العنصرية القاتلة

                                             

                         د. منار الشوربجي

العنصرية القاتلة

في الأيام الأخيرة لعام 2017، ماتت الشابة الأميركية السوداء إريكا غارنر وهي في السابعة والعشرين من عمرها فكان السناتور برني ساندرز، مرشح الرئاسة السابق، من أول من كتبوا ينعونها.

وإريكا غارنر هي ابنة الرجل الذي أدى مقتله على يد شرطة نيويورك إلى انطلاق حركة حياة السود مهمة لآفاق جديدة، حيث كانت آخر كلماته التي نطق بها قبل وفاته بمثابة شعار تم ترجمته لقائمة مطالب. لكن الحياة القصيرة والوفاة المفاجئة لإريكا كانت بمثابة لحظة كاشفة تجسد في ذاتها عبقرية كفاح المرأة السوداء في أميركا ومعاناتها في آن معاً.

فإريكا غارنر كانت قد نقلت إلى المستشفى بعد أن أصيبت بنوبة قلبية توفيت على إثرها. وتركت طفلين أصغرهما عمره أربعة شهور فقط. وحتى ثلاثة أعوام فقط، لم يكن أحد يعرف إريكا. فهي لم تظهر على الساحة إلا بعد مقتل والدها، البائع المتجول الذي كان يبيع السجائر، فهمت قوة من شرطة نيويورك بالقبض عليه.

لكن أحد ضباطها طوّق رقبته من الخلف بقسوة، سمع معها غارنر يقول مرات متكررة "لا أستطيع التنفس". وقد صورت عدسات أحد الهواة اللحظات الأخيرة في حياة الرجل بالصوت والصورة، مما أحدث ضجة كبرى وقتها في عام 2014.

وحين تحرك الشباب السود في حركة حياة السود مهمة بسبب سلسلة الأحداث التي راح ضحيتها سود عزل على يد الشرطة الأميركية، وبدأت بوفاة الفتى مايكل براون في مدينة فيرجسون، كانت إريكا من بين أولئك الشباب.

وقد طالبت الحركة بالعدالة لكل هؤلاء الضحايا. لكن مثل حالات كثيرة سابقة ولاحقة، برأت هيئة المحلفين الضابط الذي كان مسؤولا عن مقتل إريك جارنر، مما رفع من حدة الغضب لدى الشباب وأدى لاشتعال الحركة. وقد ظلت وزارة العدل في الحكومة الفيدرالية، منذ عهد أوباما وحتى اليوم، تدرس قضية غارنر تحديدا وما إذا كان بإمكانها رفع قضيته إلى المحاكم الفيدرالية.

أما حركة الشباب السود، فقد قامت بتحويل كلمات غارنر "لا أستطيع التنفس" إلى خطة عمل. فوفق الحركة فإن السود "لا يمكنهم التنفس" دون فرصة متساوية مع غيرهم من الأميركيين "في هواء خال من التلوث" في المناطق التي يعيشون فيها وحقهم في "تغذية مناسبة" ورعاية صحية وعمل بأجر معقول وإعادة النظر في التمييز الواقع عليهم من خلال النظام الجنائي القضائي.

والشابة إريكا لم يفتها أن تلك الأحداث كلها جرت بينما في السلطة من كان أول أميركي أسود للولايات المتحدة. بل وتولى في إدارته منصب وزير العدل أميركي أسود آخر هو إريك هولدر.

لذلك، كانت إريكا هولدر من الشباب السود الذين وجهوا انتقادات لاذعة لأوباما بخصوص سجله المتعلق بالحقوق المدنية. وحين حانت لحظة الانتخابات الرئاسية لعام 2016، رفضت إريكا علنا دعم هيلارى كلينتون وناصرت بدلا منها السناتور برني ساندرز الذي نافسها على ترشيح الحزب الديمقراطي.

وكانت إريكا تظهر مع ساندرز في مؤتمراته الانتخابية أحيانا، وتقوم بعمل طوعي لحساب حملته داعية غير البيض لمنحه أصواتهم. وقد نعاها ساندرز عبر حسابه الخاص على "تويتر" قائلا إنه "شرُف" بمعرفة إريكا عن كثب، ووصفها بأنها كانت "شابة فذة" مضيفا أنها "لم تسع لأن تكون ناشطة" وإنما اضطرت لذلك كرد فعل "لمأساتها الشخصية" حين فقدت والدها.

وإريكا غارنر بالفعل لم تسع إلى الشهرة وإنما فرضت عليها فرضاً. فهي حين كتبت لصحف كبرى كانت تطالب بالعدل للسود لا لوالدها وحده، وحين ظهرت على الشاشات كانت تحذر من الباحثين عن الشهرة بينما باقي السود يعانون القهر والتمييز.

لكن حياة الشابة إريكا تجسد أيضا معاناة المرأة السوداء. فقد كانت الفتاة الفقيرة ترعى أطفالها وتجتهد للإنفاق عليهم، وفي الوقت ذاته كانت توجد الوقت والطاقة للعمل من أجل قضايا السود. وهي مسألة بالغة الصعوبة خصوصا بالنسبة للفقراء الذين يعملون في أكثر من وظيفة بسيطة لسد الرمق.

وهي كلها ضغوط يبدو أن جسدها لم يتحملها. فالنوبة القلبية التي ماتت على إثرها لم تكن الأولى، مما يشير إلى أنها ربما نتجت عما صار يعرف "بضغوط العنصرية" الجسدية والنفسية التي يتعرض لها السود عموماً، والمرأة السوداء تحديداً.

فالمرأة هي التي يقع عليها العبء الأكبر حينما يتم القبض على رب العائلة، كما جرى لوالدها عشرات المرات طوال حياته، أو حين يتم قتله كما جرى مع أبيها أيضا. فهي عندئذ ألتي تتولى رعاية الأسرة وإيجاد مورد رزق بل وتدبير أموال لرحلة المثول أمام القضاء.

واللافت أيضا أنه ليس معروفا ما إذا كانت وفاتها مرتبطة بمضاعفات ناتجة عن الحمل والوضع. فوفق الإحصاءات الرسمية الأميركية، فإن المرأة السوداء معرضة للوفاة بسبب مثل تلك المضاعفات بنسبة تزيد 12 مرة عن المرأة البيضاء.

قصة إريكا غارنر تحكي في سطور قليلة كيف يمكن للعنصرية أن تقتل البشر.

 

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

942 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع