مثقفو التزييف: مكائدهم وخطرهم

                                                 

                            بشار الزبيدي

مثقفو التزييف: مكائدهم وخطرهم

يشهد مجتمعنا العراقي هزات ثقافية مستمرة تختلف درجات قوتها من فترة الى أخرى, منها الفترة الاخيرة التي أنتجت شخوص يتمتعون بمناصب ومراتب هامة ويسوقون على انهم نخب متمدنة وهم عكس ذلك تماماَ وبلا شك ان احتكار الفضاء الثقافي بهذه الطريقة العنجهية يعزز عملية تجزئته وإِعطابه وإخضاعه بالكامل لأيديولوجيات مٌنحرفة ومحو اصالة ثقافتنا التي تعبر عن الإنسان العراقي مكانا وزمانا.
ومما تجدر الاشارة اليه هو ان المنافسة بين المثقفين والمزيفين صراع دائم مستمر كصراع النحل المسالم المُنتج مع الدبابير الانتهازية المُخربة وحينما تميل الكفة لأصحاب الزيف فنحن نواجه هنا عملية تعرية ثقافية خطيرة لا يمكن كبحها ألا عبر يقظة ثقافية جريئة متماسكة من قبل التنويريين, فمن يستحوذ على مفاصل الثقافة بالتزوير قادر على هدم كل عمران ثقافي جميل.
ان المثقفين الحقيقيين هم من يقفون عند القيم الاخلاقية اتجاه مجتمعاتهم ولا يبنون افكارهم وفق مخططاتهم ومصالحهم الخاصة ويرفضون التسيير والامتثالية. ويبدوا ان كتاب الكاتب الفرنسي باسكال بونيفاس بعنوان "المثقفون المزيفون" والذي هاجم به مثقفو التزييف وكيف يصنعهم وينفخهم الاعلام هو مثال جميل على ما يحدث من تزييف ثقافي مُتعمد في مجتمعنا من قبل مواقع المسؤولية حيث ان اليوم السلطة وكثير من المؤسسات المسيسة ترى في المثقف الوطني عنصر خطر اتجاه تطلعاتها وكي لا تُتهم بأنها تهمش المثقفين تقوم بصناعة مثقفين فارغين والإجهاز على بعض المثقفين وإخضاعهم للسلطة (مثقفي التبويق للسلطة) تؤمن بهم سطوتها وهذا الامر يؤدي بطبيعة الحال الى اختزال وتسطيح ثقافة المجتمع القويمة واستبدالها بثقافة اخرى فاسدة.
المضللين ثقافيا باتوا اليوم منتشرين مثل العناكب في كل زاوية يراوغون ويتلونون من اجل الظفر باللمعان ألاجتماعي, يتقمصون دور المثقف النبيل وينسبون أنفسهم الى الانتلجنسيا, رغم ان اطاريحهم خائرة بائسة كما انهم لا يمتلكون أي منظومة أخلاقية ثقافية فهم يعيشون كل انواع النفاق وليس لديهم مهنة سوى ان يتلفعوا بسماجة بثياب الثقافة, يمتلكون اكثر من صفة وسلوك لذا يشقون طريقهم بين الزخم وينطلقوا في مهمة مداهنة الناس عبر وسائل وضيعة.
نعم هكذا هم مثقفو التزييف دقوا مساميرهم الانتهازية الغليظة وتجاوزوا مبادئ الثقافة وهم بدون ادنى شك سبب لكثير من المشاكل السياسية والاجتماعية التي تعصف بنا لأنهم نعموا بأدوار ليسوا مؤهلين لها وفازوا بألقاب لم يحصل عليها المثقفين البارعين وهم بنفسهم يجهلون ادوارهم المصطنعة ويعرفون حجمهم تماماَ لكن مشهدهم التمثيلي يحتم عليهم مواصلة الخديعة فهم على الاغلب يسيرون وفق مخطط مرسوم لهم سلفا وان تمردهم يزداد بزيادة الصمت عنهم وعدم فضح اكاذيبهم , وان الحراك الثقافي هو وحده من قادر على ابطال اهدافهم الخبيثة.
هذه الطفرات الضخمة التي نعم بها المتصيدين في نهر الثقافة هي طعنة نجلاء لجسد ثقافتنا المنهمكة بعديد المشاكل كما هي استغلال واضح لمفاهيمها ونيل من الحقائق وخبث ممنهج لتعويض نقصهم وعجزهم عن اللحاق بمن يفوقهم علماَ وأخلاقا لذا فهم يشكلون اليوم تهديداَ صريحاَ للساحة الثقافية فكل فريق منهم يدافع عن ايدلوجياته الخاصة ويسعى لتطبيقها ومن هذا المنطلق نحن مهددون بفوضى ثقافية غير خلاقة غير منتهية الصلاحية لا تنتهي إلا اذا شهر رواد الثقافة مقاص تشذيبهم وقص جذور مثقفي الشذوذ عبر اقامة ندوات مكثفة او نشر كتب توضح للقراء خطرهم وكشف اعوجاجهم الفاضح.
ان ظهور مثقفو التزييف على الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي باستمرارية شوه اليوم عديد الامور وجعل الكثير ينجر ورائهم وينخدع بكلماتهم المعسولة وأثر عميقاَ في توجهات الرأي العام حتى اختلط علينا الحابل بالنابل فلم نعد نعرف من هو المثقف الحقيقي الذي سخر حياته لمجتمعه ووطنه ولم نعد نعرف من هو المثقف المشتبك الذي يقف في المنتصف ويناضل ضد التصحر الثقافي ومن هو المُحتال الذي يمارس التزييف على حساب وطنه وشعبه حتى اصبح المشهد شديد القتامة تائه بين مطرقة التزييف وسندان الصمت والغموض وهكذا صارت المنابر الثقافية ووسائل الاعلام مرتع لكل ناعق ولكل من هب ودب بلا حسيب ولا رقيب.
اضحى المتشدقين بالثقافة يمررون خدعهم بسهولة في ظل غياب دور المثقفين شبه التام, وان كانت السلطة لم تعد تهتم بالمثقفين العظماء الشأن, فيتوجب على المثقفين الاصلاء أن يُناهضوا أعدائهم دفاعاً عن أنفسهم ومبادئهم الثقافية وكل ما يسيء للثقافة بشكلها العام وفضح كل مثقف مزيف ومواجهة مشاكل مجتمعاتهم بشجاعة وجرأة فلا يجب ان يكتفوا بالصمت والتنظير فهذه مسؤوليتهم الدائمة, اذ يقول الفيلسوف نعوم تشومسكي بهذا الصدد: «أن مسؤولية المثقفين هي اظهار الحقائق وكشف الأكاذيب  » للأسف لم نشاهد الى اليوم مبادرات جادة قوية تفضح مثقفو التزييف وإسقاط ورقة التوت التي تستر زيفهم وتضع حدا لتمردهم وللأقلام التي انزلقت بتمجيدهم.
كما على المجتمع ان يدرك خطورة تغلغل هذه القنافذ البشرية التي تجيد لعبة الاختباء والظهور فهم يشكلون عائق كبير امام خصوبة الحقل الثقافي ويضفون عليه المزيد من الضبابية , والجمهور الحريص مطالب ايضا بأن لا يبخل بسماع صوت الدعوات التي تدعوا لنسف كل ما يؤسس لثقافة هجينة يتم تسيرها من قبل الميكافيليون المؤمنون بأن الغاية تبرر الوسيلة وان البقاء للأقوى والأكثر وتزييفا, وفي ظل الهرج والمرج السياسي الذي نعيشه, نحن بحاجة لعملية غربلة وتشخيص دقيق لسحب البساط من تحت اقدام الانتهازيين وإجهاض خطر الانفلات الثقافي الذي لا يأتي سوى بالمزيد من المآزق والشروخ العميقة على مجتمعاتنا وان الخروج من شرنقة هذا التجريف الثقافي الذي يعصف بنا يتطلب جهداَ وسعي حثيث من قبل النهضويين عدا ذلك فأن ترك الحبل على الغارب للمزيفين هو اعتراف واستسلام صريح بأن ثقافتنا قد اصابها التصدع والأفول ولم تعد قادرة على مواجهة مكر خصومها.

        

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

935 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع