تحولات الزمن في قصة حالة ذهول للقاصة الناشئة بسمة علي.

                                             

                     الدكتور رحيم الغرباوي


تحولات الزمن في قصة حالة ذهول للقاصة الناشئة بسمة علي.

القصة هي حكاية سردية تقوم بتهديم الواقع وبنائه من جديد من خلال توظيف عناصر السرد القصصي والحوار والشخصيات ، فهي تقدم حياة المجتمع بعاطفة إنسانية , بوقائع تكاد تقرأ بعين الحقيقة إذا ما كانت هذه القصة تعالج قضية واقعية في عالمنا المعيش , ومهمة كاتب القصة هي وضع هذا الواقع تحت مجهر الإبداع للوقوف على بؤر الخراب الماكثة في ثناياه , ولعل بعض الأساليب التي يوظفها الكاتب في نصوصه تمنح النص عنصر التشويق الذي يهيمن على المتلقي وهو يقرأ الحادثة وما يتبعها بصبر وشوق ومن تلك الأساليب هما : أسلوب المفارقة وهي من تقنيات الأدب التي يمارسها الأديب لإحداث الدهشة في نفس المتلقي ، لاسيما في المواقف , والآخر التداخل الزمني وهو ما أشار إليه , وحدده جيرار جينيت , وسار عليه كثير من الروائيين والقصصين , في الاستباق والتحول في الزمن , فقد مارسه جماعة تيار الوعي , ومنهم جيمس جويس وولف وآخرون , إذ يمنح النص السردي طاقاته التي تعد من التقنيات التي تتداخل بها الصور الحية من خلال الخروج من دائرة الملل , وهي تسرد الاحداث بزمن واحد .

ولما كان النص السردي " يرتكز في بنائه الفني للزمان على التلاعب بالمحددات الزمنية ، بمعنى أننا لانركن إلى توقيت زمني محدد , ففي الوقت الذي ينطلق فيه النص من الحاضر نجد أنفسنا بإزاء ماضٍ يتسلط عنوةً على الحدث " من جانب آخر تتسلط المفارقة المعنوية على اجترار المتلقي نحو إيهام الكاتب له في إحداث تلك المفارقة التي يلعب فيها الزمن دوراً كبيراً من طريق تلك المفارقة , وهذا ما نلمسه لدى القاصة الناشئة بسمة على في قصتها ( حالة ذهول ) وهي تستعمل أنواعلً من الأفعال ؛ لتضفي ألواناً من التداخلات الزمنية , إذ نجدها تستهل قصتها بالأفعال المضارعة " يطمئن قلبي بجانبك , ويدور فلك عيني حول وجهك الملائكي , أتنفس معك الهواء , وتستنشق أنفاسي أنفاسك العطرة " ؛ لتجعل بذلك من المتلقي أنْ يعيش معها آنية الحدث ؛ ثم بعد سطور تقوم بكسر الرتابة الزمنية ؛ لتتحول في حديثها بالزمن الماضي ؛ لتحث المتلقي أن يعيش في أمل دنياها وانبساطها في واقعها , حين تنهض من نومتها بعدما تضع الدثار على حبيبها الذي تتركه راقداً على سريرها ؛ لتهيء مائدة الإفطار لكليهما , فهي تروي لنا قائلة : "طلَّ الصباح , وأنا على هذه الحال , فصوت تراتيل الكنيسة يمتزج بآذن الفجر... أكملت غسل أسناني , ثم وجهي متجهة إلى المطبخ ؛ لأعد الفطور , أضرمتُ النار تحت القهوة , وأخرجت بعض شرائح الجبن وقطعتين من الكعك والزيتون واضعة إياها على الطاولة " ؛ مما يدفع بالمتلقي إلى الخلاص من الرتابة الزمنية ؛ لتنقله من مشهد السرير الذي أوردته في الزمن الحاضر ؛ ليعيش صورة الحبيبين اللذين يرفلان بمتعة الحبِّ والوله , إلى صورة أخرى وهي الحمَّام , ثم المطبخ ؛ لإعداد الطعام فيه , وهي تحكي قصتها في الزمن الماضي , إذ تنقل صورة هذين المكانين , ثم تستمر في استعمال صيغة الماضي " هَرولتُ نحو غرفة نومنا , وأنا أفتح الباب بلهفه ؛ لرؤيته استرقت النظر إلى السرير , فإذا به خالٍ !! ناديتُ مرهً ومرَّات فلا يجيب , صرختُ به لاتمزح معي , لا أطيق مثل هذةِ الألاعيب " لتحدث لنا مفارقة من خلال ذلك ؛ فتشعرنا أننا في أحداث هي في الماضي وليست آنية , لتفاجئنا بالحدث الذي ترويه لنا كان جميعه من زمن الغياب , لكن حضور الحبيب جعلها تشعرنا أنه يعيش معها حين تهدأ ثورتها بأحلامها الندية وهي خارج نطاق الزمن بينما واقعها هو الزمن الماضي , فأحلامها متحققة طالما هي خارج أرض الواقع , وهو زمن مستمر , في حين أنَّ الزمن الأرضي ( الواقعي هو زمن متهالك لايبقى منه إلا الذكريات العالقة في الأذهان , وأنها تعيش في غيبوبة الحرمان الذي تعيشه كثير من النساء اللواتي فقدنَ أزواجهن ؛ مما يجعلهن لايطقن العيش من دونهم . وقد أحدثت المفارقة من خلال بصمة التحول في الزمن من خلال الفعلين المضارع والماضي الذي بنت من خلالهما حبكة نصها القصصي , فضلاً عن الصورة النفسية التي خلقت رابطا عاطفيا بين الشخصية والقارئ ؛ لما أحدثته من شفقة ؛ مما يمنح انسجاماً في الصورة النفسية للشخصية , وهو لون آخر من ألوان تقنيات السرد .

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

943 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع