وأد البطل نهاية جيش وملحمة وطن / الباب الثاني: حروب الهدم البنائي الفصل الرابع: حرب الارهاب الداخلية

  

الباب الثاني: حروب الهدم البنائي
الفصل الرابع: حرب الارهاب الداخلية

 

نظرة عامة

ان محاولة السير باتجاه المناقشة التحليلية لأثر الحروب في عملية الهدم البنيوي "المادي والمعنوي" للجيش وعموم القوات المسلحة، لا يستثني مقاتلة الارهاب، كحرب داخلية، لأن تأثيراتها كانت واضحة، في جوانب المعنويات التي تحدد مستويات الدافعية، وشكل الاداء وتحمل الاعباء. والعلاقات العامة بين العسكريين أنفسهم في مكان تواجدهم، وساحة العمل القتالي، وبينهم من جهة والمدنيين الموجودين في ساحة قتالهم والداعمين لجهودهم في القتال من جهة أخرى. وكذلك فيما يتعلق باستجابات الناس في شارع مليء بظواهر سلبية، وبالجهاز الاداري للدولة التي يحاول الارهاب اختراق جدارها النفسي.
ان الهدم الذي تمت مناقشة عموم جوانبه، يختلف شكل حدوثه، ومجالات الحدوث في الزمن الحالي عنه في الزمن السابق. اذ انه في ذلك الزمن شمل الأعمدة الرئيسية للبناء النفسي والمادي للدولة وقواتها المسلحة، وفي الزمن الحالي، بقيت تلك الاعمدة مهدمة، لم تتح الفرصة الى ترميمها أي اعادة البناء بالشكل المطلوب، واضيف لها معالم هدم تتعلق غالبيتها في الاعاقة القصدية وغير القصدية، لجهود وخطوات اعادة البناء.  
ان الاعاقة بشقيها القصدي والتلقائي، عملية هدم، لا تقل تأثيرات معاولها في بنية القوات المسلحة، عن تلك التي حدثت طوال تسع عقود. يسهل رصد حالتها بشكل أوضح من خلال عرض ومناقشة الاضطراب الحاصل في خطوات الاعداد والتهيئة للتعامل مع الارهاب، المشكلة الأعقد أمام الدولة. هذا النوع من القتال الخاص والمعقد في مجتمع عراقي خاص ومجزأ، تتداخل فيه العوامل، وتتشابك في مجاله العلاقات، وتختلف في دوائره الكتل والجماعات بطريقة أعاقت التهيئة المناسبة، وسهلت في بعض الاحيان عمليات هدم تقترب من ان تكون منظمة وسط قوات مسلحة، بدأت خطوات اعادة تشكيلها من بداية المشوار عام 2003 متلكئة، يتفق الخبراء الاستراتيجيون المعاصرون والقادة العسكريون والسياسيون المتابعون، وعلماء النفس العسكريون، على أهمية تصحيحها أو اكمالها اساسا لتحقيق التفوق والنجاح (23) في حروب طرفها الارهاب.
ان الظروف العامة لعراق ما بعد عام ٢٠٠٣ صعبة، أبقت الجيش والقوات المسلحة التي يفترض ان يكونا درع الدولة الواقي بالضد من أطماع الخارج وعمليات الإرهاب، بعيدين نسبياً عن تحقيق الردع المطلوب، وابقتهما في وضع لم تحظيا فيه بالوقت الكافي والفرص المناسبة لإعادة البناء، واكمال الجاهزية، لم تلقيا الاهتمام الكافي من لدن السياسيين، في السنوات الاولى لما بعد التغيير على أقل تقدير، فكانت اعاقة بكل معنى الكلمة تظافرت في تحقيقها عدة جهات بينها السياسة، وبينها التوازنات الاقليمية والدولية، وبينها الارهاب الجهة الاكثر تأثيرا الى ان يتم تجاوزها بالشكل الصحيح، ستبقى الخطوات الخاصة بإعادة البناء غير وافية، وسيبقى وجودها عامل يقترب من فعل الهدم بقدر كبير.

الاستعدادات المنقوصة

للحرب على الارهاب أهدافها ووسائلها وأدواتها ولها إعداد خاص يستند على عوامل مادية ذكرت آنفا، واخرى نفسية لا يمكن فصل تأثيراتها وتفاعلها عن بعضها البعض، تبين المتابعة لوقائعها في عموم الساحة العراقية ان هناك قصور واضح في جوانب منها، تسبب في حصول اعاقة ملموسة لما يتعلق بتحقيق الاهداف وابطاء خطوات اعادة البناء بينها:
 1. ضعف التهيئة العامة للقتال.
يقصد بها هنا اجراءات الادارة العامة للدولة والمجتمع التي تؤمن التعبئة اللازمة لجهد قتالي مناسب، وحشداً للطاقات المتاحة، لتعزيز القناعات الداعمة لفعل القتال، وتوحيد الهدف النهائي للحرب الذي يتمثل في ادارة على المستوى السوقي "الاستراتيجي" تساعد القيادات على المستوى التعبوي "الميداني" لتكوين وضع نفسي إيجابي بين عموم المواطنين، يعينهم على القبول بالواقع، وتحمل أعباء الخسائر، والضغوط الناتجة عن الحرب. وهذه في السنوات العشر الاولى التي اعقبت التغيير، كانت ضعيفة وغير منسقة، ولم يعيرها أحد اي اهتمام، حتى حق القول انها تكاد ان تكون غير موجودة، وان الكبار في الادارة العامة، لا يقتربون منها في نقاشاتهم القائمة، ولا يضعونها في مشاريعهم المطروحة، فكان وكأنه اهمال غير متعمد، أثر سلباً على تهيئة المجتمع العراقي الى الحرب، وتسبب في:
- ايجاد وضع نفسي عام في مخرجاته اعاقة، قوامها شعور بالملل من احداث القتال، ازدادت شدته بالتدريج.
- احساس بالضجر والابتئاس من ما يجري اتسعت رقعته بالتدريج.
- اهمال في ظروف عمل صعبة، وصراع سياسي حاد، بين الأطراف المشاركة في الادارة العامة، وبينها من جهة وبين قوى الارهاب من جهة أخرى، دفع الى ان يصبح المجتمع ولعدة سنوات حاضن قوي لخلايا الارهاب يمتنع بعض ابناءه عن تأييد الحكومة التي تدير الحرب، وينأون بأنفسهم عن تقديم المساعدة الداعمة للقوات القتالية المنفذة لسياسة الحرب. دفع الى ان يقف الكثيرون من المواطنين على التل، يكتفون بالمشاهدة من بعيد، والى أن يكون العيش في بعض المجتمعات المحلية عامل مساعد على انتاج وتسويق الارهاب. اذ وجد فيه الارهابي الساعي الى تفجير نفسه بين جمع من الناس أو الذي يهجم على تجمهر من الناس، زاداً دسماً للتجنيد الى صفوف أتباعه، ومد التأييد لتوجهاتهم واهدافهم لفترة استمرت عدة سنوات، أضحت قوى الارهاب خلالها نداً الى القوات المسلحة، هدمت بعض أركانها، وأعاقت خطى بنائها.
2. القصور في توحيد مفهوم العدو.
تحشد الدولة في الحروب، كل الحروب طاقاتها لتكوين مفهوم موحد للعدو، تقل في محيط تعريفه الاختلافات بين الجماعات والأفراد للتركيبة الاجتماعية، وبما يحقق اتجاه موحد في التعامل معه أي العدو، وهذا في المجتمع العراقي في العشر سنين التي أعقبت التغيير لم يكن موجوداً، أو ان وجوده ضعيفاً في أحسن الاحوال.
فصفة العدو الارهابي في مناطق مثلث الجزيرة آنذاك، لا تتطابق وصفته في مناطق الوسط والجنوب، والنظرة الى الفعل الارهابي والتعامل مع الارهابيين مختلف بين عمومها، فتحور بسببها الصراع أو نقل من صراع يفترض أن يكون بين المجتمع العام من جهة، وبين قوى الارهاب المقابلة من جهة أخرى، الى تناحر بين الكتل والشرائح والأحزاب، حتى عجز المجتمع وبعض مؤسسات الدولة، لما يزيد عن خمسة أعوام بعد 2005، من تحديد صفة او تعريف الارهابيين. اذ وفي المناطق الغربية مثلاً عاش ارهابيون عرب ومسلمون بين الاهالي لتلك الفترة الزمنية موصوفون بالمجاهدين، لم يتطرق أحد من العوام، الا نادراً الى أنهم ارهابيون، وأكثر من هذا وصفت وفي أحيان ليست قليلة جل أعمالهم في قتال القطعات العسكرية والقوى الأمنية، وتفجيرهم المراكز والمؤسسات الحكومية بالأعمال الجهادية، في الوقت الذي حشد أهالي الجنوب جهدهم للوقوف بالضد من وجودهم موصوفون بالمتسللين الارهابين، وبالضد من أعمالهم التي نعتوها بالكفر. وهكذا استمر الحال في عدة مناطق، وسط وشمال الوسط لعدة سنين، اقتنع بعدها المجتمع المحلي هناك، ان الموجودين، ارهابيين ينفذون أجندات اجنبية، وعملهم يتنافى واعراف العشائر بالمنطقة، ويخالف تعاليم الدين. والى أن حصل هذا الاقتناع كنتيجة للتجربة والمعايشة، قدم الاهالي خسائر بشرية ومادية كبيرة، وأسهموا في هدم بعض اركان الدولة وقواتها المسلحة، واعاقوا خطى البناء اللازم لها.
3. غياب الجهد الاعلامي الساند.
ان السلطة التنفيذية "الحكومة" التي لم تستطع توحيد مفهوم العدو الارهابي آنذاك أو بالأحرى لم تتمكن من فرض رؤياها الرسمية في تعميم المفهوم، لم تكن تمتلك عملياً أجهزة اعلام تابعة لها، والموجود التابع للدولة، والمستقل عنها بمجموعه غير موحد الرؤى باتجاه تحديد صورة حقيقية للعدو الارهابي، تشعر المواطن بما يمثله من تهديد فعلي لوجوده، يكفي لدفعه والآخرين باتجاه توحيد مواقفهم واتجاهاتهم بالضد من الارهاب ومصادره، وافعاله. فخسرت الحكومة وقواتها المسلحة في حالتها جهد يفترض ان يكون موجوداً لإعلاء شأن الفعل العسكري القتالي في سوح المعركة المتعددة. وخسر المقاتل جهداً عاماً لتفسير كم المتغيرات والمؤثرات المحيطة به، وبما يخفف قلقه الذي يقترب من ان يكون مستمراً.
انها مشكلة من الناحية المنطقية، لا يتحمل وزرها أحد، لأن اعلام الدولة قد انتهى بنهاية النظام السابق، والاعلام العسكري في الدفاع والداخلية، قد انتهى أيضا بحلهما سوية، والدستور العراقي لا يسمح في ان يكون الاعلام موجه من قبل الحكومة، في الوقت الذي فُتحَ الباب واسعاً لحرية النشر والاطلاع، الذي تؤمنه وسائل متعددة قادرة على الوصول الى ما تريد بسهولة، لا يمكن ان تجاريها الدولة التي وقع بعض افرادها وقسم من مؤسساتها أسرى الاعلام الحربي. فاسهم بعضهم في تشويه صورة العسكر والامن واضافوا اعباء على الجهات التي تقاتل قوى الارهاب في جانبين:
يتعلق الاول بالكيفية التي يتخلص بها العمل القتالي من الاعلام المنحاز.
والثاني بصياغة اعلام دعائي موجه بقصد التأثير على معنويات الخصم في ساحة القتال.
4. تعدد المواقف والاتجاهات.
ان ادارة الحرب تتطلب توحيد المواقف سياسياً وإدارياً ونفسياً لعموم اجهزة الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية، لتأمين الدعم المناسب لعمل القوات المسلحة ميدانياً، وهذا من اعقد الامور في سياقات عمل الدولة العراقية لهذه الفترة الزمنية. اذ يشعر الجيل الذي عاش هذه المرحلة الزمنية ان الحكومة كانت تعمل لوحدها، متهمة البرلمان بإعاقة تشريع القوانين التي تطلبها في مجال مكافحة الارهاب، والبرلمان يعمل لوحده متهماً الحكومة بالتفرد بالقرارات الامنية، والسلطة القضائية حائرة بين الاطراف التي تتهمها بالانحياز.
وضعٌ، تتعدد فيه المواقف والاتجاهات والتوجهات، لا يلائم دعم الجهد القتالي المطلوب بالضد من قوى ارهاب امتلكت في السني الاولى من القتال أسلحة ومعدات ومعلومات، فاقت في بعض الاحيان ما لدى الجيش وعموم القوات المسلحة من امكانيات.

مواقف الضد من الدولة
كان القتال في السنين المذكورة وفي مناطق التوتر والاضطراب غرب العراق وشماله على وجه الخصوص يقترب بالنسبة للبعض من أن يكون آلياً، لم يحس المقاتل في داخله انه يقاتل اعداء الدولة، ولم يحس المجتمع المحلي أن من واجبه الوطني مساندة من يقاتل لصالح الدولة. معضلة ولاء تم التطرق اليها في متن الكتاب، اثرت سلباً على اداء وتماسك الجندي والشرطي في ساحة القتال، وامتد تأثيرها احياناً الى بعض الضباط بكافة المستويات القيادية، حيث الاصابة بالتشتت، والوهن والابتعاد عن مركز الدولة، بمستوى أسهم في التهديم، واعاق خطى البناء.
هذا من جهة ومن جهة اخرى، بات من الواضح ان الجهات المسؤولة قد تأخرت لما يتعلق بموضوع فهم مهنية العسكر، وعلاقتهم بالدولة، فرصد بعض اعضائها غير القريبين من ساحة القتال تاريخ بعض الضباط وعلاقتهم بحزب البعث، متجاوزين على سياقات التبعييث التي كانت تلزم الجميع بقسرية الانتماء. وغض بعض أعضائها الطرف عن ذلك التاريخ لقسم من الضباط، وسلط اضواءه على قسمهم الآخر، وهم يقاتلون جميعاً في ساحة الارهاب عدو العراق. منها وأمور أخرى ذات صلة يتبين ان:
- الاستعداد النفسي للحرب على الإرهاب في تلك الفترة المحددة زمنياً لم يكن مناسباً.
- الجهد المبذول في إدارة عملياتها القتالية استراتيجياً لم يكن كافيا.
- الحشد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمعنوي والمهني لم يكن ملائماً.
الأمر الذي شكل معالم هدم اضيفت الى تلك التي كانت موجودة، وكون عوامل اعاقة لخطى الاصلاح والبناء الواجبة.

الاعاقة في جوانب الاعداد   

قد لا تختلف العوامل المؤثرة على إعداد القوات المسلحة للحرب على الإرهاب بشكل كبير عن تلك العوامل المؤثرة على إعدادها للحروب التقليدية أو الشاملة، إلا في بعض الجوانب المحددة تدريباً وتجهيزاً، وفيما يتعلق بالإرهاب وعوامل الاعداد التي يمكن عدها مساهمة في الهدم والاعاقة، يمكن تقسمها نظرياً الى عوامل نوعية خاصة، وأخرى سياسية عامة.

العوامل النوعية
هي العوامل ذات الصلة بخطط الدولة وجهود الحكومة على المستوى العام في التهيؤ والتعامل مع موضوع القتال بالضد من الارهاب، وبصددها يمكن التأشير الى ان الهدف الاستراتيجي للدولة احد العوامل النوعية، كان في ذروة القتال غير واضح احياناً، ومتعدد الاتجاهات احياناً أخرى، فالقاعدة هدف، والاسلام السلفي هدف، والبعثيون هدف، ومواقف السعودية هدف مبهم للبعض ولامع للبعض الآخر، وكذلك الحال بالنسبة الى ايران.
وان الاقتصاد كأحد العوامل، لم يكن مناسباً لتوفير الموارد المناسبة لدعم الحرب، وادوات قتالها في الميدان، ولم يكن قادراً على انعاش وضبط السوق، وتوفير الحاجات الأساسية التي تقرب المواطن من الدولة، وتدفع المقاتل للدفاع عن الدولة، مصدراً مريحا للحياة.
والارهاب بحد ذاته كعامل نوعي، كان وكأنه مُشَتتٍ في التوجه والاتجاه، فبعضه داخلي تحتاج ساحته المحلية التي شملت كل مناطق العراق الى زيادة عدد المقاتلين المنسجمين ونهج الدولة.
وبعضه الآخر خارجي، تحتاج ساحته الدولية الى جهد مخابراتي واسع لم يكن مهيئاً آنذاك.
وبعض جذوره دينية، تحتاج الى فتاوى ومساندة دينية، تصطدم احياناً بالتفاصيل المذهبية. وبعض جذوره الاخرى ايديلوجية، تتناقض والاهداف غير المنظورة لبعض المشاركين في الحكم. كذلك الحال لما يتعلق بأهدافه التي تحدد بعضها لأسقاط الحكم القائم.
وتوجه بعضها الآخر لإعاقة سير الدولة والمجتمع أو مقاتلة الجيوش والقوى الأجنبية الموجودة على الأرض العراقية.
تشتت في جهته انعكس سلباً على وحدة الجهد الحكومي للتعامل معه.
انها عوامل نوعية، عند النظر اليها بمنظار التحليل ولتلك الفترة الزمنية المحددة، يؤشر ان التعامل معها، احتاج قدرة عامة لأجهزة الدولة، وهي في معظمها منهكة، واحتاج الى قوات مسلحة لم تكن جاهزيتها كاملة.
وإذا ما حسب التحليل جعل العراق ولاعتبارات المصالح الدولية، ساحة قتال متقدمة للحرب ضد الإرهاب، تبعاً للاستراتيجية التي نفذت بعد انتهاء نظام الحكم في 9/4/2003، واستمرت هكذا الى عام 2012، وقد تستمر لفترة لاحقة تطول وتقصر تبعاً لمعطيات السياسة وقدرة القوات المسلحة على تأمين الردع. وجعل ارضه من أقصى الشمال إلى أخر نقطة في الجنوب منطقة استقطاب للإرهابيين الاسلاميين السلفيين، خاصة مثلث الجزيرة الذي تمتد قاعدته من بغداد إلى ديالى وضلعاه عبر الرمادي وصلاح الدين حتى الموصل، قمته أو زاويته العليا، مع بؤر اتسعت تدريجياً في الوسط والجنوب خاصة في المثنى والديوانية، والبصرة وشمال بابل وأقل منها في العمارة. هذا وإذا ما حسب هذا، يصبح من الواضح ان:
- الهدف المطلوب تحقيقه أبعد من العراق.
- الجهد الميسور لإدارة حربه أكبر من قدرة العراق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
- العمل القتالي الملائم للتغلب عليه سريعاً يفوق قدرة القوات المسلحة على تحقيقه.

العوامل السياسية
ان السياسة التي تكونت بعد التغيير، كانت العامل الأكثر تأثيراً على عمليتي الهدم واعاقة البناء، فالمجتمع العراقي لم يكن مهيئاً في الاصل للسلوك ديمقراطياً، وظروف احتلاله قد حطمت الدفاعات النفسية، فاطلقت المكبوت من الانفعالات السلبية، وبالتالي حصرت الجيش والقوات المسلحة بين مطرقة الادارة السياسية الناشئة، وسندان الارهاب المنظم، حالة تنافر غابت فيها خطط اعادة بناء الانسان، وتوجهات العلاقات العامة بين المركز الاعلى للقيادة والاطراف المنفذة في الميدان، حتى ان الحكومة وعندما تنبهت الى خطورتها وأوجه القصور فيها عام 2012 اصطدمت بضعف الجاهزية القتالية، وببعض المطبات الدستورية التي تقيد تحركها، فارتدت أو ناورت لتبقي الجهد المبذول لتحقيق أعلى جاهزية، وتبقي حبل العلاقات العامة الممدود ينوء تحت خيمة التوافقية.
وحصرت المجتمع المحلي بين سندان الالتزامات الوطنية، ومطرقة التحرك الارهابي.
وعندما فاق أهله من الصدمة بعد عام 2007 وجدوا ان الكثير من الحقائق على الارض قد تغيرت، وان القوات المسلحة قاربت تشكيلاتها الميدانية للاكتمال، فحاولوا اللحاق بتشكيلهم صحوات وقواعد اسناد، لا يمكن ان تعوض وجودهم المفروض جزءً فاعلا من بنية القوات المسلحة.
وحصرت الدولة برمتها بين سندان السيادة، ومطرقة التدخل الأجنبي، وعندما اكتسبت مؤسساتها الخبرة المناسبة للتعامل مع ملفاته الشائكة، وجدت انه وعلى المستوى الدولي والاقليمي قد امتد التدخل واتسع، وبات له اتباع ومريدين، مؤثرين في كل قرارات الدولة....صورةٌ قاتمة للسياسة، اسهاماتها في الاعاقة تفوق اسهاماتها في البناء والتطوير.  

التدابير الناقصة
هناك من الناحية العلمية العديد من التدابير والاجراءات التي تقوم بها الدولة في المعتاد، لإعداد جيشها وقواتها المسلحة، وتهيئتهما للحرب التقليدية أو لتلك التي تتعلق بمقاتلة الارهاب، ولأن وضع العراق وضعاً انتقالياً، يستند على أعمدة وضع سابق مهدمة، لا يمكن في أحسن الاحوال ان تقدم الدولة الجديدة في حالتها الانتقالية الجديدة، تدابير تهيئة كاملة، خاصة في الجوانب الآتية:  
1. التخطيط النفسي.
يعتبر التخطيط الاستراتيجي العمود الفقري لإعداد الجيش والقوات المسلحة لأعمال القتال بالضد من الإرهاب من خلال تأمين كل احتياجاتهما المادية والفنية، والبشرية وكذلك النفسية. ويتم التخطيط لما يتعلق بالجانب النفسي، ولهذا النوع من الاستخدام من قبل الحكومة بالتنسيق مع وزارتي الدفاع والداخلية، والمتخصصين في الجانب النفسي. لكن النظر الى الواقع وما حصل ويحصل منه يتبين وجود أوجه قصور في مسائل مهمة تتعلق بالتخطيط وحشد الجهد النفسي، خاصة في:
آ. تبرير استخدام القوات المسلحة في الحرب.
ب. التعبئة الشعبية العامة للوقوف في صف الدولة بالضد من قوى الارهاب.  
ج. كسب الجماعات والتكوينات الاجتماعية المحايدة، وتحييد الجماعات المناوئة.
د. تجاوز الجانب الطائفي، للنظر والتعامل مع الارهاب.
في ظروف العراق الحالية واختلاط الاوراق، وتعقيدات السياسة، وكثافة الجهد الاستخباري الاجنبي في الداخل، والتحسس الدولي والاقليمي والمحلي من حجم وتسليح القوات المسلحة العراقية في الخارج، قيّدَ قدرة الحكومة وحدَّ من تحركها في مجال التخطيط والتعبئة النفسية، والعامة للمجتمع العراقي، باتجاه الوقوف صفاً واحداً بالضد من الارهاب. هذا من جانب ومن جانب آخر، فان الوقوع في مطب الكم على حساب النوع في بنية القوات المسلحة، أخل بأسس التخطيط المركزي نفسياً وزيد من الكلفة الاقتصادية وأحرج الميزانية العامة، لذا لم يتبق أمام المخططين في القوات المسلحة فرصة سوى الاستعاضة عن التعبئة العامة أي التوسع الكمي بأخرى تتأسس على مفهوم التعبئة النوعية أي الالتزام النوعي من خلال إعادة النظر بنظام التطوع والحث لأن يكون شاملاً لعموم العراق، دون ان يقتصر على منطقة او انتماء طائفي أو قومي واحد. وهذا أمر صعب بحد ذاته لان مقتضيات الأمن والمصالحة الوطنية على سبيل المثال، فرضت على الحكومة ان تعيد الكثير من الضباط الاعوان الى الخدمة في الجيش وتتحفظ على آخرين، خاصة من محافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك، ونينوى، مما يعني حتمية الاستمرار على نهج الكم على حساب النوع، وحتمية التجاوز على بعض مفردات التخطيط بكل مجالاته بينها النفسية.
ان التعبئة النوعية التي يتم التكلم عنها مسألة صعبة في العراق الذي يعاد بناء قدراته وبنيته التحتية في ظروف تحوّل غير مواتية، من الديكتاتورية الشمولية إلى الديمقراطية التوافقية، وصعوبتها تعني مواجهة التعبئة النوعية بعض التحديات الجدية خاصة ما يتعلق منها، بعدم اكتمال الخبرة الفنية والتسليحية لخوض حرب من هذا النوع، كذلك القتال في ساحة لم يكن أهلها مهيئين نفسياً، مما يلقي أعباء على المقاتلين والقيادة العليا، تفوق تلك الموجودة في أنواع القتال الأخرى، وبالتالي تشكل عوامل هدم واعاقة في آن معا.
فالقتال بمناطق العراق الغربية، وقسم من الشرقية والشمالية الى عام 2008 وما بعده بعدة سنوات كان وسط آراء لأبناء المجتمع المحلي، بالضد من الحكومة والدولة، لعبت دوراً في التأثير على جهد الوحدات الخاص بالتعامل مع الموقف عسكرياً، واعاقت خطط الحكومة في بسط الامن. لان تفجير يحدثه الارهابيون فعلاً، يحوّر اعلامياً، ليكون عملاً قام به المنتسبون.
والقاء القبض على ارهابي من أهل المنطقة (س)، يسارع أهلها وشيوخ عشائرها لتبرئته حتى باستخدام التهديد والقوة.
وشيوخ رضخوا لتهديد الارهابيين وتعاونوا معهم في مسائل تضييفهم ودعمهم.
وآخرين طمعوا في رشاهم وتعاونوا بنفس القدر وأكثر منه بكثير.
فتسببت جميعها في تشتت الجهد القتالي، واعاقة خطوات اعادة البناء.           
2. حشد الجهد العام.
ان التعامل مع الارهاب في ساحة قتال داخلية مثل الساحة العراقية، لا يقتصر على العسكري حامل البندقية مهاجماً على وكر فيه ارهابيين، ولا على آخر يمسكها واقفاً في نقطة السيطرة يفتش السيارات والمارة للحيلولة دون عبور ارهابيين ومواد ارهاب، ولا كذلك على الوحدة التي تهاجم جماعة تتخذ من قرية موقعاً لانطلاقها في اعمال تخريب، بل هي جميعها وكذلك:
- الجهد الخاص بمتابعة وحصر العمل الارهابي، والشخصيات القائمة عليه، وتنقل أفراده، والاسلحة والمواد المستخدمة، وأساليب تمويله داخلياً وخارجياً والجهات التي تقف خلفه.
- الجهد الشعبي حيث السعي الى تكوين علاقات رضا مع الاهالي في المنطقة التي ينتشر فيها الارهاب، ومع الوجهاء ورؤساء العشائر التي يتواجد بين صفوف ابنائها الارهاب أو يمر من قربها الارهابيون.
- الجهد السياسي للضغط على الدول التي ترعى أو التي تتهاون مع جماعات الارهاب.
- التنسيق مع قوى دولية نافذة لتنشيف مصادر التمويل المالي والبشري للإرهاب.
- جهدٍ لإقناع تلك الدول في الحصول على معدات متطورة للحرب التي تصنفها تلك الدول سرية لغرض الاستفادة منها في التفوق على العدو في ساحة القتال، ومراقبة تحركاته الكترونيا.
انها جهود يتلمس المتابع النقص الحاصل فيها، بسبب طبيعة المرحلة، وموقف الدول، وضعف التنسيق والتعاون بين أعمدة الدولة الرئيسية، حيث لم يلاحظ مثلاً، قيام نائب في البرلمان بحشد الجمهور الذي انتخبه في المنطقة التي ينتمي اليها وحثه على التعاون مع اجهزة الدولة في حربها ضد الاهاب.
ولم يلاحظ على لجان البرلمان تحركها بشكل مميز، على اقرانها في الدول الاخرى، خاصة الاقليمية منها للحصول على دعمهم لرؤى الحكومة في التعاون والتنسيق.
ولم يلاحظ اي جهد بين الشباب، والنسوة، ومنظمات المجتمع المدني، مما يدلل ان القصور في هذا المجال كبير، لا ينفع مقداره الحقيقي في التهيئة الخاصة بالقتال.    
3. التعبئة النفسية.
لم تكن ساحة القتال الداخلية العراقية ممهدة لعمل القوات العراقية في كل أنحاء العراق، ولم تكن مواقف السكان المحليون من الحكومة والنظام الجديد، وكذلك من الإرهاب والأعمال المسلحة المضادة للدولة والمجتمع، موحدة في عموم العراق أيضاً، مما تسبب في وجود جملة متغيرات اثرت مباشرة على معطيات الهدم واعاقة خطوات البناء.
فمواقف السكان المحليون من التغيير إلى الديمقراطية والانحياز مع أو بالضد من الحكومة، وغيرها أخرى أدت الى دفع البعض من المقاتلين إلى المغالاة في التعامل السلبي مع أولئك السكان المحليين الموجودين صدفة في ساحة المعركة، فتراكمت انفعالات الانحياز، مكونة أعداء وإرهابيون لم يكونوا كذلك في الاصل.
ونحيَّ جانباً بعض المقاتلين عن المشاركة الجادة في القتال عند التقرب إلى مناطق انتمائهم الطائفي والعشائري.
وزاد من الاستثمار غير الشرعي لمستلزمات ونتائج القتال لأغراض الابتزاز من قبل البعض من المتنفذين في مناطق القتال.
فكَثُرَ الخطأ فردياً وجماعياً، وكثرته بقصد أو بدون قصد، في قتال داخلي مع قوى ارهاب دولي لا تقارن تأثيراتها السلبية مع نتائج أخطاء مثيلة في حروب تقليدية. فقنبرة هاون تقع على بيت في الريف تقتل عائلة دون عمد من المفرزة التي أطلقتها في عمل عسكري ضد ارهابيين، يُستنفر كل السكان المحليين، تضامناً مع ضحايا تربطهم واياهم روابط العشيرة. فتتصاعد على الفور حمى المطالبة بالثأر العشائري وسط موقف انفعالي شديد.
يدخل على الخط رؤساء عشائر نفعين، لاستغلال الحادثة في اثارة المشاعر بالضد، لتوسيع هامش المطالبة بالقصاص والتعويض والفصل.
عواملٌ وانفعالات متسلسلة، تقع بالضد من مساعي التهدئة المطلوبة لاستمرار عملية البناء، وتعيق الجهود المبذولة، لكبح توجهات الارهاب.        
ختاماً لهذا الموضوع الذي استمدت جميع المعلومات الواردة فيه من تجربة القتال الدائر فعلياً ضد الارهاب، يمكن القول ان ما حدث في العراق من قتال بالضد من الإرهاب لم يكن قياسياً، لأن ظروف التحول وإعادة البناء لم تكن طبيعية، وقواته التي شكلت حديثاً لم يكن تشكيلها اعتيادياً، والقيادة والسيطرة لسبع سنين مستمرة، لم تكن مملوكة للدولة العراقية وقيادتها العسكرية، مما يتوجب الاعتراف بصعوبة اعادة بناء، وأعداد جاهزية القوات في هذه الظروف الصعبة، كما تريد الدولة.
كما ان الصعوبة وحصول بعض الأخطاء والإعاقات في عملية الأعداد والتأهيل لأغراض القتال بالضد من الارهاب تعطي العامل النفسي أهمية متميزة في مجالها، وهو العامل الذي لم يعير أحد له أية أهمية.

........................

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

388 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع