المقهى الاجتماعي لوودي آلن (٢٠١٦):

                                                  

                             مهند النابلسي

المقهى الاجتماعي لوودي آلن (2016):
الحنين الجارف لثلاثينات نيويورك وهوليوود...

     
  دراما كوميدية - رومانسية من تأليف واخراج "وودي آلن"، ومن بطولة كل من جيني برلين، ستيف كاريل، جيسي أبسنبيرج، بلاك ليفلي، باركر بوسي وكريستين ستيوارت، كوري ستول وكين ستون...تتعلق الحبكة اللافتة بشاب يتنقل في الثلاثينات لمدينة لوس أنجلوس،  ويقع بحب مساعدة خاله "السكرتيرة الموهوبة"،  تم عرض الفيلم في افتتاح مهرجان كان(بماي 2016)، ولاقى ثناء نقديا وجنى حوالي ال 23 مليون دولار.
تفاصيل الحبكة:
 "بوبي دورفمان" (جيسي أيسنبيرغ) هو الابن الأصغر لعائلة يهودية كانت تعيش بثلاثينات القرن الماضي، وشقيقته الكبرى "ايفلين" متزوجة من معلم مدرسة، بينما يعمل شقيقه الأكبر "بين" كرجل عصابة متنفذ...ولأن علاقته مع والده الجواهري منقطعة وضعيفة، فيقرر بوبي الانتقال لهوليوود للعمل مع خاله "فيل" (ستيف كاريل)، الذي يعمل بدوره كوكيل متنفذ لشركة سينمائية شهيرة، ويقوم هذا الأخير بتقديمه وتعريفه على سكرتيرته "فيرونيكا فوني" (كريستين ستيوارت)، التي تساعده للاستقرار في هوليوود، حيث يقع بحبها، ولكنها تخبره بضداقتها لصحفي اسمه "دوغ"، وفي حقيقة الأمر فدوغ هذا ما هو الا عمه "فيل" الذي يعشقها بدوره، والذي يعدها بتطليق زوجته والاقتران منها.
في ذكرى لقاءهما الأول، تعطي فوني فيل رسالة موقعة من "رودولف فالنتينو" كهدية، فيما يخبرها فيل أنه غير مؤهل حاليا لطلاق زوجته، وهكذا تنتهي علاقتهما...ثم تقع فوني تلقائيا بغرام بوبي، ويباشران بالمواعدة، ولكن فيل يثق ببوبي ويخبره بقصة عشقه، ثم يذكر له بوبي علاقته مع فوني وبرغبته بالتقدم للزواج منها والعودة معا لنيويورك...ويستمر فيل باغراء فوني بلا كلل وتحريضها لترك بوبي والزواج منه...وأثناء الحديث مع فيل في مكتبه، يلاحظ بوبي "رسالة فالنتينو"، ويميز انها مهداة من فوني، فيواجه فوني بصراحة لكي تختار نهائيا بينه وبين فيل، فتختار فوني فيل بلا تردد!  
ثم يعود بوبي محطم القلب الى نيويورك، حيث يبدأ عملا اداريا في النادي الليلي الذي يملكه شقيقه رجل العصابات "بين" (كوري ستول)، ويصبح النادي بؤرة التقاء جذابة للسياسيين  والزعران المتنفذين (جانجسترز)، ويحدث ان يلتقي بوبي بالصدفة مع المطلقة فيرونيكا هاييس (بلاك ليفلي) ويبدءآن بالمواعدة، ثم يتزوجان وينشآن عائلة...وخلال زيارة طويلة لنيويورك، يتوقف الزوجان السعيدان "فيل وفوني" في النادي الليلي، ويصران على رؤية بوبي، ولا يبدو بوبي متاثرا من تغير شخصية فوني، ولكنهما ينجذبان ثانية لبعضهما البعض أثناء زيارتهما لمدينة نيويورك، ويتبادلان قبلة اثناء تجوالهما في السنترال بارك (الحديقة المركزية الشهيرة).
تحفة سينمائية اجتماعية:
هذه هي قصة فيلم "وودي آلن" الأخير، التي صورها "فيتوريو ستورارو"                                            ببراعة تنبض بالحنين للثلاثينات الذهبية في نيويورك وهوليوود كما يبدو من اسمها المعبر: "المقهى الاجتماعي" فهي تفوح بالحلاوة  والحزن  والجاذبية والقسوة والجمال المشهدي، وتكاد تجذبك للعيش داخل أحداث الحكاية، التي تحمل باختصار كل بصمات "وودي آلن" المعروفة فيما يتعلق بمسار القدر ضد رغبات الأفراد التائهين، كما تشير لاداء رائع للبطلين "كريستين ستيوارت وجيسي أبسنبرغ"، وتفوح بالذكاء والجاذبية، يكفي ان نتأمل المشهد الأخير للبطل الذي تحطم قلبه بعد ان خابت آمال الحب ، والذي تماثل لحد بعيد مع اسلوب "بوغارت" الكاريزمي...ويمكن تلخيص مضمون القصة في ثلاث حركات متتابعة: مراهق وقع بالحب ونضج ثم توهم أنه يحب ثم انتهى بزواج خاطىء! أبدع أيزنبيرغ بدور الفتى بوبي الذي ترعرع ونشأ في حي برونكس اليهودي، والذي سام من العمل لمصلحة أبيه الجواهري المحنك (كين ستون)، وبدا كشخصية متوترة رومانسية  وطموحة، وكأنه يسترجع شخصية "آلن" ذاته في شبابه، ونتذكر ذلك من الصوت العتيق للراوي الذي يستعرض القصة بروية وشغف. يذهب بوبي لهوليوود ثانية لتدبر له امه علاقة جديدة مع شقيقها المتنفذ فيل، ليجد له عملا...
مزيج تكاملي من الأفلام السابقة:
 حيث أنه يعج بثيمات: الحياة، الفرص، الحب، الشعور بالذنب، فيما تقول والدة بوبي له: "عليك أن تعيش كل يوم كما لو انه يومك الأخير في الحياة"، بينما لا يتقيد ألن شخصيا بهذه النصيحة، بل ينجز كل فيلم جديد له كما لو انه الفيلم الأول، واضعا فيه الكثير من الذكاء السردي والقليل من التشتت الذي يشد الانتباه، كما يستخدم الطرافة والنكت الخفية كالبهارات هنا وهناك...تذكرنا بعض مشاهد الفيلم بتحفة "مانهاتن" الشهيرة، وكانه يجري استعراضا سياحيا لجماليات مدينة نيويورك يتضمن عناصر التسلية والادهاش، بدا "أيسنبيرغ" قويا بدوره كبوبي، متقمصا ثلاث شخصيات معا "كولد ومراهق ورجل"، كما بدت "ستيوارت" مغرية وجذابة بشخصية فوني الباردة والحساسة، وتنقلنا القصة ما بين لوس أنجلوس المشمسة  لنيويورك، والشريط بمجمله يقدم لنا حكاية محبطة لقصة حب رومانسية آخاذة تتراوح ما بين "الرغبة والعذاب والتردد" وقد تماثلت لحد ما مع منهجية فيلم "غاتسبي العظيم" مع الاختلاف الكبير بمسار الأحداث، حيث يلعب هنا "آلن" نفسه دور الراوي وكأنه يوثق لنا قصة حب حقيقية وقعت في ثلاثينات القرن الماضي، وكان ربما شاهدا عليها او ربما يتحدث عن شبابه. الفيلم مغلف بغزارة  بالألحان الرومانسية الخالدة التي ميزت عقد الثلاثينات في القرن الفائت كما انه يحفل بموسيقى الجاز الرائعة والأغاني "النيويوركية" الكلاسيكية، كما برع مصمم الانتاج بنقلنا لأجواء ذلك العصر.
الدفن بالخرسانة والتركيز على التقاليد اليهودية:
 اما اسلوبه الاخراجي فيعتمد على التركيز المحوري ولا يهتم كثيرا بالشخصيات الثانوية، ويتضمن الشريط بعدا مجازيا فلسفيا قدريا "فالحياة بلا معنى" في المحصلة كما يقول "سقراط"، ويشير لقساوة القدر ولؤم الزمان، كما يتحدث صراحة عن الشخصية اليهودية والترابط العائلي، ولنظافة الأكل، ولاندهاش البطل من كون "العاهرة الزائرة لغرفته" يهودية حتى انه يعفيها من المهمة ويمنحها العشرين دولارا بلا مقابل، مندهشا من اقدامها على هذا العمل المعيب...أما شخصية "الجانغستر" خاله صاحب النادي الليلي فهي الأطرف بالرغم من قسوتها واجرامها، حيث تعود منذ البداية على ممارسة العنف الشارعي والاغتيال والقتل باسلوب بالغ القسوة يتمثل بدفن الضحايا في صبات الخرسانة ولأوهى الأسباب، حتى يتم اكتشاف أمره أخيرا بعد أن أقدم على اغتيال حارس ليلي لمجرد انه ازعج شقيقته وزوجها المدرس برفع صوت المذياع في شقته المجاورة، ثم نرى الخال يحاكم بتهم القتل المتعددة، ولا يفلح أذكى المحامين في انقاذه من الكرسي الكهربائي، والأغرب أننا نراه في المشاهد الأخيرة  وهو يتلقى دروسا من كاهن مسيحي مصرا على اعتناق المسيحية قبيل اعدامه، لأن اليهودية حسب قوله "لا تؤمن بالحياة بعد الموت" ولأنه يريد أن يحظى بحياة اخرى بعد موته (وهذه بالحق معلومة جديدة بالنسبة لي وربما بالنسبة للعديد من القراء الكرام)...يوجه الفيلم نقدا لاذعا للطبقات الراقية والشخصيات الهوليوودية المتبجحة، وينعتها "مجازا" بالسخافة والسطحية وحب الشهرة والمال وبالثرثرة والاستغابة، حتى انه يبالغ بهذا التنميط، وبالمقابل فهو يركز على "الأنا اليهودية" وعلى شخصية البطل بحيث تطغى على كل ما عداها من شخصيات وأحداث وتفاعلات، اما المشهد الأخير اللافت الطويل (حوالي ال 45 دقيقة) فهو يحفل بالدلالات، وبدا وكأنه يقرأ من الورق!
مهند النابلسي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

857 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع