"رجل بلا ماضي"(٢٠٠٢) للمخرج الفنلندي "آكي كوريسماكي":

                                             

                          مهند النابلسي

"رجل بلا ماضي"(2002) للمخرج الفنلندي "آكي كوريسماكي":
رؤيا درامية "تهريجية" فريدة للواقع الفنلندي!

                 

أتحفنا نادي شومان السينمائي بتقديم هذه التحفة السينمائية، التي تعتبر الجزء الثاني من ثلاثية المخرج الفنلندي الشهير "آكي كوريسماكي"، حيث يتابع هنا قصة رجل يصل متاخرا لهيلسنكي بالقطار، وبعد أن ينام على كرسي في منتزه "كايسانيمي" الشهير، تقوم مجموعة من الزعران الأشرار بالاعتداء عليه وسرقته وضربه بشكل مبرح حتى يفقد ذاكرته واسمه وأي شيء من ماضيه، كما لا يتمكن من العثورعلى عمل او شقة، مما يجبره للعيش مشردا بضواحي المدينة الفقيرة وعشوائياتها والحاويات المعدنية القذرة، محاولا ببطء استرجاع حياته...الفيلم يستند لسينما المؤلف التي تعتمد على القصة والسيناريو والاخراج، وهو من بطولة كل من "ماركو بيلتولا وكاتي اوتينين وأنيكي تاهتي"، كما يعجز بطلنا عن تزويد السلطات بأية معلومات مفيدة، ولا يملك أية وسيلة شرعية لاسترجاع حياته، مضطرا للعيش في مجتمع المشردين المتضامن، حيث يستأجر بيتا قذرا مكونا من حاوية معدنية توفي صاحبها الاصلي، ثم يلتقي بالصدفة بعاملة الانقاذ ايرما (كاتي كوتنن)، ويقع بحبها تدريجيا، بعد أن تتبناه عائلة صغيرة لطيفة وتنقذه وتوفر له الرعاية الصحية والمأوى والمأكل، ثم يسعى جاهدا لاعادة بناء حياته واسترجاع ذكرياته، ويكون صداقات جديدة ويجد عملا يلائم خبراته ومؤهلاته كعامل لحام معادن...نال هذا الفيلم الرائع ثمان عشرة جائزة سينمائية دولية مختلفة، وعشرون ترشيحا لجوائز هامة منها الاوسكار كأفضل فيلم اجنبي.
انه بمثابة "كوميديا تهريجية هادئة" حافلة بالمرح والطرافة تدغدغ الأحاسيس بالحد الأدنى من التعبيرات والاشارات والايماءآت، فيلم ممتع ينفذ لداخل جلد المشاهد الحساس ويجعله "يشعر بالرضى العميق دون أن يعرف لماذا"(كما قال أحدالنقاد)؟ كما يغوص في قصص الفقراء والمهمشين بلا ميلودراما وزعيق وعواطف وتعالي، ومع كم كبير مما يسمى "الفكاهة الشريرة"، متحدثا بمجاز وذكاءعن بدائل العولمة وممارسات الفساد والبيروقراطية والقيم الطوباوية لمجتمع حر بلا ضوابط...يتميز هذا الشريط عن أفلام المغامرات الشيقة بالتماسك الداخلي المحكم من حيث المكونات السينمائية كنمط السرد والتصوير البصري والألوان والسلوكيات البشرية، حيث يتحفنا بمشاهد بائسة لسكك حديدية صدئة وحاويات معدنية حقيرة حيث يسكن المضطهدين، ويبحث ببساطة عن الألوان والمفاجآت والفرح في أوساط عشوائيات هيلسنكي البائسة، كما يغوص في السلوكيات البيروقراطية العقيمة والشخصيات الطريفة باسلوب سرد بطيء وممتع ربما حزين ورومانسي احيانا، يحمل نكهة واقعية لا تنسى، يخلط الدراما بالهزل والتهريج المعبر، باحثا عن معنى الحياة، مسلطا الأضواء على نمط الحياة والثقافة المحلية... ويطرح تساؤلات عن معنى التغيير بالحياة وبارتباطنا كبشر تائهين بثلاثية الزمان الأزلية (الماضي والحاضر والمستقبل) بالرغم من عدم تعمقه بثيمة "فقدان الذاكرة" كبعد فلسفي، ومع شخصيات تضج بالحياة والطرافة والغرابة وذات بعد انساني صادق وعميق، مرح ومتألق ومقنع بالرغم من الغرابة في سياق حوارات شيقة ومثيرة للاهتمام مضحكة ومحزنة في تناوب ايقاعي جذاب.
حيثيات القصة المدهشة
يحفل هذا الفيلم الجميل بمشاهد كوميدية لافتة تنبع من طرافة الأحداث والمواقف، تستهل بمنظر بطلنا "المسكين ماركو" العجائبي وهو يجرقدميه لحمامات محطة القطارات بعد أن ضرب بضراوة حتى فقد وعيه ونزفت منه الدماء وارتج دماغه وكسرت أضلاعه ثم وضع الأشرار "قناعا معدنيا" فوق وجهه امعانا بالاستهتار والسخرية...ثم نسمع حوارا طريفا بين طبيب الطوارىء العجوز المعالج والممرضة، يتحدث فيه الطبيب بلامبالاة وتهكم عن حالته الخطرة وامكانية وفاته لخطورة حالته الميؤوس منها، ثم نراه فجأة وبعد مغادرة الممرضة يستيقظ مثل "الزومبي" ويصلح ويعدل بحركة سريعة أنفه المكسور مصدرا صوتا كرتونيا طريفا،
قبل ان يغادر بعجالة المستشفى هاربا متوجها لضواحي هيلسنكي الفقيرة...ثم نرى مشردا عجوزا ينزع عنه "جزمتيه الطويلتين"مستبدلهما بحذائه البالي، ثم لنرى طفلين طريفين يركضان ويستغيثان بابيهما لانقاذه، ثم لتحتضنه هذه الاسرة الكريمة اللطيفة الفقيرة وترعاه بالعلاج والمأكل حتى تعود له عافيته...هذا الشخص المجهول الذي يتوجب عليه ان يبدأ حياته من الصفر، يتمتع بوسامة وجامد القسمات، يبدو سلوكه مضحك وحزين في آن واحد، بلا اسم ولا ذاكرة يعتمد فقط على شكله وحظه وعطف الغرباء، يشق طريقه بين البائسين والمشردين ويلقى التعاطف من جيرانهم ومن ضمنهم حارس الأمن الانتهازي الصارم، ثم يذهب لجيش الخلاص ليتلقى الوجبات والملبس، ويلتقي بالضابطة الرائعة المتعاطفة ايرما (كاتي كوتنين)، وهي نفسها كانت قد مثلت بفيلم كوريسماكي السابق "السحب المتحركة"(1996) حيث فقدت هي وزوجها وظائفهم وواجها الفقر والعوز بهدؤ وتماسك، التي تقدم له هنا العطف والحنان، تملك هذه الممثلة وجها معبرا قادرا على البوح بالفرح الصغير والأمل وسط البؤس والخراب والمعاناة، كما نرى التأثير الايجابي للموسيقى والغناء الرومانسي الجميل و"الروك آن رول" في عدة مشاهد مؤثرة ...ونلاحظ الطرافة والغرابة بودية الكلبة "هانيبال" التي لم تنبح مرة واحدة، بالرغم من لجؤ صاحبها للتحذير من بطشها "اذا لم تدفع ماعليك فستقوم بعض انفك ونزعه من وجهك"، وبدت كأنها تمثل دورها!
كما يتحدث الفيلم بقسوة عن انهيار طبقة أصحاب الأعمال الصغار الشرفاء الجدد، عندما يتم تجميد أموال رجل أعمال مجهول ويضطر عنوة لسحب امواله من البنك، مستخدما بندقية وأثناء تواجد بطلنا البائس بالصدفة بالبنك، وحيث تتهمه الشرطة بالتواطؤ لتسهيل السرقة بعد أن يهرب رجل الأعمال، ثم تتم براءته بعد ان ترسل له صديقته الوفية محامي مخضرم طريف ينقذه بالحجج القانونية المملة ثم يهديه سيجارا فخما، محذرا اياه من التورط مستقبلا، ثم نلاحظ ان طيبة بطلنا اللافتة تستدرج رجل الأعمال لاحقا لكي يوكله بتوزيع حصص مالية بواسطة مظاريف مغلقة على العمال البائسين اللذين عملوا معه ولم يتمكن من دفع مستحقاتهم، ثم نسمع طلقة انتحار رجل الأعمال النزيه المفلس...ونرى صاحبنا "ماركو" وهو يعود خائبا بالقطار من رحلته لزيارة زوجته السابقة او مطلقته، نراه يستمتع بوجبة سوشي فاخرة وساكي، متأملا السيجار الفاخر...تقول له زوجته السابقة التي لم تبدو سعيدة برؤياه ثانية وبدت وكأنها تتحدث عن ماضي تم نسيانه وتجاهله:"لقد كنت تفقد ممتلكاتك وتراهن عليها، لأنك كنت مدمنا على القمار ولعب الورق"! كما بدت سعيدة وهي تعيش الآن مطلقة وبكنف رجل جديد، ويشعر الرجلان أن لا ضرورة أبدا للمنافسة والقتال، وخاصة مع انتهاء اجراءآت الطلاق بينهما (أي ماركو وزوجته)!
معظم شخصيات هذا الشريط الشيق لا تبتسم كثيرا بل تبدو ساخرة وتقوم بالايماءآت وتمارس التدخين والتفكير والتأمل وتتوقع الأسوأ دوما...ولكنها متفائلة وتضج بالفرح والمرح والأمل الداخلي الكتوم متحدية ظروف الحياة وبؤس الحالة المعيشية وعبثية الوجود الانساني!
يبقى أن اتطرق للمشاهد اللافتة في آخرالشريط التي ترينا نفس أفراد العصابة التي اعتدت عليه، وقد انتهوا من جديد من ضرب ضحية جديدة بنفس الطريقة العنيفة بعد ان سرقوه، وفيما يتقدمون ثانية للاجهار على بطلنا "ماركو" نراه فجأة يتحلى بالشجاعة لمواجهتهم بجرأة، ثم نرى جموع المشردين يتقدمون ببسالة لمواجهة الأشرار وتلقينهم درسا هذه المرة، فيما نرى نقيب الشرطة اللامبالي وصاحبنا يحاولان انقاذ الرجل المسن المضروب لأن سيارة الاسعاف "تأتي متاخرة دائما" كما يقول ضابط الأمن الذي لا يتدخل في العراك القائم وكأن الأمر لا يعنيه بتاتا!

اكتشاف تيمة الاخلاص في الفيلم الفنلندي : " أضواء في الغسق " !
كما أتحفنا نادي شومان السينمائي سابقا كعادته بعرض الفيلم الرائع "أجواء في الغسق" (الذي ترشح للسعفة الذهبية في مهرجان كان/ 2006) لنفس المخرج الفنلندي "أكي كيروسماكي "، حيث يراهن رجل الأعمال الشرير على سذاجة وبراءة الحارس الليلي المسكين "كويستينين"، وانجذابه العاطفي لشقراء ماكرة لكي ينفذ جريمة سرقة كبيرة لمحل مجوهرات ، فعندما تسأله الفتاة ( المأجورة ) فيما اذا كانت ستنجو من تهمة المشاركة بالسرقة ، يجيبها بثقة لافتة :" تكمن عبقريتي بمعرفتي لشخصية الحارس المخلصة والرومانسية ، لذا فهو لن يشي بك أبدا وسيتحمل كامل المسؤولية ! "، وهذه النقطة تحديدا التي ترسم سينايو الحبكة السينمائية، تغافل عنها معظم نقاد الفيلم، وهي باعتقادي النقطة المحورية في هذا الشريط السينمائي المميز، لأن مسار الأحداث كله كان سيأخذ منحى آخر لو قام الحارس الليلي بالوشاية وقول الحقيقة ( كما يتوقع المشاهد )، حتى انه لم يخبر الشرطة عندما شاهدها (من خلال المرآة )وهي تدس المفاتيح وعينة من المجوهرات تحت الوسادة في أريكة منزله، وذلك امعانا في توجيه تهمة السرقة له ! في الخلاصة فالتركيز والانصات يقودنا هنا لاكتشاف تيمة الفيلم الحقيقية، التي تركز على عنصر "الاخلاص" ، فأيلا البائعة المتجولة مخلصة في حبها الاحادي لكويستينين، وهذا الأخير بدوره مخلص في حبه الاحادي ايضا للماكرة الشقراء ميرجا ( بالرغم من كشفه لها ) ، وهو كذلك والفتى الافريقي البائس مخلصان في تعاطفهما مع الكلب المشرد ( مغزى وجود الكلب كحيوان معروف باخلاصه الشديد لصاحبه ! )، وقد لاقى كويستينين الضرب والسجن لسنتين اخلاصا لحبه وسمو اخلاقه، لقد برع بالحق كيروسماكي بكتابة واخراج وتصوير هذا الشريط المميز، وكاد ان يتماهى مع عبقرية المخرج البريطاني الشهير الراحل ألفريد هيتشكوك، الذي برع بهذا النوع من السرد: عندما يدان البريء المخلص وينجو الفاعل، بل تجاوزه برسمه لأجواء الوحدة والعزلة والتهميش والاقصاء التي عانى منها الحارس الليلي، ومع ذلك فقد شدنا بالتصوير الآخاذ والموسيقى والأغاني الرومانسية الحزينة لكي ندخل في حياته ونتعاطف مع رغباته وكفاحه وحبه للحياة بالرغم من معاكسة القدر له وسؤ طالعه!
مهند النابلسي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

883 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع