أعطني الباراشوت

                                                    

                            خالد القشطيني

أعطني الباراشوت 

بعد أن طرده الألمان من ديارهم لأفكاره الثورية، لم يستطع كارل ماركس أن يجد بلداً واحداً يأويه غير إنجلترا. وهناك عاش على صدقات المحسنين. كان لا يعود للبيت إلا ووجد الدائنين من البقالين والجزارين يطالبونه بتسديد ديونه.

 كان مشغولاً عنهم بكتابة كتابه الخطير «رأس المال». عاشت أسرته في فقر مريع إلى حد أن قالت له زوجته يوماً: «أما آن الوقت لتتوقف من الكتابة عن رأس المال وتعمل لنا شيئاً من رأس المال نعيش عليه؟». بلغ الفقر والمرض في أسرته أنه عندما توفيت ابنته الصغيرة، اضطر للاستدانة من جيرانه جنيهين ليشتري بهما كفناً لها.

كان مشغولاً طوال الوقت في مكتبة المتحف البريطاني يبحث في الاقتصاد الرأسمالي في جلسات طويلة، أورثته دمامل في مؤخرته. وعندما أوشك على نهاية الكتاب اضطر لكتابة الصفحات الأخيرة منه واقفاً بسبب الأوجاع التي كانت هذه الدمامل تسببها له. انتهى من كتابة الأسطر الأخيرة ثم قال: «أرجو أن يتذكر الرأسماليون هذه الدمامل التي تسببوا بها في مؤخرتي».

في المتحف البريطاني، قرأ جل ما سطره الاقتصاديون الآخرون في عصره، فما كان منه غير أن يسخر منهم، واحداً واحداً. قرأ ما كتبه العالم الاقتصادي جرمثي بنثام، فقال عنه إنه كتاب جاف لا بد أن كتبه المؤلف ولسانه من جلد. ووصف رئيس الحكومة البريطانية التي آوته، لورد رسل، بأنه قزم مشوه.

وقرأ كارل ماركس ما كتبه الباحث الاقتصادي البريطاني توماس مالتوس عن كثافة السكان وما سيجر إليه من مجاعات، فوصف نظرية مالتوس بأنها مسبة في حق بني الإنسان. بيد أن كل ما ذكره ماركس من سخريات على العلماء الآخرين لا يكاد يعد بشيء عندما نتذكر كل الطرائف التي قيلت عنه وعن الماركسية.

 قالوا تعرضت طائرة ركاب لعطل يهدد بسقوطها. كان فيها قس مسيحي وحاخام يهودي وفيلسوف ماركسي. خرجت المضيفة وقالت لدينا باراشوت واحد. من منكم يستحق الباراشوت أكثر من غيره؟ تكلم القس فقال: أنا وزعت كذا من الصدقات على المحتاجين، فأنا أحق به. ووقف الحاخام اليهودي وقال: أنا مهاجر في طريقي إلى إسرائيل، فأنا أحق به. ثم وقف الفيلسوف الماركسي وقال: أنا أؤمن بتوزيع كل شيء حسب حاجة الإنسان. من كل حسب مقدرته إلى كل حسب حاجته. وأنا حاجتي لهذه الحياة الدنيا أعظم. أعطني الباراشوت.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

453 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع