت تأتي يا استاذ وتنقل لا اعرف من اي كتاب وتعلمني الأنثروبولوجيا وتقول لي انت تراوغ وتغالط. بمعنى اني استخدم الأنثروبولوجيا بشكل مؤدلج. وهنا اقول:يا ترى هل اصبح التحليل الأنثروبولوجي والتحليل الاجتماعي والتحليل الحضاري كإبعاد في كائن واحد هو الانسان، مراوغة من اجل وصولي الى عروبة العراق والعراقيين (لا اعني الكرد هنا)، في حين ان العالم كله يعرف ان جميع القبائل التي نعرفها منشؤها الجزيرة العربية، سواء كانت قبائل مستقرة في قلب الجزيرة او كانت قبائل هاجرت الى شرق الجزيرة العربية. ومنها الأكاديون – البابليون- والآشوريون والعبرانيون وغيرهم. فهذه القبائل يا استاذ منشؤها واحد وتربيتها الأصلية واحدة، وأرومتها واحدة وتاريخها واحد ولا يمكن فصل اية قبيلة وجعلها قبيلة نشأت من تربة مختلفة وقومية اتنية مختلفة، الأمر الذي لا ينكره عالم او جاهل، سوى الحاقد والمغالط.
فإذا كان مسيحيو العراق من هذه القبائل فهم مثلهم عرب لا ينقصهم شيء عن العرب. الا انهم لا يملكون ريشة نبتت في رؤوسهم كالآشوريين او عقال. علما ان لقب الجزيرة العربية ليس لقبا لأية قبيلة عربية، لأن عرب الداخل، كانوا يسمون قبائلهم وعشائرهم باسم جدهم الأكبر، ويقولون بنو ( بني فلان وبني فلان اي اولاد فلان وفلان. فهل يا ترى كل هذا التحليل المستند الى التاريخ وتقول لي انت تسفسط وتراوغ لكي تصل الى النتيجة التي تريدها؟ مع اني بالحقيقة انا لا اتوخى القول بأني عربي، لآني احسب هذا القول بديهيا، لكن فقط اريد ان اقول لك ولجماعتك انكم انتم تراوغون من اجل ان تثبتوا انكم لستم عربا. مع تأكيدي على انكم اذا لم تكونوا عربا، فانتم لستم آشوريين ايضا، لآن الآشوريين ايضا عرب لاشك فيهم. ولهذا ايضا قلت لأخي نوئيل بأني لست عروبيا، يعني غريبا عن العرب، بل انا عربي ويسرني ان اكون كذلك وافتخر. هذا في حين انكم لا تملكون الدليل، لا العلمي ولا غير العلمي على ادعاءاتكم الباطلة. ولكن فعلا من يعرف ان بعضكم قد يكون من الغجر او من اهل يوغوسلافيا القدماء ( يعني غرباء عن المنطقة التي كانت قد آلت الى العرب المسلمين، بعد ان جاء هؤلاء العرب المسلمون وانتزعوا المنطقة من يد الفرس ولكن مع ذلك فان شاء الله سأقول لكم من انتم – من نحن المسيحيين، في هذه الكلمة نفسها.
اما الآن وبما انك حسبتني لا افهم معنى الأنثروبولوجيا وقمت بشرحها لي، وكأني تلميذك، فانا سأقول لك بالموجز وعلى طريقة مزحة، ربما لم تخطر على بالك قط، وأقول لحضرتك: ان الكلب يلد كلبا بقدرات كلبية الا انه لا يلد كلبا يستطيع ان يستخدم قدراته كاملة منذ الولادة. وهكذا العصفور والقرد. اما الانسان فهو ايضا يلد انسانا بقدرات انسانية – بشرية معينة، يمكن ان نسميها آدمية او انثروبولوجية،ولكن الانسان الآشوري لا يلد آشوريا ولا الانسان الكلداني يلد انسانا كلدانيا، ولا السرياني ولا العربي ولا الروسي ولا غيره.. ولهذا نقول مازحين: ان الانسان الآشوري لا يلد انسانا في رأسه ريشة، اليس كذلك، ام هذه مراوغة ايضا، ام ان المزحة لا تعرف معناها ايضا. وعليه فإذا كان العلماء المدافعون عن الآشوريين وعما سموه النهرينيين والجماعات التي سكنت الهلال الخصيب، لأنه كان قد اصبح اخصب من داخل الجزيرة العربية، وإذا كان هؤلاء العلماء قد اعترفوا بجواز موت الحضارة الآشورية مثلا،والحضارات الأخرى ايضا، وبالتتابع، حسب القوانين الجدلية الحضارية، وإذا كانت ابعاد الحضارة الروحية قد ماتت مع ماديتها ايضا، حسب قانون الأب تيار ده شاردن، الذي يربط بين الحضارة المادية وبين روحها، او معانيها، فهذا يعني ان الانسان الناجي من الموت سوف يلد مجرد انسان بشري، ولا يلد اناسا متحضرين بحضارة ابويه منذ ان يكون في بطن امه. يعني ان ابن الآشوري الناجي المفترض من قبلكم انه اشوري، سيولد بدون اية حضارة او فكر. وبما ان كل الحضارة والفكر قد ماتا مع الانسان الآشوري وغيره، فان اولاد الناجين لن يكون لهم اي واحد يعلمهم حقيقة الحضارة الآشورية الميتة وغيرها ويخيم الجهل على الكل. كما يكون على الكل ان يباشر من الصفر الحياة الجديدة، حيث يقيم. ولكن بما ان نقطة الصفر غير موجودة في الواقع الحقيقي، فان الاطفال ستكون لهم حضارة تكون غير حضارة آبائهم تستحق تسمية اخرى غير تسميتها الأولى، وسيرى منتحلو الآشورية والتلكيفيون والباطناويون والألقوشيون ماذا يكون مصير اولادهم الحضاري بعد ثلاثة او اربعة اجيال في المهاجر.علما بان اولاد مسيحيي المشرق وغيرهم، لن يكونوا مثل " روبنسون كروزيه" الذي كان تائها في غاب واعتنت به غزال وأرضعته. وكذلك روميلوس الذي ارضعته ذئبة. فالأطفال الذين ولدوا في امريكا مثلا او في استراليا لن يكونوا معزولين عن امهاتهم وأقاربهم هناك ويتكلمون في البيت بلغة امهاتهم. اما سائر الفكر والحضارة فسوف يتلقونها في المدارس وتبعد افكارهم وخياراتهم الحياتية عن افكار وحياة آبائهم وأمهاتهم حتما، بداية من اول جيل وخلال اجيال اخرى يحددها الزمن والصدفة، وستبقى هناك ذكريات باهتة عاطفية لمدة اطول. هذه الذكريات العاطفية التي لن يكون تأثيرها كبيرا سوى ربما على الجيل الأول. وهكذا نجد انفسنا امام ظاهرة تسمى الاندثار المادي والحضاري.
اما ال D N A فقد يمكنننا عده مشيرا الى الانسان ولكن لا يمكن عده من الأمور الأنثروبولوجية الحضارية، لأنها مشتركة مع جميع الأحياء، حتى وان كان بعض ما في ال دي ان أي خاصا بالإنسان، وبعضها خاصا بفرد انساني معين. وبذا يمكن عد ال دي ان اي من الأمور التي وان يرثها الانسان الا انها لا تؤثر في آدميته وقوانينها الفكرية والحضارية بشيء لأن ال دي ان اي والبيولوجية في كل الأحوال لا تحوي ما هو قكري وحضاري الذي يأتي بعد الولادة، ولا تسبقها. اعني انها تأتي من انسان حي ومن حضارة حية الى انسان حي والى حضارة حية او قابلة للحياة. الأمر الذي يقضي تماما على اي فكر عنصري خالد. ان ال دي ان اي يمكن ان يسبب نشوء قدرات Facultés واستعدادات انسانية فقط. وهذا ليس موضوع خلافنا. فكفوا عن فكركم العنصري النازي ايها العنصريون في اي مكان.وبذا نستطيع عد الفكر الانساني يبدأ من الفكر ثم المعرفة ثم الحضارة. وبطلوا " ايْوَكيات" بقى، ولا تغردوا امام ابواب اسيادكم، لأن الدنيا ليست يوما واحدا وهي دوارة، فاتقوا الله بأنفسكم وبمسيحييكم وبأوطانكم. انتم بالحقيقة تعملون ما هو فوق طاقتكم وحقوقكم المشبوهة.
فهل هذا الكلام اعتداء على الحضارة النهرينية الخالدة، بحسب زعمك يا استاذ؟ وهل انا اشكك بقوميتكم العنصرية الشوفينية الكاذبة التي لا تأتي الحضارة معها بالولادة. فعليكم ان تختاروا وتعطوا الأولوية اما للاتنية وإما للفكر والحضارة، ولكن الحضارة الاتنية او الاتنية الحضارية غير موجودة في اي مكان.
وإذن ماذا تقول عن اناس تركوا حضارتهم ( ربما باستثناء دينهم المسيحي الذي لا تحسبونه شيئا مهما الى جانب حضارتكم العنصرية) ماذا تقول عنهم وقد تركوا مناطقهم ولجئوا الى منطقة هكاري في جنوب تركيا خوفا من بطش جنكيزخان، وبقوا هناك قرابة 800 سنة؟ ماذا سيبقى من قوميتهم وهويتهم الحضارية هناك، اذا اخذنا بالحسبان قاعدة الاندثار الذاتي بسبب الدمار الذاتي، وأي شيء كان المهم عندهم ( ولا اقول عندك يا استاذ ) دينهم مع وفير تسهيلاته، ام قوميتهم الآشورية التي لا نجد لها في جميع ادبياتهم اثرا لها. ام هل لك دليل على غير ذلك يا استاذ؟ وإما ان تجمعوا في ملابسكم بين صلبان غزيرة وشعارات تحسبونها آشورية،مثل الريشة وغير ذلك، فتلك مسألة اخرى تدل على انفصامكم الانساني حقا.
من ناحية ثانية،ارى ايضا ان اوضح لك شيئا من معنى الأنثروبولوجيا، في حد ذاتها، وفي استخداماتي لها، طالما قلت انك لم تفهم كيف استخدم الأنثروبولوجيا لنفي وجود قوميتك المقدسة النهرينية.ولكن اولا لي سؤال اسألك اياه انا ايضا:هل ان الأنثروبولوجيا وحتى علم الاجتماع والحضارة تنجب قوميات اتنية وحتى هويات حضارية؟بحسب علمك الذي لا افهمه بعد!؟
ماذا تقول الأنثروبولوجيا: هل يمكن ان ينجب الآشوري اكثر من مواصفات آدمية، مثلا اكثر من دي ان اي، وإذا حدث هل يوجد دي ان اي صافي عند جميع الأقوام. وإذا تساوت الأمور، هل ينجب ال دي ان اي، اكثر من قدرات Facultés لحضارة، اضافة الى قدرات آدمية عامة؟ ثم سؤال آخر يقول: إذا كان دي ان أي نفسه يدل على الاتنية مثل الآشورية جدلا،فهل دي ان اي الآشوري خلق وتكون للآشوريين فقط ام لكل سكان الجزيرة العربية، وإذن للعرب ايضا. فتبا لكم على مغالطاتكم! كيف ستميزون أشوريتكم من عروبتكم؟ ثم اليس اسلم للفكر القول بأن ال دي ان اي لا يُثبت شيئا له قيمة في المسألة القومية الاتنية التي اخترعها النازيون،كما هو معروف؟ ثم هل يعقل ان تقارنوا انفسكم يا نهرينيين بالنازيين؟انتم الذين لا تملكون صفة قوية ومحترمة واحدة، كان يملكها النازيون. ولو كانت تجمعكم حقا اتنية واحدة لما كنتم تنقسمون بشكل مخزي على نفسكم وتناحرتم، انتم الذين يقول تاريخكم انكم كنتم في انشقاق دائم، اصله قبلي عشائري على ما اظن. وليس انقساما حضاريا جدليا.وعليه اقول لكم: اياكم ان تشغلوا العالم بسفسطاتكم ومراوغتكم والإصرار على مزجكم اكثر من بعد من ابعاد الانسان، وتتناسون حقيقة ان لكل بعد في الانسان وظيفته الخاصة وخدمته المتميزة التي تعمل على انسنة الانسان. فما عملتموه حتى الآن ليس علما، بل هو احيانا استغلالا للعلم من اجل التضليل والدجل السياسي.بعد ان حسبتم ان الفكر المبني على الاتنية Ethnique هو آخر تضليل تلجئون اليه.
اما اذا تفضلتم وتنازلتم عن نازيتكم العنصرية، فمع ذلك، هذا التنازل لن يعطيكم الحق فى الادعاء بان هويتكم هي النهرينية او الهوية الآشورية، او هوية الهلال الخصيب، لأنكم تعرفون انكم ستكونون خاسرين ايضا، لأنه لا توجد هوية يستطيع شعب ميت ومندثر ان يورثها لجماعته، بكون الهوية تتجدد مع الزمن.اما وجود اللغة السريانية التي صارت لغة بائدة هي الأخرى، وتعددت لهجاتها وأصبحت لهجات فقيرة، حتى نكاد نستطيع ان نسميها لغات، فسمانا الموصليون المسيحيون انفسهم " اهل برا " وسمى لهجاتنا فليحي اي لهجات فلاحين ).ولذلك نحن لا نقبل لا بل نرفض قول من يقول: ان الروح يبقى طياري في الهواء ينتظر قيامة الآشوريين الأخيرة ! لآن القيامة والبعث هي قيامة معنوية حضارية يقوم بها الأحياء ولا يقوم بها المندثرون، لكون المادة حسب قول العلامة الأب تيار ده شاردن في الثلاثينات من القرن الماضي. وإذن نستطيع ان نقول ان البعث والقيامة يعودان الى آخر حضارة حية سيطرت على العالم الجزري، بشقيه الغربي الداخلي والشرقي، وهي الحضارة الجزرية، اي العربية.
فالحضارة العربية، وخاصة بعد ان انفصلت العروبة عن الاسلام كدين وكشريعة ثيوقراطية هي اليوم سيدة المنطقة وليس الآشورية التي نقول عنها:عيش يا جحش لمن يجيك الربيع.( يأتيك الربيع ). كما ان الاسم الغالب على المنطقة هو الاسم العربي، وليس اي اسم آخر.بأية صفة كانت. وهكذا القول عن جميع الحضارات المندثرة الأخرى. وهنا اقول كما نقول نحن وكما يقول اخوتي المسلمون بأن لا شيء يدوم سوى وجه الله الكريم )، ام ان الآشوريين كانت له حصة في وجه الله الكريم الى حد هذا اليوم.
ومع ذلك، ومن وجهة نظر انثروبولوجية صرف، ارى ان نقول، حتى اوجه الرمز الأنثروبولوجي والحضاري المقدس لن تدوم الى الأبد، لآن هذا الوجه مرتبط جدليا بالحضارة الفاشلة وفاسحا المجال لوجه جدلي جديد يزيح الوجه المقدس القديم ويأخذ مكانه من اجل قيادة حضارة جديدة، كما حصل لوجه حضارة الوثنيين المتعدد، ووجه رمز حضارة العهد القديم، وكما سيحصل حتما، وبشكل متدرج لوجه يسوع والهه المقدس في العهد الجديد. فهل هذا الكلام الذي يمكن ان تجده عندي من زمان، يختلف كثيرا عما تقوله انت يا استاذ في مسألة قيام وسقوط حضارات؟ فلماذا لك حلال وللآخرين حرام. ثم اختصر تمييزي بكلمات اخرى قليلة معرفا الأنثروبولوجيا والبعد الحضاري والبعد الاجتماعي الذي يفرق قليلا عن البعد الحضاري. فقد عرفنا الانثروبولوجيا من مثل الكلب والقرد والإنسان. والآن نعرف ايضا ان الأنثروبولوجيا هي مثل الملح الذي يدخل في اغلب الأطعمة، ومثل السمكة التي لا يمكن ان تعيش خارج عالمها المائي. ثم نعرف ان الانسان لا يستطيع ان يعمل ويعرف شيئا ويتعامل مع وجود ليس من عالمه الانساني. اما التطبيقات فقد تمتد الى اكثر من هذا الكلام، كقولنا المستند الى الأنثروبولوجيا ايضا، بمعناها الواسع، ان الانسان لا يستطيع ان يعرف شيئا عن طبيعة الهه، بأية واسطة كانت ومن خلال اي وحي او الهام مزعوم،او من خلال اي ادعاء كنسي باسم الايمان الذي يمكن ان يأسطر اي وجود موضوعي لا يقع تحت سيطرة الايمان الذي يتصف بالوجدانية والذاتية وببعد قوى المشاعر الانسانية. فنعم انا شخص مؤمن، ولكني فقط لا اؤمن بأساطير اخترعها شيوخ وعقليات العهد القديم والجديد على حد سواء. هذا مع العلم ان كتبنا المقدسة تتبع اسلوبا خاصا بالكتابة هو اسلوب القصص الدينية الرمزية التي يجب ان تقرأ قراءة رمزية تفتش على المعنى من خلال مبنى القصة. ولا تقدم لنا اي تاريخ.
اما الكلام اعلاه فيعني اني اؤمن بكل مشاعر تطرق نفسي وجسدي، ويعطيها الايمان مصداقيتها! فهل انا اراوغ يا استاذ؟ ام انت على خطئ لأن علمك وشهاداتك علم ببغاوي لا يجيز لك الولوج الشخصي الى عمق بعض الحقائق الانسانية، خوفا من ان تخسر الرهان؟ ولذلك اقول لحضرتك عساك ان لا تغلط مرة ثانية وتنقص من معلومات الآخرين الشخصية بقولك هذا رأيك فقط. وكأنما العلم الشخصي مثلبة، وليس قوة، في حين كان يجب، لو لم تكن مماحكا ومؤدلجا ان تعرف ان جميع او اكثر العلوم تبدأ بالواحد. وحتى المسيحية بدأت بواحد. هذا، في حين لا يوجد ما يسمى رأي شخصي في المسائل العلمية المقامة على البرهان. فالرأي الشخصي والنظرية لا تحصلان الا عند عدم وجود البرهان.
كان هذا الكلام بشأن البعد Dimensionالأنثروبولوجي. اما البعد الحضاري فطبعا هو ايضا يتواجد في البنى ( البنيان – المنظومة ) الواحدة جسدا وروحا، حسب الأب تيار. لكن الحضارة البشرية تصبح كمسافر في قطار لا يتوقف ابدا، لكنه في كل مرحلة ينشل ركابه او ينزلهم دون ان يتوقف حتى نهاية العالم ان وجدت. فنعم هو الانسان الذي يفكر ويبني ويتعلم ويحفظ على قدر المستطاع ما قد انتجه من امور مادية وفكرية. غير اننا على العموم نستطيع ان نجزم بأن صفة التغيير والتجديد تكون هي الصفة الغالبة في حياة الانسان الذي يشترك مع بني آدم الآخرين في جميع الظواهر الانسانية المشتركة التي تكون حياته البشرية. اما الايمان فموجود في حياة البشر للتعامل مع الأبعاد الوجدانية الذاتية وإعطائها المصداقية، وليس غير ذلك. ولذلك فان مسألة الايمان لا تفيد، لا منتحلي القوميات البائدة ولا المجددين، باستثناء الايمان بصفة التغيير الأنثروبولوجية عند الانسان. وهنا فقط اود ان اقول للسيد رابي ان القس لوسيان لا يلغي وجود الآشوريين ولا الكلدان ولا غيرهم، وهو لا يمكن ان يقول بأنه لم يكن هناك فكر موجود للنهرينيين ولا للآشوريين ولا لغيرهم من ابناء الهلال الخصيب، لكنني اقول وبدون اية عاطفة ان هذا الفكر قد شمله التدمير الجدلي الزمني والحضاري، في حين ان الـــ دي ان اي لم يعُد يفيد اي فكر من الأفكار. كما ارى ان هناك اجحاف عنصري بتمييز الآشوريين عن سائر الشعوب النازحة من الجزيرة العربية. ومنها الشعب العربي. وأنا اصر ايضا على ان منتحلي قوميات لم تعد موجودة هو مخالف للحقيقة التاريخية. فانا لا اؤمن فقط بقيامة الآشوريين وغيرهم ولكن اقول لمن يصر على ذلك انك تكذب وتسرق ما ليس من حقك، وخاصة سرقة نبش القبور هي جريمة بحق الأموات.
كما ان انتحال قوميات ونسبها الى جماعة معينة كذبا، استنادا الى عتاة العالم، هي جريمة ضد العدالة وضد حقوق الشعب الذي يملك هذا التراث.( هنا هو العراق خاصة ). اما هذه المسؤولية فلا تقع على الشعب البسيط، بل تقع على منظري الكذب والدعاة اليه بشكل خاص. اما احدى هذه الأكاذيب فهي تبرير كذبة الانتحال بما سميتها انت استمرارية الاسم،هذه الاستمرارية التي هي نفسها استمرارية كاذبة وملفقة. فهذه الكذبة تعتمد على ما يسمى المفارقة الزمنية Anachronisme والتي تعني الكلام عن زمن وحضارة قديمة،وكأنها وقعت في زمننا. فالاستمرارية مثلا قد حصلت بمؤامرة معروفة مدعومة لا بل مفكرة من قبل الانكليز وغيرهم، وأخذت شكلها النهائي بعد قرار امريكا الحرب الوحشية على العراق. يعني لم يتعدى زمنها قرنا واحدا، بعد الحرب العالمية الأولى. كما قال السيد اياد سعدون في رده على السيد عبد الله رابي.
اما السيد عبد الله رابي ورهط الدجالين فيتكلمون عن هذه الاستمرارية وكأنها حصلت منذ زمن الآشوريين الى الان. علما ان منتحلي قوميات غيرهم يمارسون هذه الرذيلة الفكرية عند كلامهم عن العرب والمسلمين وعند كلامهم عن العروبة، فيعممون ما يحدث ربما اليوم هنا وهناك الى العرب القدماء ودينهم وقوميتهم، بشكل لا اخلاقي ممجوج،وهم لا يعرفون انهم يسبون قوميتهم ايضا، مهما كانت هذه القومية. كقول الاستاذ ... ولا يصلح القول، يعني قول القس لوسيان، الا ان نسميه" الفكر السائد " في العراق اليوم والمنطقة منذ انتشار العرب خارج الجزيرة العربية، على اثر" الغزو العربي الاسلامي، مع تأكيده على ان الحضارات المذكورة هي اجزاء من الحضارة العربية لأنها قدمت من الجزيرة العربية ويسميها "الجزرية " وهي الفكرة التي يتبناها القوميون العرب وهي الفكرة الخاصة بالباحثين المتأثرين بتلك السياسيات.ولكن اسألك ان كنت مستعدا للسماع وأقول: ما لهم الباحثون المتأثرون بالسياسات الشوفينية التي اتهمتهم بها بتهم كاذبة وباطلة، وعلقت على جباههم تقييمك الحاقد على العرب والمسلمين. ترى اليسوا باحثين من اجل تحرير بلدهم من اكاذيب استعمارية مدبرة؟ وترى الست انت وأمثالك مجرد امتداد لذلك الفكر الاستعماري ومقاتل معه؟ ويا ترى هل انت اعلم منهم واخلص للعراق وللوطن؟ ويا ترى هل ان الاساتذة الذين تكلمت عنهم وكلهم من بلدان العدوان هم افضل من اهل الوطن وأكثر محبة له. اما انت فيبدو انك، وباسم علم كاذب ذيلي، تريد ان تتعاون مع اعداء اوطاننا العربية.
ترى الم يقم اولئك الاساتذة من وسط سبات الأمة العربية ضحية المستعمرين وضحية مستعمر داخلي كان الأمة العثمانية التي اسلمت كلل حياة العرب؟ فهل هذا يسمى تحضرا وحضارة ام يسمى شوفينية كما قلت.هل انا شوفيني مثلا لأنني سبق لي ان نطقت بالحق مع وطني من اجل الحق والوطن ولكي ابطل ذرائع شوفينيتك وشوفينية اصحابك الذين يدافعون من خلال جهلهم وليس من خلال عمقهم العلمي، عن قوميتهم الاتنية، جاهلين انهم يدافعون عن فكرة شوفينية وهمية. واسأل ايضا، من يكون على حق الأحياء ام الأموات. اما انني فشلت في اقناع الآشوريين وإقناعك انكم على باطل، فهذا لا انكره، مع جماعة يحسبون الوهم بشكل عاطفي حقيقة. وهنا فقط اريد ان اذكر لك مثلا معروفا، وهو مثل المجنون الذي كان يحسب نفسه دودة، فكان يخاف دائما من اي ديك يراه في طريقه ويهرب منه خوفا من ان يأكله الديك.
في احد الأيام قرر اهل المريض ان يدخلوا ابنهم الى مستشفى الأمراض النفسية والعقلية. وهناك في المستشفى تمت معالجته بنجاح. وعليه قرر الأطباء ان يخرجوا ذلك المريض النفسي من المستشفى. فجاء طبيب المريض المعالج وابلغه بأنه قد شفي ولم يعد له سبب لبقائه هناك. ثم قال له الطبيب: ماذا ترى هل تحسب نفسك انك دودة؟ اجابه المريض: كلا يا دكتور انا لست دودة انا انسان. ثم ودعه الطبيب الى الباب ودخل الى عمله. وبعد ان سار الذي كان مريضا مسافة معينة وقع نظره هناك على مزبلة كانت بالقرب من الشارع، وكان فوقها ديك ينبش مفتشا عن طعامه من بعض بذور الحنطة او الشعير. ففزع صاحبنا وللحال عاد صاحبنا الى المستشفي وصاح دكتور! دكتور! الحقني الديك هناك في الخارج. فقال له الطبيب الم تقل لي انت انك لست دودة وانما انت انسان.فلماذا تخاف الآن ؟ فقال له المريض، انا اعرف يا دكتور اني لست دودة ، ولكن هل هو يعرف ؟ قاصدا اليك.
فهل عرفت الآن يا استاذ لما لا يستطيع القس لوسيان ان يجبر منتحلي القومية الآشورية،وجميع المرضى اصحاب المصلحة والمخدرين بأفيون التعجيز والطائفية والاضطهاد الديني والمذهبي، والمتذكرين لإرهاب الدولة الاسلامية العثمانية، والجهلة والخائفين من ظلهم، وأصحاب المصالح الكبرى وغير ذلك الكثير، هل عرفت لماذا لا يستطيع القس لوسيان ان يعمل شيئا لشفاء هؤلاء. او لشفاء متعصب ومنغلق وجاهل من مرض السلفية الدينية؟ فماذا يستطيع القس لوسيان ان يعمل لشفاء ابناء وبنات آشور او اولاد بنات وأولاد الكلدان، اذا كانت الدعاية مركزة على هذه الأمور، فضلا عن هبات كانت تعطى لجماعات مسيحية دون غيرها. فالقس لوسيان وغيره الكثير امام حالة مرضية لا تشفيها سوى التجارب المرة القاسية التي تسببها هذه الجماعات لجماعتها ولغير جماعتها. ولكن مع الأصحاء انا لحد هذا اليوم لم يقل لي احد بأني قد فشلت ببراهيني سواك يا استاذ. فهل يا ترى انك لك العلم السماوي الذي لا يستطيع احد مجابهته؟
وإذن قل يا استاذ، بوجدانك اذا كان لك وجدان: ترى من فشل في نهاية الأمر امام الرأي العام المظلوم، انا ام انتم الذين سمحتم بتقييم سلبي لهم. فتقييمكم للعروبة ليس سلبيا فقط لكنه غير عادل ايضا، ويستحق الرثاء والشجب ايضا. كما انه يدل على نفس مريضة حقا بمرض الكراهية او فوبيا العروبة والاسلام. ثم الا تقل لي يا استاذ من فضلك: من خولك ان تحكم علي بالفشل؟ ثم لا اعرف هل يسمح اي عالم لنفسه ان يحكم على نتيجة مثل نتيجة شفاء مجتمع من عقده النفسية خلال ساعة او شهر او حتى خلال عشرات السنوات؟ فمن خولك اذن يا استاذ ان تحكم على بالفشل؟ وانت تعرف ان يسوع نفسه احتاج الى قرون حتى يثبت لجماعات كثيرة انه كان على حق! ثم من سبق وقال لك يا استاذ ان كلامي غير مثبت وانه مجرد فرضيات، بالشكل المجاني الذي فعلت؟ وها انك لا تنتقدني انا فقط ولكن تنتقد كل منجية لا تلاؤم شوفينيتك الاتنية العنصرية. في حين انك لا تستحي وتتهم الاخرين بـــ "الشوفينية". هذا ويبان بأن انكور Encore عندك تعني دجاج، وأنكور عند الآخرين تعني شوربة عدس!!! فإذا كان علمك يقول ان الفشل والنجاح يقاس بالأشهر وبالسنين فلماذا تصرون انتم على انكم من نسل الآشوريين ومن حضارتهم وقد سقطت آشور في آخر تجربتها في البقاء عدة مئات من السنين قبل الميلاد، وجماعتنا تتكلم عنهم وكأنهم اندثروا البارحة، على اساس ان العرق لا يموت. ولكن نحن والعالم كله يقول ان المسألة الآشورية والكلدانية وغيرها،ليست متعلقة بالعرق، بل هي متعلقة بالهوية الحضارية والفكرية.
ثم يا استاذ، كيف تدعي انك محايد، وانت لا تستحي من سب الأخريين وسب علمائهم وسب قوميتهم وعروبتهم الحضارية وسب علماء من خلال تهم اعتباطية سخيفة. لا بل حتى انك لم تتورع من وصف العرب من الانتشار في شرق الجزيرة العربية " بالغزو العربي الاسلامي " ( بهذه الوقاحة )!. ولذلك نسألك ايها العالم الذي يدعي انه يعرف كل شيء ترى بماذا تسمي الغزو الفارسي الغريب عن المنطقة في كل شيء قبل مجيء الاسلام.هل هنا ايضا كان تحريرا. وهل جاء الفرس الى المنطقة بدون دين وبدون قومية؟ وماذا تسمي التسرب الآشوري ومن بعده التسرب البابلي وغيرهم الى الهلال الخصيب، فهل جاء هؤلاء يحملون الورود الى المنطقة وهل جاءوا من دون اله ومن دين دين؟ ام ان آشورييكم نزلوا من المريخ ام من السماء السابعة مرسلين لكم هدية من الباري تعالي؟ ام انهم نبتوا في العراق من تطور جيني خاص كما تنبت بعض النباتات ومن بينها نبات الفطر، اذا استطعنا ان نسميه نباتا؟
ترى هل تجهل وانت عالم انثروبولوجيا وحضارة ان العرب جاءوا وفق قفزة جدلية حضارية كان اوانها قد حضر وكان زمن قطافها قد اينع؟ فلماذا تسمي مجيء العرب غزوا وتسمي مجيء العهد القديم بالثورة الحضارية الجدلية.وان كانت هذه الثورة الحقيقية قد اخذت قالبا دينيا خاصة. فلماذا هذه الانتقائية السيئة الشنيعة؟
ففي الحقيقة يا استاذ انت تنقل احقادك الدفينة الطائفية والتي غالبا ما لا تعزوها الى مصدرها الحقيقي، لغرض في نفسك، وتنسبها الى العرب على اساس شعورك بضعف العرب، وليس لسبب آخر. فهل نقلك احقادك الى غير مسببها يسمى علما ام يسمى مفارقة زمنية Anachronisme وهل تقييمك العرب على هذا الأساس التضليلي واتهام العرب ودينهم بما ليس فيهم علما ام حاجة نفسية الى الانتقام؟ وهل تصورك العرب كبدو وعشائر اصبحت منفلتة وبدون قوانين حقيقية الا قانون حارة كل من ايدو الو، كما نجدها اليوم وتعميم تقييمك الباطل هذا على كل العرب ومن الأصل، يعد علما ام اساطير لا تفيد احدا، ربما باستثناء مروج مثل هذه الأفكار؟
فأنت يا استاذ لو كنت نظيفا كنت اعترفت بأن العرب من اول مجيئهم اعترفوا بالطائفة المسيحية وأعطوا لها حقها الطائفي. فمثلا يا استاذ ترى هل عرفت ان الدين الاسلامي، كان اصفى وارحم وأكثر انسنة من دين بني فارس واديان الآشوريين؟ وهل عرفت ان الاسلام كان يرى بأن النصارى كانوا اكثر مودة من كل الأديان الأخرى في نوع القربى التي كانت تربطهم بالتيار الذي يؤمن بعيسى المسيح.
ولتجدن اقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك بان منهم قسيسين ورهبانا وإنهم لا يستكبرون. من صورة المائدة 82
وهل عرفت ان العلماء اليوم يرون ان الاسلام وعن طريق النصرانية، التي ربما كان النبي محمد ينتمي اليها هو وعشيرته، هو دين ينتمي الى العهد القديم والى يسوع عيسى، بشكل اقل، كما كانت تفعل النصرانية، بخلاف المسيحية ذات التراث الفلسطيني اليوناني؟ فعلى ماذا تتحسرون يا استاذ ولماذا هذا النفاق.فهل يا ترى، ايها العالم المتحيز سياسيا، جعلتك احقادك تنسى هذه الحقيقة انت العالم، ولا تبصرها؟
اما تعييركم العرب بأنهم شعب بلا حضارة، فعلاوة على كونه تعييرا باطلا من اساسه، الا اذا نظرنا الى العرب وكأنهم بدو وريفيين لا يفهمون شيئا. ثم الم تسأل يوما من هو المسبب الأساسي لحرمان العرب من الوصول الى الحضارة العصرية: هل هو طبيعة العرب نفسها، ام هو عنصر عدواني تعرفه جيدا هو الذي صنع ذلك؟ وكما يقول مثل الانجيل بشأن الشخص الذي كان قد زرع زرعا جيدا ثم اتى عدو وخلط الزؤان مع الحنطة ليلا. فلما سؤل صاحب الأرض كيف وصل الزؤان الى ارضك: اجاب: ان عدوا صنع هذا. افما تفهم من هذا المثل مغزاه الحقيقي؟ ثم اليس من حقي الآن، وأنا شخصيا كنت قد تعرفت بما يكفي على حسن طبيعتك، الا يحق لي ان اقول: ان عدوا قد فعل بالأستاذ عبد الله ما حدث له. واسأل: ترى هل انتم الآن، ولاسيما الآشوريون كما تسمونهم، هل انتم افضل من العرب في مسألة الحضارة وحتى في مسألة العشائرية؟
فلماذا يا سادة هذا الكلام البذيء بحق العرب والمسلمين. وهل اسلمة الفرس كانت قد جاءت بعمل عربي اسلامي عدائي، ام جاءت بفعل جدلي تحريري؟ ماذا يقول لك علمك الحضاري؟ افلا تكفيكم المراوغة والكلام العدواني الذي لا يجلب سوى الأذى للمسيحيين؟ وأخيرا تقول كذبا انني اخفقت في معظم تحليلاتي، كما تبين من حواري مع القس نوئيل. يا سيد عبد الله، ما كنت اود هنا ايضا ان اكذبك، ولكن قل لي بحق السماء عن اي حوار تتكلم وقد جرى بيني وبين القس نوئيل، حتى تقول" كما تبين من حواري مع القس نوئيل؟ يعني ختمت كل القصة بكذبة مفتوحة، ولم يجر لي في الواقع اي حوار مع الأب نوئيل، وانما انا هو الذي استند الى تصريح للقس نوئيل في حوار ودي له مع اصدقائه، كان قد جاء ذكري في ذلك اللقاء.وهذا ما سبق لي ان ذكرته. كلمة واحدة اتذكرها قالها لي الأب نوئيل في رسالة جوابية، انه لا يتذكر هذا الحوار لكنه اعترف ان هذه هي فعلا افكاره.علما اني املك نسخة من ذلك الحوار مع الاشخاص الأصدقاء الثلاثة،مخزونا على الحاسوب.
اما بخصوص اتهامك الفج لي بالفشل، وكأنك لا تعرف شيئا عن سبل انتقال الفكر البشري من الرواد الى عموم الشعب، فاسرد لك القصة التالية: ففي احد الايام كنت في زيارة مسائية لعائلة مقربة لي جدا. ففيما كنت اشرح للعائلة محاسن التوبة الجماعية التي كنت قد ادخلتها الى كنيستي وانتشرت في كنائس عديدة، صاحت ام البيت، او بالأحرى الجدة من بين الجميع وقالت: يا ابونا لا تتعب نفسك، فانا لا اصدق ما تقول حتى يقول لي سيدنا البابا ذلك! فأتذكر اني حينذاك ابتسمت وقلت في نفسي: ولكن من اين لي ان اتي بفرمان من سيدنا البابا والقيه على مسامعك. ولكن في سري ايضا كنت قد قلت: حتى لو جاء سيدنا البابا وأيد ما عملته، فأنت لن تصدقيه! غير ان عزائي هو ان اولاد تلك المرأة صدقوا ما قلته لهم وادخلوه الى حياتهم كأمر ثابت. فالعالم في تغيير مستمر اليس كذلك؟ والإنسان في تغيير مستمر ايضا، افلا تشكل هذه الظاهرة الكونية والأرضية والإنسانية ظاهرة انثروبولوجية تستحق الاهتمام، دون ان تكون الاتنية جزئا منها؟
اما الآن فأريد إن اعلق ايضا وارد على د. الذي لم يقل لي أي نوع من الدكتوراه يحمل، هذا اذا كان يستحي من ذكر اسمه. فقد كتب السيد علاء اذن كلمة مختصرة ربما كانت منقولة من الاستاذ عبد الله نفسه بقوله:لا اعرف من اين جاء الكاتب بفكرة ان المسيحيين عرب! على الاقل هم يتكلمون لغة مختلفة عن العربية. يجب ان يقدم الكاتب دلائل وبراهين علمية او على الاقل تاريخية وإلا فان ما تقدم لا يتعدى كونه انشاء او مقالا لا يقدم او يؤخر. فائق احترامي . علاء
اما جوابي على هذا المتطفل على امور لا يعرف عنها شيئا فيبدأ بمزحة منقولة. ففي احد الأيام كان بعض الأصدقاء، ربما كانوا جميعهم من مغتربي اهالي تلكيف،كانوا في نزهة بسيارة احدهم الخاصة. وفي الطريق بعد إن كان قد ساد في تلك السيارة برهة من الصمت صاح احد الأصدقاء بقوله: يا جماعة هل تعرفون شيئا عن القسس؟ قالوا له ماذا؟ فقال لهم: إن القسان ( القسس ) اسود يسوع. فضحك الجميع من تلك النكتة. ولكن احدهم قال له: يا فلان اين وجدت هذا الكلام؟ فقال لقد وجدته في الانجيل. ثم بعد برهة من الصمت صاح الصديق المعارض وقال: يا جماعة هل تعرفون شيئا عن الراهبات ؟ فقالوا. ماذا؟ قال لهم ان الراهبات غزلان يسوع المسيح. فقال المازح الأول للثاني:من اين اتيت بهذا الكلام (ما هو دليلك )، فقال المازح الثاني:اني وجدته في الانجيل،ولكن ليس في الصفحة التي وجدت انت ان القسس اسود يسوع، بل في الصفحة التي تليها.فضحكت الجماعة كثيرا على المازح الثاني الذي افحم المازح الأول.
اما قريبا من المزحة اعلاه، حيث سألني بقوله: لا نعرف من اين اتيت بفكرة ان المسيحيين كلهم عرب، واقل هم يتكلمون لغة تختلف عن لغة العرب، اجيب السائل بأني وجدت هذه الفكرة التي لم تعجبك ليس في الصفحة الذي وجدت انت وربعك ان المسيحيين آشوريين،ولكن في الصفحة التي اعقبتها!!! هل اقتنعت الآن يا سيد علاء ؟ ! ثم على قولك البايخ ( بلا ملح ) حيث كنت قد اكملت بقولك:علىى الأقل هم يتكلمون لغة اخرى غير لغة العرب اقول لك: هل متأكد انت ان المسيحيين يتكلون لغة اخرى غير لغة العرب؟ فقولك هذا يدل يا استاذ على جهلك المطبق بحقيقة اللغات وتطورها المستمر. فهل مثلا تعرف ان اللغة السريانية نفسها تختلف على اصلها اللغة الآرامية، كاختلاف اللغة اللاتينية عن اللغة الايطالية مثلا؟ وهل تعرف مثلا ان لغة القرن الثالث عشر او حتى السابع عشر الفرنسية تختلف عن اللغة الفرنسية اليوم؟وهل تعرف ان اللغة العربية نفسها تختلف عن عربية القرآن الكريم، وتختلف لهجاتها العربية في الجنوب عنها في الشمال؟ وهل تعرف خاصة ان اللغة العربية هي اقرب الى اللغة الآرامية من اللغة السريانية الفصحى؟وهل تعرف ان عشرات اللهجات السريانية والتي قسم منها صار لغات حقيقية اذا اعتنى بها اهلها، هي لغات سريانية او لهجات متحولة الى لغات، كما هي مثلا لغات القبائل الجبلية التي تدعي انها آشورية، مع ان اللغة الآشورية ليست تماما كاللغة السريانية ولا الارامية، وان كانت من جذور واحدة وأرومة واحدة ومنبت عربي واحد ( الجزري ).
وهنا اشير خاصة الى الفوارق الموجودة في عربية مصر وعربية شمال العراق مثلا او عربية جنوبه. او عربية شمال افريقيا، ثم الفرق بين عربية صعيد مصر وعربية القاهرة وبعض المدن المتقدة بالحضارة؟ الم تصبح عربية مصر الدارجة مثلا اطيب للاستماع في المسلسلات مثلا؟ وأخيرا وليس آخرا نرى هل تعرف انت الذي تضع حرف الدال بعد اسمك بأن 90% منن القاموس العربي هو مماثل للقاموس السرياني،ن مع فارق اللفظ احيانا؟ ثم الا تعرف ان اللغة السريانية الفصحى لم يعد يعرفها غير القسس، وليس من اجل كامل اغراض اللغة، لأني اعتقد ان اغلب القسس لا يستطيعون انن يتكلموا بالسريانية الفصحى ولا ان يكتبوا بها مقالا متنوع الأغراض. اما اهل المدن الكبرى فقد تحول اغلبهم الى العربية في ظاهرة طبيعية وليس بحسب ظاهرة شاذة. اما اللغات الدارجة فلم يعد احد يعرف لها اسما. فالمسلون في بغداد وجنوب العراق يسمونها : المسيح. وفي الموصل يسمونها فليحي ( فلاحي ). وهي عندهم لغة اهل برا ( اي الريف ). اما ما تسمى لغة الأم: فللم تعد بالمطلق مثلما كانوا يسمونها جزافا، بل هي بالحقيقة تعود الى اللغة التي تنطق بها الأم. في مدينة معينة او في قرية معينة.
اما من جانبي، وفي الحقيقة، لم آت بهذه المزحة لكي نضحك، وانما لكي اجيب على سؤال السائل الذي قال:لا نعرف من اين اتيت بفكرة ان المسيحيين عرب، وأقول له ولأمثاله: لقد وجدت هذه الفكرة في عين المصادر التي وجدت انت وأمثالك ان المسيحيين آشوريين او كلدان! وكفى استحوا من انفسكم بقى! اذا كانت لكم ذرة من الحياء في جبينكم! بعد
ان طق الحياء في جبين كل المزورين وحتى في جبين علمائه، ومرجعياته الدينية مع الأسف! امثال المطران سرهد جمو الجزيل الاحترام. فإذا كانت لغة العرب تختلف عن لغة السريان فماذا تقول عن الفوارق اللغوية السريانية الخاصة بالقوش مثلا او الخاصة باهل برطلة او قرقوش بغديدا وبين اية لغة او لهجة من اللغات التي يسمونها الآشورية. وهل تعرف يا سيد علاء وانت تطلب براهين ولا تأتي ببرهان واحد على صدق تساؤلك لأنك يبدو فعلا انك لا تعرف حقيقة سؤالك المتطفل. ولكن، وعلى الرغم من ضحالة كل الاسئلة التي سطرها د. عبد الله ورد د.علاء، فاني سأحاول ان اجيب على اسئلتكم بسرور ايها الاخوة، لكي تحترزوا على تصريحاتكم عندما تكتبوا لي. وتتجنبوا اسلوب التضليل. فقد قلت فعلا للأب نوئيل بأني لست عروبيا، ولكني عربي كأي عربي آخر، وربما فقط اكون اكثر تطورا من البدو وأهل العشائر الذين نعرفهم. فيما يخص عقليتي الثقافية العامة. فانا ارى نفسي عربيا من عدة جوانب:
1 – لأني لست من اتنية غريبة عن اتنية العرب الآخرين: اي الجزيرة العربية، سواء كان اجدادي القدماء قد بقوا في الجزيرة العربية لمدة طويلة قبل ان ان يرحلوا الى الشرق وقبل ان يصبحوا مسيحيين او كانوا من النازحين الأوائل.
2- انا من مواليد اهل تلكيف، من جهة ابي وأمي رحمهما الله، ومن جهة عدة اجيال من اجدادي. كما عرفت ايضا ان قسما من اجدادي كان يعيش في الساحل الأيسر من الموصل، وما نسميه الآن النبي يونس. وذلك من من حيث الأجداد والجدات ايضا. وقد يكون بعضهم الآخر قد هاجر الى تلكيف في ازمنة مختلفة اجهلها، فقدموا الى تلكيف لأنهم كانوا قد وجدوا فيها الأمان. وبما ان تلكيف في الأزمنة التي نتكلم عنها كانت تقع ضمن مدينة الموصل التي كانت مركز ولاية عثمانية – عربية ( من الدولة العربية الدينية الاسلامية ) فانا بطبيعة الحال ابقى عربيا ضمن هذه الولاية التي لم تتغير ظروفها كثيرا بعد سقوط الأمة العثمانية،لأنها بقيت منطقة عربية ناطقة بالسريانية. كانت سابقا، ولكن تحت ادارة مدنية عربية، حيث ان جميع الدول الصغيرة التي نشأت على اثر سقوط الدولة العثمانية، بقيت تحمل صفات الأمة العربية وصفات العروبة بأكملها. ولكن على غير ما كانت موجودة عند العثمانيين الأتراك.
3 – بعد استقلال العراق بدأ اولاد وبنات العراق، ومنهم اطفال وأولاد وبنات الموصل وضواحيها، ومنها ناحية تلكيف، ثم قضاء تلكيف، بدئوا يذهبون الى المدارس الحكومية التي كان التدريس فيها بالطبع بالغة العربية الفصحى، مع تعلمهم العربية الدارجة التي كانت شائعة في مناطقنا.وبما اننا في تلك المدارس التي كانوا يعلموننا مبادئ الدين المسيحي وقليلا من اللغة السريانية الفصحى، فلم نتعلم من هذه اللغة سوى ما كان ينفعنا في الانتماء الى المصلين الذين كانوا يصلون آنذاك باللغة السريانية فقط. وبهذا المعنى صارت العربية لغتنا الثقافية الفصحى حيث لم نجد في حياتنا ما ينافسها كلغة ثقافية، اما السريانية الدارجة فكانت لغة البيت والشارع فقط. اما فيما يخصني، وبعد انن دخلت معهد مار يوحنا الحبيب فقد بقيت اللغة العربية الفصحى لغتي المعلنة، وكنت ادرس اصول هذه اللغة وقواعدها مع مدرسين اكفاء ومنهم الأب المرحوم الخوري انطون زبوني. وبما اننا في المعهد ( 11 عشرة سنة ) كنا بإدارة وتعليم الآباء الفرنسيين، فقد كان يتحتم علينا ان نتعلم فضلا عن اللغة العربية واللغة السريانية الفصحى، واللغة اللاتينية، كان لزاما علينا ان نتعلم خاصة اللغة الفرنسية، لأن مدرسينا كانوا فرنسيين في جميع المواد تقريبا. فتعلمنا اللغة الفرنسية قراءة وكتابة وتحدثا بلغة فرنسية سليمة. ولا زالت هذه اللغة معنا الى حد هذا اليوم تفيدنا خاصة في الاطلاع على العلوم اللاهوتية بكل فروعها وعلم الكتاب المقدس بعهديه القديم والحديث. اما بعد الرسامة القسسية فقد مارسنا واجباتنا القسسية بلغتين السريانية الدارجة والعربية في مناسبات كثيرة مثل المحاضرات العامة هنا وهناك ومثل التدريس الفلسفي وغيره باللغة العربية ايضا، كما حدث معي خلال خمس وعشرين سنة. غير ان دراساتي لم تغير من عروبتي.
بعد هذا بقيت لي اشارة اقدمها للسيد علاء حول تمييزه غير الدقيق بشأن الفارق الكامل الذي يدعيه بين السريانية والسريانية الدارجة من جهة وبين اللغة العربية. وهنا اقول لهذا السيد المحترم يبدو انك تجهل ان القاموس العربي مطابق في مفرداته مع القاموس السرياني بنسبة 90% وأضيف من عندي كلمة اكثر من ذلك اذا اخذنا بالحسبان جذر الكلمات الثنائي المشترك بين جميع اللغات السامية الجزرية العربية. العربية والسريانية والآرامية والعبرية التي لي فكرة بسيطة جدا عنها.

من هم مسيحيو المشرق
وما هو اصلهم واصل هويتهم

وإذن، من كل ما سبق، اتوقع ان نفهم قليلا الحقيقة التالية التي لا زالت ماثلة امامنا الى حد هذا اليوم. بناسها وتراثها وطقوسها. وهي حية ترزق، على الرغم من حالة النزاع الذي تشير الى الموت، الذي لا اتمناه لأحد ولا لاحدى الكنائس. وأقول ايضا: ان بادرة الحياة تظهر في الكنائس المجددة سواء كان ذلك بقدر كبير ام بقدر قليل، وان عدم ظهورها يعود خاصة الىى السلفية التي تسعى الى تجميد كل شيءْ، وبحسب مقتضيات بعض المصالح الدنيوية للسلفية، كما يقال.
ففي الحقيقة لو كان السيد عبد الله ملما بكل عناصر الأنثروبولوجيا ومنها ما يخص التراث والتاريخ الحضاري، لعرف فورا حقيقة مسيحية الهلال الخصيب والمسيحية التي نشأت في مناطقنا، استنادا الى تاريخنا المسيحي السرياني المشرب بكتاب وإيمان اسفار العهد القديم خاصة، مثل بعض الممارسات الحضارية التي نقلتها كنائسنا من غسل الموتى وخضوع النساء بعد الولادة لرتب التطهير كما كانت عند اليهود. ولعرف ان هذه العادات وكثير غيرها انما تشير الى ان مسيحيتنا كانت متأثرة بالشريعة والطقوس الموسوية تأثيرا بالغا.
ثم اذا اتينا الى قديسي المنطقة سنجد قببا كثيرة مكرسة لاسم مارت اشموني التي استشهدت بيد الحكام الوثنيين الذين كانوا قد استولوا على سوريا وفلسطين في عهد السلاجقة وأرادوا فرض الوثنية على الشعب اليهودي المؤمن بالإله الواحد، فقاومهم المقابيون الذين كانوا قد شكلوا جيشا لمقاومة اضطهاد الوثنيين الذين كانوا قد دمروا الشعب اليهودي ودنسوا هيكلهم وأرادوا ان يقضوا على شريعتهم، فكان قد مات من اليهود خلق كثير ومنهم الشهيدة شموني وسبعة اولادها بحد السيف. فعدت هذه الشهيدة قديسة منذ العهد القديم ثم وُضع سفر المكابيين من بين الكتب القانونية التي اعترفت بها الكنيسة. وصار تكريم القديسة شموني منتشرا في انحاء العراق المختلفة وخاصة في مناطق سهل الموصل وفي المناطق الجبلية ، كما اصبح كثير من الأهالي يسمون بناتهم باسم تلك القديسة، ومنهم منتحلو القومية العنصرية الآشورية، وبنوا الكنائس على اسمها. مما يدل دلالة واضحة على ان هذه القديسة وغيرها الكثيرين دخلوا الكنيسة عن طريق مسيحيين اصلهم من الجماعات اليهودية التي كانت متبقية في العراق بعد عودة سائر اليهود الى امتهم من سبي بابل.
اما الأدلة الاخرى الدالة على ان الكنيسة الأولى في بلدة كوخي تشكلت من يهود سبي بابل فهي كثيرة ايضا. ومنها ان طقوس هذه الكنيسة: كنيسة المشرق ممتلئة من اشارات الى ان العهد القديم، ومن ذلك مزامير داؤد النبي كانت مستخدمة بكثرة عجيبة في تلك الكنيسة. فغالبية افكار تلك الكنيسة كانت افكارا تعود الى النمط الفكري اليهودي والتقاليد اليهودية.
طبعا ان هذا لا يعني ان تلك الكنيسة كانت خالية من الفكر المسيحي. ولكن نجد شيئا مماثلا في طريقة تمجيد الاله السماوي. كما نجد خفاء في سر القربان كما كان يحدث في قدس الأقداس. الآمر الذي يحسبه البعض لاهوتا مشرقيا اصيلا، وهو لم يكن كذلك. اما في مسائل الزواج فان كل من يعرف قصة طوبيا والمخدع والصلوات المرافقة له يرى ذلك في كنائسنا في طقس " قطر كنونا ". صلوات عقد الشريط الذي يغلق المخدع. غير ان من يتوسع في معرفة طقوسنا المشرقية سوف يعرف انه لا اثر لأي فكر وثني حقيقي فيها، وفي البداية لا يجد في طقوسنا غير فكر العهد القدم ملطفا بفكر يسوع الانقلابي التجديدي. وبذا كان عهد موسى قد سمي بالعهد القديم وعهد يسوع كان يسمى بالعهد الجديد. ولكن هناك تداخل كبير بين العهدين في كنائسنا المشرقية اكثر من اي مكان آخر. ففي البداية صار يسوع النبي الجديد، لا اكثر ولا اقل، ودعي المخلص من العهد القديم او عهد الشريعة. ولكن هنا لا اريد ان اتعمق اكثر خوفا من الاطالة المفرطة.
ومع ذلك، هناك اشارة تخدم ما اقوله تقول ان المبشرين بيسوع استخدموا لقب المسيح ليدل الى يسوع.( هنا كلمة المسيح هي من العهد القديم بامتياز، وتعني الملك الموعود والممسوح من الله بالدهن المقدس ليكون نبيا لهم وينقذهم من حالتهم الشقية التي كانوا فيها ) ففكرة هذا الممسوح بالدهن تأتي من طقوس بني اسرائيل في صنع ملوكهم باسم الله يهوا، الامر الذي حدا بالكنيسة بأن تقول بان يسوع هو الملك المرسل من الله لرعاية بني اسرائيل ثم بقية الشعوب. ولكن ان يقرأ علماؤنا ويفهم هكذا امور يحتاج الى " بخت " حقيقة.
وإذن فالمبشرون الأوائل للمنطقة، ويتكلمون عن مار ادي ومار ماري مبشري المشرق، كما يسمونهم، قد بشروا في مناطقنا بقناعتهم التي كانت قناعة رجال متحولين الى المسيحية من اليهودية حديثا، وكانوا بالتأكيد يحملون كثيرا من الممارسات الدينية اليهودية. الآمر الذي حدث في اوائل القرن الثاني الميلادي، يعني بعد تكوين الجماعات المسيحية وكنائسها بقليل.
اما المبشَرين ( بفتح الشين ) فيكون من الطبيعي ان نجدهم من بين يهود المنطقة، وليس من بين الوثنيين. ذلك ان بين الوثنيين وبين الوصول الى المسيحية بسهولة كانت هناك مرحلتان حضاريتان: مرحلة الوثنية ومرحلة الاله الواحد الموسوية او الابراهيمية. بينما لم يكن بين الانسان اليهودي والإنسان المسيحي ( انسان اله يسوع ) غير قفزة واحدة ومرحلة حضارية واحدة. فهل عرفتم يا علماءنا الأجلاء معنى ما اقول؟
هذا، وبما ان المسيحيين في مناطقنا لم يأتوا جاهزين للمسيحية من المريخ، ولا نبتوا بالصدفة البيولوجية في مناطقنا، وبدلالة قرباهم من العهد القديم وطقوسه، كما سبق ان قلنا، فان اصل المسيحيين الأوائل لم يكن لا الآشوريين ولا كلدانيا ولا غيرهم، لأنهم جميعا كانوا وثنيين لا يحملون اي استعداد حضاري ليكونوا مسيحيين. ولهذا لسنا مستعدين ان نتصور ونتخيل الآشوريين واقفين بباب كنيسة كوخي في طوابير استعدادا لطلب الانتماء. ولا غيرهم من الجماعات الشعبية التي لم تكن تعرف يمينها من يسارها، كما نقرأ ذلك في قصة يونان النبي.
اما في الطرف اليهودي ابناء اعمام الرسولين مار ادي ومار ماري، فكانوا على عكس الوثنيين مهيئين لتقبل المسيحية. فأولا كان هؤلاء اليهود احفاد المسبيين لعدة اجيال. وبهذا كانوا قد نسوا رموز امتهم القديمة وانتمائهم الديني وتمسكهم بشرائع لم يكونوا يفهمونها. اما بمختصر الكلام فقد كانوا قد فقدوا ايمانهم بأمتهم القديمة وبرموزها: الأرض – الشريعة – الهيكل – والأخلاق العامة اليهودية. الأمر الذي يمكن ان يقال عنه: بداية انهيار وموت الايمان. وبما ان الايمان بمجمل رموز الايمان كان قد مات عند اولئك الناس كبارا وصغارا، وبما ان الانسان لا يستطيع ان يعيش من دون ايمان يطور حياته الى الامام فقد وجدوا في المسيحية هذه الامكانية، حيث يبدوا هذا الأمر جليا من الطقوس الأولى التي كانت تتمحور حول حقيقة يسوع، كما وصلت اليهم خاصة عن طريق رسائل مار بولس. ولهذا لا نعد اليهود قابلين بالمسيح والمسيحية حسب، لكن نعدهم مؤسسين لكنيسة مسيحية كانت كنيسة كوخي الشهيرة في التاريخ. وبما ان التبشير كان خلة في العهد القديم فان هؤلاء المسيحيين الجدد بشروا وعملوا عدة كنائس في مناطق عديدة من العراق اولا، وخاصة فيما يسمى اليوم بحر النجف. وهكذا نشأت مسيحية العراق المشرقية ( عوضا عن النهرينية ) بقالب العهد القديم وقليلا من العهد الجديد، الى زمن دخول الفكر اليوناني المنطقة الذي اثر في مسيحية المشرق ايضا، ولم يدعها في قالبها التوراتي الأول.
اما وان يكون، على مر الزمن، قد دخل المسيحية اناس من غير اليهود: من الدول المختلفة التي دمرت احداهما الأخرى، وجعلت الناس لا ينتمون الا لربما الى مناطق سكناهم وعائلاتهم القريبة، ومن الفرس ومن العرب، فكل شيء وارد وممكن، الا اننا نعرف من طقوس كنيستنا القديمة والحالية التي لم تتبدل كثيرا، انه لم يكن باي قدر قد طرأ تغيير على فكر كنيستنا القديمة في كوخي وغير كوخي.
ففي الحقيقة يظهر ان جرن العماذ قد صاغ الجميع بقالب ايماني متمركز حول يسوع البنوي وحول وجه الاله الأبوي، مع تاثيرات كثيرة من العهد القديم، هذا الفكر الذي لم يكن يشمل الدين فقط بحسب ما يظن البعض، لكنه كان ولا زال يشمل سلوكية المجتمع وحضارته، بكل ابعادها. ودعنا الآن من مسألة العلمانية التي لم تكن في ذلك الزمان موجودة بأي قدر، لأن زمنها الحضاري لم يكن قد حان بعد.ورحم الله تربة الآشوريين والكلدان والسريان وغيرهم فهم تراث جميع العراقيين وتراث العرب جميعا، وليسوا ملكا طابو لأحد.
فهل عرفتم ما هو اصل المسيحيين التوراتي العربي ( من الجزيرة العربية )، باستثناء المهتدين الى المسيحية مثل بقايا جيوش التتار والمغول ومن الفرس والرومان، ومن القوميات المتاخمة للعراق، الذين كانوا قد سكنوا العراق وبعض البلدان العربية الأخرى.ثم اليس غريبا ان يكون بيننا رجال دين عظام قادمين من الوثنية، ولا يكون بينهم واحد يدل اسمه على اصله الوثني القديم؟
والآن سوف أقول لجميع المضللين السطحيين:بأن الآشوريين القدماء والآشوريين المعاصرين والحضارة الآشورية المعاصرة، ليست غير كذبة وتضليلا آخر كائنا من كان الذي اختلقها. ففي الحقيقة ان الآشورية واحدة، هذا اذا كانت فعلا قومية، وليست مجرد اسم عشيرة كبيرة ( سلالة ( تحكمت في المنطقة وحكمتها وبنت حضارة من هذا الكل الذي كان موجودا في الهلال الخصيب، شرق الجزيرة العربية ومن النازحين منها )! وإلا كيف نفسر تقارب جميع لغات المنطقة،غربا وشرقا، وشمالا وجنوبا، لولا انها كانت بالأصل منطقة واحدة.
والآن اقول لكم شيئا آخر:اذا جمعنا كل حضارات جماعات المنطقة وأقوامها، فأنها بالحقيقة لن تساوي الواحد بالمائة من حضارة الاله الواحد التي نجدها عند الشعب العبري العربي، فضخامة انتاج الشعب العبري ( بني اسرائيل ) سواء نظرنا اليهم مجموعين هكذا، وسواء نظرنا اليهم وكأنهما قسمان اساسيان هما الجماعات الابراهيمية والجماعات الموسوية من اصول الجزيرة العربية وصحارى مصر الفرعونية واليونانية، ربما، من الذين كانوا يسمونهم الهكسوس او البدو الرعاة، وفروع اخرى من السامريين، فان انتاجهم الفكري الديني والاجتماعي يعد انتاجا هائلا لا يمكن مقارنته بما كان موجودا عند اية جماعة وثنية.اما سبب تفرد الجماعة الابراهيمية والموسوية بحضارة عميقة وقوية،فلا يعود برأيي الى ذكاء تلك الجماعة، لآن كل اهل الجزيرة كانت ذكية ومتحضرة بقدر او بآخر. ولا نحسب الآشوريين مثلا قد تغذوا بغذاء ملوكي، كما تتغذى ملكات النحل.لا بل يمكننا ان نقول ان غالبية شعوب العالم متساوية في الذكاء اذا تساوت الأمور من كل جانب: البيئي والبيولوجي والوراثي والغذائي والحضاري.
وإذن، فلم يبق امامنا سوى ان نقول ان الاختلاف يعود الى المرحلة الحضارية التي مرت بها الجماعة العبرية، ومعها ضمنا الجماعات المسيحية التي تميزت باختلاف جدلي يختلف عن الاختلاف الجدلي الذي مرت به الجماعات العبرية. ففي الواقع ان ما حدث هو ان الجماعات العبرية عملت قفزة حضارية جدلية واحدة، في حين ان الجماعة المسيحية عملت قفزتين حضاريتين متتاليتين:هما قفزة العهد القديم ثم قفزة العهد الجديد. علما ان وفرة وغزارة مخلفات العهد القديم الحضارية ناتجة عن كون العهد القديم وضع الأسس الأولى لحضارة الاله الواحد، بينما ابقت المسيحية على معظم هذا التراث الروحي الحضاري وأضافت فكرة الله كاله لجميع الشعوب سمي باله الأب الذي يعطي الكرامة الانسانية لجميع الشعوب وليس للإله القومي الواحد. او اله قوم واحد. اما زخم الآداب المسيحية فيأتي في الحقب المسيحية المتعاقبة، وعلى مر الأزمان وحتى يومنا هذا. وهو زخم لا يمكن ان يوصف مقابل ما انتجه العهد القديم، فكيف بنا اذا قارناه بما انتجته الوثنيات مجتمعة؟
وانت يا استاذ رابي، هل لا زلت تقول ان المسيحية واليهودية هما دين وليسا حضارة ولا ثقافة، انت الذي يفترض ان تعرف، انه لا توجد قفزة حضارية مهمة مثل اليهودية والمسيحية وإلا نجد فيها صورة الهية ومركز ايمان او ايمان يسير حضارة الانسان الجديدة بشكل جدلي ويوجه انسانها بشكل انساني انثروبولوجي حضاري وثقافي. علما ان مسألة الحضارة الجدلية لا تنطلق من جهات عديدة ومن حاجات متعددة، بل تنطلق من جهة واحدة، في المسيحية، طالما نتكلم الآن عن المسيحية، تنتشر، على شكل دائرة من المركز الى شتى الأمصار المحتاجة الى دين حضاري، او فلنقل الى حضارة دينية. فكيف يمكن ان تكونوا انتم آشوريين وتكونوا مسيحيين في الوقت عينه. ترى هل تركت المسيحية مكانا لأي دين وثني؟ ام انتم اي سي دي سي تشتغلون على تيارين؟ مرة يسوع ومرة اكيتو مثلا؟

القس لوسيان جميل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

671 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع