مكر التاريخ إذ يفعل في الحاضر

                                                           

                                د.علي محمد فخرو


ظاهرة الجهاد التكفيري العنيف، ممثلة في الوقت الحالي بـ»القاعدة» وفراخها، ستبقى لاعبا رئيسيا في ساحات السياسة والثقافة العربية لسنين طويلة مقبلة. وككل الظواهر المتشابكة المعقدة ستحتاج إلى مزيد من فهم جذورها ومسبباتها كلما طال عليها العهد وزادت مخاطرها.

وحتى الآن تركزت دراسة هذه الظاهرة حول جذورها الفقهية الإسلامية، واستعمالات أصحابها الانتهازية لذلك الفقه في ما يرتكبونه من حماقات خارج العقل وخارج العدل الإلهي. لكن هناك الجانب التاريخي الذي يستحق أن يدرس كتفسير جزئي لهذا البلاء الإرهابي الذي يعم الأرض العربية. ذلك أن التاريخ لا يكشف مدى التطابق والتماثل بين أحداث الحاضر وأحداث الماضي فقط، وإنما يكشف أيضا مدى استمرارية أفكار وثقافات وسلوكيات وهواجس الماضي في واقع الحاضر.
من هنا حاول البعض إجراء ذلك من خلال عمل مقارنة دينية وسياسية بين فكر وممارسات مجمل حراكات الجهاد التكفيري العنفي في حاضرنا وبين فكر وممارسات حركة الخوارج في التاريخ العربي الإسلامي.
إن أهم تشابه هو في أمرين. الأمر الأول هو في الشعار السياسي، الكامن وراء قناع ديني، القائل بأن «لا حكم إلا لله». وهو شعار رفعه الرافضون للتحكيم الشهير في ما بين جيش الإمام علي بن ابي طالب من جهة وجيش معاوية بن أبي سفيان من جهة ثانية. وهو الشعار الذي بقي الأساس والمنطلق لا في بداية تكون حركة الخوارج، بل طيلة عنفوان تواجدها العسكري والسياسي الثوري لعقود طويلة.
إن أخطر ما في ذلك الشعار هو أن الخوارج نصبوا أنفسهم محتكرين وحيدين لتفسير معنى ذلك الشعار، وما يترتب على ذلك التفسير من صراعات سياسية وعسكرية. لقد كان على الجميع قبول قراءتهم للقرآن وتفسيرهم لآياته، وبالتالي قيامهم بالإفتاء وباستنباط الأحكام على ضوء تفاسيرهم تلك.
أليس أساس ومنطلق شعارات الجهاد التكفيري حاليا هو الشعار نفسه، واحتكار تفسيره من قبل اتباع «القاعدة» وأخواتها، وعدم قبول وجهات نظر كل المرجعيات الدينية الكبرى، هو الذي تمارسه قيادات تلك الحركات؟ أليس تغليف الممارسات العسكرية والسياسية تجاه الأبرياء، وتغليف النهب الاقتصادي بالوجه الديني لذلك الشعار هو الذي نراه في ما يسمى بدولة الإسلام؟ ثم أليس رفع شعار «البيعة لله عز وجل»، الذي رفع لتبرير رفض إعطاء البيعة للإمام علي في السابق، هو الشعار نفسه الذي يرفع الآن لرفض كل سلطة حكم في أرض العرب، حتى لو انبثقت عن انتخابات معقولة ونزيهة، كما هو الحال في تونس على سبيل المثال؟
الأمر الثاني هو التشابه في استعمال العنف الهمجي في شتى أشكاله. فمثلما رد الخوارج على عنف الدولة الأموية بعنف تجسد في عمليات انتحارية استهدفت رجالات الأمن وأعوان السلطة من جهة، وطالت مسلمين أبرياء في بعض الأحيان، فإن الجهاد التكفيري يتفنن اليوم في تنفيذ عمليات انتحارية دامية وبشعة بحق الأبرياء من المصلين والمتسوقين والمرتادين للمطاعم والمدارس. وكما تجسد العنف في الماضي في شكل استعراضات علنية بشعة في طرق قتل المخالفين والمترددين، نراه اليوم ممارسا في طول وعرض العالم، من قبل أتباع الجهاد التكفيري العنفي.
ذلك التشابه هو مكر التاريخ إذ يتلاعب بالحاضر ويشوهه. وهو تشابه انتقائي يتبنى الغلو في الدين الذي لا يمكن إلا أن يقود في النهاية إلى عدم فهم الدين.
إلى هنا وينتهي التشابه، وهو تشابه بين المتطرفين والمتعنتين في الماضي والحاضر. فقد كان بين قادة الخوارج أصحاب ورع وزهد، وكان شعورهم بموضوعي الحق والعدل شعورا طاغيا، وكان إصرارهم على إقامة الإمام الصالح بصرف النظر عن نسبه ولونه، من خلال الاختيار والبيعة موقفا سياسيا ودينيا لافتا للنظر، وكانت مقاومتهم لظلم بعض الحكم الأموي ثورية ومحقة، وكان فهمهم لبعض الجوانب الفقهية أفضل من فهم الآخرين، وككل الحراكات الكبرى في التاريخ انقسموا مع مرور الوقت إلى عدد كبير من الفرق والتوجهات والأفكار والممارسات المتنافرة مع بعضها بعضا، التي فيها الصالح والطالح.
لكننا معنيون بالأفكار والممارسات المتطرفة غير العقلانية التي صبغت حركة الخوارج، خصوصا في مراحل تكونها الأولى، والتي يظهر أنها استمرت عبر القرون في الكمون في ثقافة الأمة الدينية والسياسية، لتظهر الآن إلى العلن في شكل انفجارات هائلة وممارسات بشعة تهدد مستقبل هذه الأمة.
ما نحتاج أن نعيه هو أن ذلك التشابه دليل آخر للحاجة الملحة لمراجعة تفكيكية نقدية للإرث العربي والإسلامي. وهي مهمة بدأها كبار العلماء والمفكرين منذ قرنين، ولازالوا يقومون بها.
لكن ما يحزن هو أن الوصول إلى نهاية تلك المهمة ستطول وتطول في امتدادات مستقبل أمة العرب ووطن العرب ما لم توضع جهود أكبر وأكثر فاعليه في الواقع العربي المتردي.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

323 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع