هل يتمكن المسلمون من توحيد صومهم وأعيادهم

                                           

                  الدكتور محمود الحاج قاسم محمد
               باحث في تاريخ الطب العربي الإسلامي


هل يتمكن المسلمون من توحيد صومهم وأعيادهم

المقدمة :

كلما أقبل شهر رمضان أو حل العيد حتى ثار جدل محتدم بين رجال الدين الإسلامي وبعض رجال العلم عن رؤية الهلال وموعد بدء الصيام ، أو حلول العيد ، وتعلن دولة عربية أو إسلامية، وتتخلف أخرى عنه يوما وأحيانا اثنين ، وكذلك الحال بالنسبة لأول أيام العيد.
وإن هذه الاختلافات تنتج عادة عن استخدام طرق متباينة لضبط أوائل الشهور بالإضافة إلى تباعد البلاد الإسلامية فيما بينها على سطح الكرة الأرضية، إذ يتم في بعض البلدان تعيين أوائل الشهور القمرية بالحساب الفلكي وفي البعض الآخر برؤية الهلال وهذا ينسحب على بداية رمضان ثم حلول عيد الفطر وكذلك عيد الأضحى حيث ينفرد السعوديون بتحديد يوم وقفة عرفات حسب رؤيتهم لهلال ذي الحجة ويليه عيد الأضحى مباشرة وهو ما يزيد سبب الاختلاف غموضا، فهل الأمر مجرد تعدد لمطالع الهلال أم أن الاختلاف أعمق من ذلك بسبب المواقف الطائفية أو المذهبية أو حتى السياسية أحيانا؟ .
والحقيقة أن هذا يظهر الأمة الإسلامية على غير كلمة واحدة ، ويجعلها أمام المجتمع
الدولي ، في مظهر الاختلاف على أمر بسيط كهذا في القرن الحادي العشرين ، وكيف يستساغ تفرق الآراء حول رأي فرغ العلم منه منذ قرون وانصرف العلماء عنه إلى ما هو أجل وأعقد ، بعد أن هبط الإنسان على القمر وبعد أن أصبحت انجازات الفضاء المذهلة تشد كل العقول .


في بحثنا هذا حاولنا جمع مختلف الآراء حول الموضوع وضمن أربعة محاور هي :
أولاً : آراء المؤيدين للاستعانة بالحسابات الفلكية والمراصد :
1 – رأي الأستاذ مروان صبحي عريف : (( صحيح أن رسول الله r قد أمرنا بالصوم ( لرؤية ) الهلال ، لكنه أمرنا ب( ( الرؤية ) لسببين : أولهما أن الرؤية كانت الوسيلة الرصدية الوحيدة المتاحة ذلك الوقت ، إذ لم يجر اختراع المقراب ( التلسكوب ) حتى القرن السابع عشر ، ولاشك في أن الرسول r كان سيحث الناس على استخدام كل وسيلة متاحة لرصد الهلال والتحقق من ظهوره ، إذ لا حاجة للتمسك بوسيلة النظر عند وجود وسيلة أفضل وأكثر دقة .
أما السبب الثاني فهو أن أسرع وسيلة لنقل الخبر وقتئذ كانت الخيل ، فإذا كلف فارس بنقل خبر حلول الشهر من المدينة إلى دمشق فإنه سيصلها والناس تتحضر للاحتفال بعيد الفطر ، أما اليوم فالوضع مختلف بوجود الهاتف والتلفاز والإذاعة ، كما أن ما يبرر استخدام المذياع في المساجد لرفع الأذان ، واستخدام المصباح الكهربائي في إضاءتها ، والاستعانة بالمكيف لتلطيف الحرارة داخل المصلى ، هو نفسه ما يبرر استخدام الحواسيب المتقدمة في حساب موضع القمر واستخدام الأقمار الاصطناعية والتلسكوبات المتقدمة التي لا تتأثر بحال الطقس للتحقق من وجود القمر في السماء ، فكل هذه وسائل لتسيير أمور المسلمين في دينهم ودنياهم.
إذن لابد من وجود شكل من أشكال اللجنة المختصة لتتولى أمر البت في هذه القضية البسيطة السهلة أولاً ، وتجنيب مئات الملايين من المسلمين لعبة الترقب والانتظار التي يعيشونها كل عام باسم الجهل والفهم الخاطئ للدين ثانياً . خاصة أن تكاليف الاستعانة بالمراصد الفلكية أو استخدام التقانات المتقدمة للتحقق من حلول الشهر الفضيل كل عام ، أقل بكثير من تكلفة ساعة بث فضائية واحدة في محطة من عشرات المحطات الفضائية التي تعج بها سماؤنا .
فهل الأمر فعلاً لا علاقة له بالعلوم الحديثة ؟ أم أن حال التشرذم والفرقة سادت حياة المسلمين بكل أوجهها ؟ أم أن توحيد كلمة المسلمين ، ولو بهذه الصورة البسيطة ، سيفتح أبواباً لا يريدونها أن تفتح ؟ أم ... ؟ ))
2 – رأي الأستاذ سعد شعبان : ((يعتمد علماء الدين على شهود رؤية يرسلونهم إلى المناطق العالية في ليلة التاسع والعشرين يستقرئون صفحة السماء عند وجود الهلال .
وهنا لابد لنا أن نناقش معنى الرؤية ، فإذا كان شهود الرؤية هم الأساس الشرعي في المشاهدة فلم لا يكونون هم العلماء الفلكيون الذين يرصدون الهلال بعدسات المراصد الفلكية حيث يتوقعون ظهوره كما تشير الجداول الفلكية .
إن الشرع لم يحدد الرؤية بالعين ، أو بالعدسة أم المرصد ، وإذا كان لابد ألا يجافي رجال الدين رجال العلم ، فلم لا نطور وسيلة الرؤية اعترافاً منا بأنها واجبة ، وأخذا بأحدث الوسائل لتحقيق الغاية باستخدام آخر ما توصل إليه العقل البشري .
ولابد أن ندخل في اعتبارنا كثيرا من الاعتبارات التي تقف أمام كل تعصب أمام إصرار البعض على أن الرؤية لابد أن تكون بالعين المجردة حيث لم يرد في القرآن نص بذلك والمفروض أن تطور الرؤية حسب تطور وسائل العصر .))
3 – رأي الدكتور عبد المحسن صالح : (( غريبة أمور أئمة المسلمين ! ووجه الغرابة أنهم يعتقدون في صحة الأسس العلمية تارة ، فيركنون إليها في صلاتهم وإمساكهم وإفطارهم ، أو أي شأن من شؤون دنياهم ، ثم إذ بهم يعودون فيكفرون بها تارة أخرى ... فكلما انقضى شعبان ، وحل رمضان أو جاء عيد من الأعياد ، تراهم يرسلون رسلاً منهم ، ليستطلعوا هلال رمضان ، فيعلنوا ما رأوا في البلاد ، وكثيراً ما يضعون الناس في حيص بيص ، وخاصة عندما تتضارب أقوالهم ، وتتناقض فتاواهم ، فلا يكاد المسلمون – لفترة – يعرفون رؤوسهم من أرجلهم ... لا في صيامهم ولا أعيادهم .
ومن حق أئمة المسلمين أن يختلفوا في تفسير أو فتوى أو تشريع ، لكن أن يتفلسفوا ويتعالوا في أمر من أمور هذا الكون العظيم ، فهذا ما لا يقره منطق ولا عقل ولا دين .
فالكون – بلا شك ، وكما نعرفه من خلال علومنا الحديثة – بمثابة ساعة كونية دقيقة غاية الدقة ، ومتقنة أعظم الإتقان ، لأنها من صنع الله الذي قدر فسوى ، وعلى هذه الساعة المضبوطة نعتمد ونحن مطمئنو الفؤاد ، مرتاحو البال .
صحيح أننا لا نستطيع أن نرى هذه الساعة الكونية كما نرى ساعاتنا التي نضعها حول معاصمنا أو في ستراتنا ، لكن العالمين ببواطن الأمور ، والذين ينظرون إلى الكون نظرة أعمق وأشمل وأعم ، ليدركون أن حركة الأرض والقمر والشمس والكواكب والنجوم والمجرات والمذنبات تضع أمام أعيننا ، وفي عقولنا ، نظماً لا يأتيها الباطل ، أو يحل بها الخلل .
فالعلماء الذين يتعاملون مع قوانين الكون ، ونواميس الوجود ، هم وحدهم الذين يعلمون أنهم أمام أفلاك متقنة ، وأزمنة محددة ، ودورات مقننة ، وهم بتطلعهم الطويل إلى الأجرام السماوية ، واستعانتهم بأجهزة ومعدات ومناظير فلكية متطورة – قد استطاعوا صياغة كل هذا الإبداع في عيوننا القاصرة ، وعقولنا المحدودة ، فإذا بالكون العظيم يتجلى لنا بصورة أروع وأبدع وأوقع من كل ما رآه الأقدمون ، أو ما يراه رجال الدين . ))
(( وقد يقول قائل : إن كل هذا الكلام مردود عليه بآية صحيحة ، وبحديث شريف ... فالآية تقول : (( فمن شهد منكم الشهر فليصمه )) ... والحديث (( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته )) .
وبدون الدخول في التفاصيل والمتاهات نقول إن رؤية الهلال قد لا تثبت في كل الأقطار ، كما أنه لا يمكن توحيد مواعيد الصلاة أو الإفطار أو الإمساك في جميع البلاد ، فرب صائم ينوي الإفطار في قطر ، إذ بآخر يمسك عن الطعام في قطر آخر ، أو أن أحدهم قد يصوم ثماني عشرة ساعة ، في حين أن الآخر قد يصوم 12 ساعة أو 15 ساعة في الوقت ذاته ... أي أنه لابد من الاختلاف هنا ، ولا يمكن توحيد مواقيت صلاة أو صوم أو حتى أعياد ، ولهذا لم تعمم الآية فتقول (( فمن شهد منكم الشهر فلتصوموه )) بل قال : (( فليصمه )) ... أي أن الذي يرى يصوم ، فإذا غم عليه ، فليأتمر بما أمرته به شريعته ، أما إذا يسر العلم أموره ، فليأخذ بأسباب العلم ، لأنه قائم أساساً على النظم الكونية التي تجري كساعة مضبوطة .
ولو كان الرسول صلوات الله عليه يمتلك ما نمتلك الآن لما رفضه ، فهو عقلاني في المقام الأول .))
(( والقول الفصل الآن : إما أن نثق في نظم الكون التي جاءت من عند الله ، ونثق في العلم الذي لم ينشأ من فراغ ، بل إظهار لعظمة الله وإبداعه في كل ما خلق فسوى فأتقن فتجلى ، فسار كل شيء وفق نواميس لا خلل فيها ولا فوضى ... وأما أن نركب رؤوسنا ، وتتجمد أفكارنا ولا نساير الزمن ، ومن تجمد في فكره ، أو عاش بزمن غير زمنه ، فقد ركد ... والركود جمود ، والجمود موت والعياذ بالله من جمود لا ناقة لنا فيه ولا جمل .))
4 – رأي الأستاذ فؤاد محمد سعيد وهبة :(( نعم يمكن ، بل ويجب الاستفادة من الحسابات الفلكية عند الاستهلال ، فإذا دل الحساب مثلاً على أن القمر لم يولد أصلاً قبل غروب الشمس فيوفر عناء الاستهلال ، كما أن الحساب يمكن من تحديد موقع القمر في السماء بالنسبة للشمس وقت غروبها مما يسهل رؤيته .
وثمة حكمة عظيمة في ربط تحديد بداية شهر الصوم ونهايته بالمشاهدة ، إذ أن ذلك يجعل كل فرد مسلم أياً كانت درجة ثقافته يشعر بأنه يستطيع أن يقدم شيئاً لمجتمعه أو أن يكون له دور وذلك بالمشاركة في عملية الاستهلال ، فيزداد تفاعل عامة الناس مع شهر الصيام أكثر ويصبح لشهر الصيام فقط جماعية أكثر ، بينما لو اعتمد على الحساب فقط وبفرض إمكان ذلك لاقتصر إمكان المساهمة في تحديد البداية والنهاية على فئة قليلة جداً فقط من الناس هم المختصون بالحسابات الفلكية .
(( أما هل يجوز استخدام أدوات الرصد المكبرة كالتلسكوب أو المنظار لأجل مشاهدة القمر في أبكر وقت ممكن بعد خروجه من المحاق ، فهذا أمر متروك للفقهاء ، إلاّ أنه من المفيد أن نتذكر أنه من الخطر الشديد رصد القمر من خلال المكبرات البصرية وهو لا يزال بجوار الشمس لما فيه من أذية للعين وقد تبلى بالعمى الدائم ، ولئن وضع حاجز شاف (نصف شفاف) وراء العدسة الجسمية أو قبل العدسة العينية للتقليل من شدة الضوء الوارد إلى العين لحمايتها لضعف من جهة أخرى أمكان تمييز الهلال الباهت نفسه ، وانتفت الفائدة المرجوة من الأداة الضوئية المستعملة )) .
5 – رأي الدكتور عمر فروخ : تجديد في المسلمين لا تجديد في الإسلام : د. عمر فروخ
مجلة الفيصل ك العدد 30 – ذو الحجة 1399 هـ / نوفمبر 1979 م
ونقول لهم (( اعملوا بالحساب )) فيقولون : لا يجوز العمل بالحساب ، لأن رسول الله  قال : (( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته )) غير أن رسول الله  قال شيئاً آخر أيضاً قال :
(( نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ( بضم الميم ) صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته )) ثم يستشهدون أيضاً بآيات من القرآن الكريم استشهاداً خاطئاً ، لا أحب أن أتوسع فيه هنا ولا أن أتطرق إليه ، لأن القوم سيجادلون في ذلك جدالاً لفظياً لا فائدة منه ، ولكني سأتناول نقطتين علميتين :
هم يقولون : إن العمل بالحساب ( في الصوم ) لا يجوز ، مع أنهم لا يعملون إلاّ بالحساب في الصلوات الخمس ( مع أن الصلاة مقدمة في أركان الإسلام على الصيام ) .
ومحاولة رؤية الهلال في المساء خطأ كبير لأسباب فلكية ( غرق الهلال في شفق المغيب ) ومحلية ( تكاثر الضباب أو الغيم في سماء البلد أحياناً ) . أما المنهج الصحيح فهو أن يخرج المفتي نفسه أو من ينتدبه المفتي من العلماء بالفلك والحساب ليتلمس الهلال في (الصباح) ( الرؤية في الصباح تكون أوضح ، لأن السماء عادة تكون أصفى آفاقاً ) . فإذا رؤي الهلال يطلع قبل طلوع الشمس ، معنى ذلك أنه سيغيب قبل غياب الشمس ( ولا فائدة من التماسه في مساء ذلك النهار ) . وأما إذا لم يطلع الهلال قبل طلوع الشمس ، فيكون حينئذ من الممكن أن يرى قبل مغرب الشمس من ذلك اليوم )) .
ثانياً : آراء المعارضين لاستعمال الحسابات الفلكية والمراصد :
1-(( قال الدكتور محمد بن صبيان الجهني (قسم الهندسة النووية ـ جامعة الملك عبد العزيز) في بحثه " الحساب الفلكي بين القطعية والاضطراب القائلون بالحساب الفلكي قد انقسموا إلى أقسام كثيرة نوجزها ههنا :
الفريق الأول يرى أنه متى كانت ولادة الهلال في أي وقت من بعد الفجر إلى قبل الفجر الذي يليه فإنه يجب على المسلمين صيام اليوم الذي يلي الفجر الثاني وحجتهم أن الهلال موجود في السماء بعد ولادته لأن العلم اليقيني الثابت يثبت وجوده والعبرة بالوجود الفلكي لا الرؤية الخاطئة وهذا ماتسير عليه الجماهيرية الليبية.
الفريق الثاني أراد أن يوفق بين الرؤية والحساب فاشترط أن تكون ولادة الهلال قبل الغروب ولو بوقت قصير جدا فمتى كان ذلك وجب على الناس عقد نية الصيام وحجتهم أن اليوم الإسلامي يبدأ بعد غروب الشمس.
الفريق الثالث أراد أن يكون أكثر توفيقا بين الرؤية البصرية والحساب الفلكي فاشترط إمكان الرؤية لثبوت دخول الشهر وهذا يعني أن الهلال لابد أن يكون مولودا قبل الغروب بوقت اختلف فيه الفلكيون حتى تتمكن العين أو التلسكوب من رؤيته. ومن أجل بيان هذا الاختلاف نوجز بعضا من شروطهم وطرقه:
1- أنه لايمكن أن يرى الهلال قبل 13 ساعة من ولادته وذلك أن المسافة الزاوية بين القمر والشمس من مركز الأرض لابد أن تكون أكثر من 7 درجات ومتى كانت أقل من ذلك فإنه لن يكون هنالك جزء مضيئ من القمر ولن تتمكن العين من رؤية الهلال وهذا مايسمى ب (تأثير أو حد دانجون). وهذا ماجعل مؤتمر المسلمين الفلكيين والذي أقيم في استنبول يوصي بأنه يجب أن تكون الزاوية أكثر من 8 درجات من أجل إمكان رؤية الهلال.
2- العلم الفلكي يستطيع أن يعطي وقتا مقاربا لإمكان رؤية الهلال بالعين والمنظار والتلسكوب ولكنه لايستطيع أن يعطي إجابة دقيقية لوجود عدد من العوامل التي تؤثر على الرؤية.
3- الزمن الذي يمر بعد ولادة الهلال الجديد يسمى عمر الهلال ولكن عمر الهلال لايعتبر معيارا لإمكان رؤيته وذلك لأن مدار القمر بيضاوي ويسير القمر بسرعة أعلى , عندما يكون قريبا من الأرض, وابطأ عندما يكون بعيدا عن الأرض. فعندما يكون الهلال سريعا يمكن أن يرى وعمره ( 17 ساعة) وعندما يكون بطيئا يرى وعمره (23 ساعة ).
4- إن أصغر هلال رؤي من خلال منظار كان عمره 13.47 ساعة كما ان أصغر هلال رؤي بالعين الباصرة كان عمره 15.4 ساعة .
5- إن أوثق رؤية بالعين حدثت بعد 17.2 ساعة وبعد 15.5 ساعة بالتلسكوب من ولادة الهلال علما بأنه في بعض الفصول لا تحصل الرؤية إلا بعد 24 ساعة.
6- يقول إلياس, العالم المسلم الماليزي إنه تستحيل رؤِية الهلال إذا كان عمره أقل من 17 ساعة .
ويقول الدكتور الجهني في موضع آخر (( وخلاصة القول إن العلة الحقيقية التي منعت الحساب الفلكي من تحقيق وسيلة أكمل وأوفى من الرؤية البصرية هي أن الشهر القمري الفلكي لايمكن أن يكون 29 يوما او30 يوما كما بينا من قبل وإنما يقصر إلى 29 يوما و 6 ساعات و35 دقيقة ويطول إلى 29 يوما 19 ساعة و55 دقيقة ومهما حاول الحساب الفلكي أن يجبر أيام الشهر القصير والطويل وما بينهما سلبا أو إيجابا إلى 29 يوما أو30 يوما لموافقة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن يصل إلى ذلك إلا بوسيلة ظنية توقع الأمة المسلمة في خلل واضطراب وتشتت وتفريق وتجعل من أبناء البلاد الواحدة بل المدينة الواحدة يصوم بعضهم ويفطر الآخرون ) ا. هـ
ويضيف الدكتور الجهني (( ثبت بالاستقراء كثرة مخالفة الحساب للرؤية مما يرفع الثقة به: ( من خلال دراسة قام بها الدكتور الفاضل أيمن كردي , أستاذ الفلك في جامعة الملك سعود , قارن فيها بين الرؤية البصرية والحساب الفلكي بين عام 1400هـ وعام 1422هـ وجد أنه :
1. تطابقت الرؤية مع الحساب 14 مرة من حيث وجود الهلال.
2. تطابقت الرؤية مع الحساب 24 مرة من حيث عدم وجود الهلال.
3. لم تتطابق الرؤية مع الحساب 18 مرة حيث تم التبليغ بالرؤية مع عدم ولادة الهلال فلكيا.
4. لم تتطابق الرؤية مع الحساب مرتين حيث ولد الهلال فلكيا ولم يتم التبليغ .
وخلصت الدراسة إلى أن نسبة التطابق بين الحساب الفلكي والرؤية هي 67 % ا.هـ وما كان بهذه المثابة فلا يعمل به)) .
2 -وذكر د. محمد بخيت المالكي - دكتوراه في الفلك من جامعة جلاسكو- نتائج بحثه : " ملاحظات على أسباب الاختلاف بين الرؤية الشرعية والحساب الفلكي لهلال الشهر الإسلامي " ، ومنها :
( خلص البحث إلى النقاط التالية:
1- أغلب الأساليب والتعاريف الفلكية لبداية الشهر الإسلامي لا تتفق مع التعريفات الشرعية .
2- تلك الطرق التي تحاول أن تتقرب من التعريف الشرعي لبداية الشهر الإسلامي، لا زالت تواجه بعضاً من النواقص في تعريفات متغيراتـها الأولية مثل:
أ) أثر الانكسار الجوي بدقة عالية (وهذا من الأمور الصعبة جداً ) . ب) أثر ظاهرة السراب (وهو من الأمور الصعبة جداً ) .ج الموقع الحقيقي للراصد وارتفاعه عن مستوى سطح البحر (وهذا ممكن لكن كل راصد سيُحسب له وحده) .
3- المرصد الفلكي البصري لا يمكنه أن يكون بديلا منافسا للعين البشرية ، بل قد يصبح وبالا عليها في حالة محاولة رؤية الهلال وهو قريب من الشمس، حيث أنه لن يمكن رؤية الهلال هنا، لكن الراصد قد يفقد بصره خلال ثوان ) .
3 - قرار هيئة كبار العلماء في السعودية حول الحساب الفلكي وفيه الرد على شبهات العاملين بالحساب الفلكي وتفنيدها قرار رقم (34) وتاريخ 14/2/1395هـ
(( الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه، وبعد : بعد دراسة المجلس للقرارات والتوصيات والفتاوى والآراء المتعلقة بهذا الموضوع ومداولة الرأي في ذلك كله قرر ما يلي :
أولا : أن المراد بالحساب والتنجيم هنا معرفة البروج والمنازل، وتقدير سير كل من الشمس والقمر وتحديد الأوقات بذلك؛ كوقت طلوع الشمس ودلوكها وغروبها، واجتماع الشمس والقمر وافتراقهما، وكسوف كل منهما، وهذا هو ما يعرف بـ ( حساب التسيير ) .
ثانيا : أنه لا عبرة شرعا بمجرد ولادة القمر في إثبات الشهر القمري بدءا وانتهاء بإجماع ما لم تثبت رؤيته شرعا، وهذا بالنسبة لتوقيت العبادات، ومن خالف في ذلك من المعاصرين فمسبوق بإجماع من قبله .
ثالثا : أن رؤية الهلال هي المعتبرة وحدها في حالة الصحو ليلة الثلاثين في إثبات بدء الشهور القمرية وانتهائها بالنسبة للعبادات فإن لم ير أكملت العدة ثلاثين بإجماع.
أما إذا كان بالسماء غيم ليلة الثلاثين: فجمهور الفقهاء يرون إكمال العدة ثلاثين؛ عملا بحديث: ( فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين .))
ثالثاً : آراء دعاة الوسطية حول الإستعانة بالحسابات الفلكية والمراصد :
1-رأي الشيخ الدكتور علي القرداغي : (( أنا من خلال عقيدتي وكذلك من خلال معلوماتي الفقهية لا أجد أي مبرر شرعي لهذا الاختلاف وبالأخص في عيد الأضحى لأن المسلمين كلهم يجتمعون في هذا اليوم في صعيد واحد وهم مهما كانت دولهم فهم يؤدون هذا العيد في وقت واحد، إذا كان في الأيام الماضية في القرون السابقة كان هذا مقبولا بسبب عدم السماع كما هو يسمون اختلاف المطالع ولكن اليوم الحقيقة لم يعد مقبولا حتى بالنسبة لشهر رمضان في اعتقادي بل الأولى والأفضل أن نأخذ بالتأريخ أو الجانب العلمي والفلكي على أقل التقدير في النفي، بحيث إذا ما وُلد الهلال من الناحية الفلكية فلا نقبل أي شهادة وهذا الكلام الحقيقة سبق به علماؤنا من العصر الأول وأصله الإمام ابن السبكي ثم بعد ذلك جاء أستاذ أحمد شاكر وأصّله ثم معظم العلماء المعاصرين على رأسهم فضيلة الشيخ القرضاوي وغيرهم يقولون بهذا الرأي فلا أجد مبررا شرعيا في وقتنا الحاضر لهذا الاختلاف، بل إن ما نعتز به نقول على أقل التقدير في أيام عرفات في الحج أن الحجاج جميعا يجتمعون ويتحدون في ملبس واحد وفي شعيرة واحدة وفي عيد واحد.))
2 - رأي الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي : (( وقد ذهب بعض كبار العلماء في عصرنا إلى إثبات الهلال بالحساب العلمي القطعي ، وكتب في ذلك المحدث الكبير العلامة أحمد محمد شاكر رسالته في ( أوائل الشهور العربية : هل يجوز إثباتها شرعاً بالحساب الفلكي ؟ ) وأيد ذلك بحجة قوية خلاصتها : أن اعتماد الرؤية كان لأمية الأمة التي لم تكتب ولا تحسب ، فإذا تغير وضع الأمة ، وأصبحت تكتب وتحسب ، وغدت قادرة على الاعتماد على نفسها ، - لا على غير المسلمين – في إثبات الشهور بالحساب العلمي الدقيق ، كان عليها أن تعتمد الحساب بدل الرؤية ، لأنها وسيلة أدق وأضبط وأقرب إلى توحيد كلمة المسلمين.
وقبله كتب العلامة السيد رشيد رضا داعياً للعمل بالحساب القطعي ، في مجلة المنار ، وفي تفسيره لآيات الصيام .
ومن المنادين بهذا الرأي في عصرنا الفقيه الكبير الشيخ مصطفى الزرقا – حفظه الله )) ص 30 .
(( إن الذي نعنيه هو ما يقرره علم الفلك الحديث ، القائم على المشاهدة والتجربة ، والذي غدا يملك من الإمكانات العلمية والعملية ( التكنولوجية ) ما جعله يصل بالإنسان إلى سطح القمر ، ويبعث بمراكز فضائية إلى الكواكب الأكثر بعداً ، وغدت نسبة احتمال الخطأ في تقديراته 1 – 100000 ( واحد إلى مائة ألف في الثانية ) وأصبح من أسهل الأمور عليه أن يخبرنا عن ميلاد الهلال فلكياً ، وعن إمكان ظهوره في كل أفق بالدقيقة والثانية ، لو أردنا .
وقد كنت ناديت منذ سنوات بأن نأخذ بالحساب الفلكي القطعي – على الأقل – في النفي ، لا في الإثبات تقليلاً للاختلاف الشاسع الذي يحدث كل سنة في بدء الصيام ، وفي عيد الفطر ، إلى حد يصل إلى ثلاثة أيام بين بعض البلاد الإسلامية وبعضها الآخر . ومعنى الأخذ بالحساب في النفي أن نظل على أثبات الهلال بالرؤية وفقاً لرأي الأكثرين من أهل الفقه في عصرنا ، ولكن إذا نفى الحساب إمكان الرؤية ، وقال : إنها غير ممكنة لأن الهلال لم يولد أصلاً في أي مكان من العالم الإسلامي – كان الواجب ألاً تقبل شهادة الشهود بحال ، لأن الواقع – الذي أثبته العلم الرياضي القطعي – يكذبهم ، بل في هذه الحالة لا يطلب ترائي الهلال من الناس أصلاً ، ولا تفتح المحاكم الشرعية ولا دور الفتوى أو الشؤون الدينية أبوابها ، لمن يريد أن يدلي بشدة عن رؤية الهلال
هذا ما اقتنعت به وتحدثت عنه في فتاوى ودروس ومحاضرات وبرامج عدة ، ثم شاء الله أن أجده مشروحاً مفصلاً لأحد كبار فقهاء الشافعية ، وهو الإمام تقي الدين السبكي (ت 756 هـ) الذي قالوا عنه : إنه بلغ مرتبة الاجتهاد . فقد ذكر السبكي في فتاواه أن الحساب إذا نفى إمكان الرؤية البصرية فالواجب على القاضي أن يرد شهادة الشهود ، قال : (( لأن الحساب القطعي والشهادة والخبر ظنيان ، والظن لا يعارض القطع ، فضلاً عن أن يقدم عليه )) .
الخاتمة : وفي الختام نذكر الأمور التي تطمئن لها النفس وينشرح لها الصدر وكما يلي :
1 – قول الدكتور عبد المحسن صالح (( والقول الفصل الآن : إما أن نثق في نظم الكون التي جاءت من عند الله ، ونثق في العلم الذي لم ينشأ من فراغ ، بل إظهار لعظمة الله وإبداعه في كل ما خلق فسوى فأتقن فتجلى ، فسار كل شيء وفق نواميس لا خلل فيها ولا فوضى ... وأما أن نركب رؤوسنا ، وتتجمد أفكارنا ولا نساير الزمن ، ومن تجمد في فكره ، أو عاش بزمن غير زمنه ، فقد ركد ... والركود جمود ، والجمود موت والعياذ بالله من جمود لا ناقة لنا فيه ولا جمل .))
2 – قول الأستاذ سعد شعبان : ((إن الشرع لم يحدد الرؤية بالعين ، أو بالعدسة أم المرصد ، وإذا كان لابد ألا يجافي رجال الدين رجال العلم ، فلم لا نطور وسيلة الرؤية اعترافاً منا بأنها واجبة ، وأخذا بأحدث الوسائل لتحقيق الغاية باستخدام آخر ما توصل إليه العقل البشري .))
3 – قول الأستاذ مروان صبحي عريف : ((إذن لابد من وجود شكل من أشكال اللجنة المختصة لتتولى أمر البت في هذه القضية البسيطة السهلة أولاً ، وتجنيب مئات الملايين من المسلمين لعبة الترقب والانتظار التي يعيشونها كل عام باسم الجهل والفهم الخاطئ للدين ثانياً .))
4- قول الشيخ القرضاوي : (( وقد كنت ناديت منذ سنوات بأن نأخذ بالحساب الفلكي القطعي – على الأقل – في النفي ، لا في الإثبات تقليلاً للاختلاف الشاسع الذي يحدث كل سنة في بدء الصيام ، وفي عيد الفطر ، إلى حد يصل إلى ثلاثة أيام بين بعض البلاد الإسلامية وبعضها الآخر . ومعنى الأخذ بالحساب في النفي أن نظل على أثبات الهلال بالرؤية وفقاً لرأي الأكثرين من أهل الفقه في عصرنا ، ولكن إذا نفى الحساب إمكان الرؤية ، وقال : إنها غير ممكنة لأن الهلال لم يولد أصلاً في أي مكان من العالم الإسلامي – كان الواجب ألاً تقبل شهادة الشهود بحال ، لأن الواقع – الذي أثبته العلم الرياضي القطعي – يكذبهم ، بل في هذه الحالة لا يطلب ترائي الهلال من الناس أصلاً ، ولا تفتح المحاكم الشرعية ولا دور الفتوى أو الشؤون الدينية أبوابها ، لمن يريد أن يدلي بشدة عن رؤية الهلال ))

-----------------
- عريف ، مروان صبحي: لماذا لا نحدد شهر رمضان فلكياً ، مقال مجلة العربي ، العدد 540 نوفمبر 2003 ، ص 142
- شعبان ، سعد : هل يعجز المسلمون عن الإتفاق على أؤائل الشهور القمرية ، مقال مجلة العربي ، العدد 282- أيار 1982 ص 48

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

581 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع