حوار مع الشاعرة الكبيرة / بشرى البستاني

      

النص السرّاني محرك للنص المعلن حوار أجرته الشاعرة بيداء حكمت مع الشاعرة الكبيرة بشرى البستاني

   

1– لا يزال الواقع العربي، الثقافي خاصة، يحاصر بقوالبه و قيوده حياة المرأة العربية عامة ، عبر تاريخ منح الذكورة سلطة شبه مطلقة على المستويات كافة . والمرأة الشاعرة بوصفها ذاتا واعية ثقافة وحضورا ، هل تمكنت المرأة برأيك أن تؤسس لنص شعري أُنوثي من شأنه تفكيك  هذا الواقع ، وتحطيم هذا الإطار ، أعني نصا له حضور فاعل وقيمة شعرية انثوية في الخطاب الشعري العربي ؟

ج:  الواقع العربي الثقافي لا يشكل نفسه من فراغ ، فالثقافة ومحمولاتها القيمية ومفاهيمها ببنيتها الفوقية هي الإفراز الحقيقي للبنى التحتية وللحراك المادي الإنتاجي  الذي يرتكز عليه المجتمع. وإذا كانت هذه البنية التحتية استهلاكية متخلفة تابعة وغير منتجة فمن غير الطبيعي أن تنتج حراكا ثقافيا تقدميا.  فالديمقراطية التي تحتل مركز الصدارة في العالم اليوم ؛ ما يزال الوعي بها وبالحرية محاطا في المجتمع العربي بأقسى أنواع القهر على المستويين الذاتي والجمعي وعلى مستوى الهوية الوطنية والقومية والاستقلال وحرية الرأي والفعل ، لكن المرأة في هذه المنظومة البالغة التعقيد تتحمل القهر مركبا، مرة من المجتمع وأخرى من الأسرة والرجل الذي يفرغ عليهما ردود فعل استلابه ، ولما كان الإبداع ثورة ضد الظلم لأنه وليد الحرية، وثورة ضد التقليد والموروث المتخلف لأنه ابن المستقبل ، فإن المرأة المبدعة تحتاج لمقومات عدة وأسلحة وعي ثقافية نشطة من أجل أن تكون قادرة على مواجهة هذا القهر المركب والواقع المعقد ، ونحن نظلم الشعر والفنون باعتقادي حين نسند إليهما مهمة تفكيك عُقد هذا الواقع الذي يحتاج تغييره لفعل جهادي اقتصادي وسياسي وتخطيط حضاري ينسف البنى التحتية التي وطدتها القرون وتعهدتها قوى خارجية وداخلية من أجل إدامتها لإدامة منظومات المصلحة وكراسي الذرائع المرتبطة بالقوى الأجنبي. لكن البنى الثقافية وهي تتشكل من تلك القاعدة التحتية التي لا يمكنها الانفصال عنها، ستظل في جدل دائم معها.  ولذلك فإن الحراك الثقافي الواعي بمنجزات الحرية وقيم الإبداع وهو يعمل على تفعيل خياراته لابد له من تنشيط أجواء التفكيك بإشاعة روح التذوق الجمالي الحر لدى القارئ  والاستجابة  للجديد الثائر على الأطر القديمة ، وتهيئة الأجواء لتشكيل قيم جديدة تقتح قيم التخلف لا لتزيحها فحسب ، بل لتعمل على إزاحة كل نتائجها وما نجم وينجم عنها من استمرار الركود والسكونية وعلاقات القمع في المجتمع. وإذا علمنا أن هذه المحاولات محاطة أكثر الأحيان بالرفض والتصدي والنكوص والردات المتكررة كما حدث ويحدث الآن في "الخريف العربي"، فإن المبدعة الحقة تحتاج لشجاعة مبهرة وتضحيات جمة من أجل تحقيق هذه القضي. وهذا الأمر ليس في الوطن العربي حسب ، بل في كل أرجاء العالم. فقد تحملت نازك الملائكة قسوة النقد والنقاد وضراوة الفضاء الأدبي التقليدي وهي تبشر بالشكل الشعري الجديد. وعانت فدوى طوقان ما عانت من الحرمان حتى من التعليم وهي تطرق أبواب الشعر في مجتمع تحكمه الذكورة الصارمة.
إن الشاعرة العربية وقياسا بالأجواء القسرية التي تعيشها ومجتمعها تمكنت من فتح الأبواب التي كانت موصدة على موضوعاتها الأنثوية الخاصة بها مرة ، والتي كان الشاعر يقولها نيابة عنها لصمتها وتغييبها أخرى.  كما تمكنت لحد لا بأس به من التعبير عن مشاعرها الأنثوية الخاصة وإطلاق صوتها في الأمور العامة وتدوين رأيها فنيا على كل المستويات الثورية والوطنية والإنسانية، وقول أحاسيسها في الرجل إيجابا وسلبا وفي الوطن وقضايا الإنسان عموما، مجربة في ذلك كل الأشكال الشعرية. لكن لا أخفيك حقيقة أن كل ذلك لا يكفي. فالشعر لم يعد (وما كان الأصيل منه من قبل) ذلك الغناء الذي يُطرب بايقاعاته العالية فحسب. الشعر الحقيقي كان وما يزال فناً ذا حساسية خاصة وروح مرهفة تمتزج فيها المعرفة وجوهر الحضارة بالجمال. وهل بقي من جهد الانسان وحضاراته الماضية غير بهاء الجمال.  إنه فن يحتاج لحس نقدي ومعارف متنوعة راقية وعميقة تراثية ومعاصرة معا. وعلوم تغذيه وذوق رفيع يجيد تنسيقه وتجارب حياتية حادة تتطلب خوض غمار الحياة بعنفوان ، وبما لا يتاح لمجمل الشاعرات العربيات لأسباب لا مجال لذكرها الآن ، لعلَّ في طليعتها عدم توفر الظروف الموضوعية في الأسرة والمجتمع التي تساعدها على تحقيق هذا الهدف. وإذا كانت المبدعة الأوربية النمساوية الفائزة بجائزة نوبل للآداب الفريدة جلينيك تقول: "أما المرأة فهي على الأكثر الهدف الصامت للنظرة الذكورية وليس معادلا أنثويا مكافئا" ، فماذا تقول  المرأة العربية ..!
إن الشاعرة العربية يعوزها الكثير من الجرأة والعلوم والمعارف والفعل والخبرة المعمقة كي تقول كل ما يجب قوله شعرا.  وقصور هذه الجرأة ليست جبنا ولا ضعفا أو انكفاء على الدوام ، لكنه في الغالب اشتراط قسري و موقفُ تحسّبٍ واع لما يحيط بها من سلطة ثقافة ذكورية وقيم عشائرية وقبلية ما زالت للأسف تهيمن على المجتمع يؤازرها تطرف المد المتدين المؤدلج الذي حل بنا مع أجندات الواقع العربي الأخير و ارهاصاته الممتدة الى قرن مضى او يزيد.

      

2- المراة كائن يهب الوجود معنى ، كونها رحِمٓه ومستقبله ، تهبه معنى الحياة نفسها ، أو كما يعبر نيتشة : الحياة امرأة.  فالشاعرة إذاً وجود لذات تصنع حياتين ، حياة تنتج وجودا لا يمكن أن يقوم بدونها ، وحياة ثانية ليس أقل أهمية تنتج عالما ثقافيا خاصا من خلال نص ينتج انوثة بتمام القصد والمعنى ، نص يعمل على تغيير واقعها ويؤسس لوجودها ..؟

ج: نعم ، المرأة كائن يهب الوجود معنى بطريقتين ، الأولى تواصل إنساني لا يتم إلا بمعاناتها التي تصل حد التضحية بحياتها ، فهي رحم الكون ومستقبله، ؛ لأنها تضمر الرجل والأجيال القادمة في دمها أولاً ، وهي قدوة الطبيعة والكائنات الحية في الخصب والديمومة وإشاعة قيم الايثار والعطاء ثانيا. و المرأة في هذه العملية التواصلية تحتاج لطاقة تعينها على الاحتمال والصبر  على الاستمرار ، لذلك كانت الحياة أنثى قوية وبهية لأنها القادرة على الحضور والبذل بما يمنح الوجود قيمته الإنسانية والجمالية الحافزة على تحقيق قيمته الواقعية ، كون الأمومة لديها ليست سمة بايولوجية ميكانيكية ، بل هي طبيعة فيها تمكنها من القدرة على الاحتواء بشمولية ، حتى احتواء مَنْ هم أكبر منها سنا من الرجال والنساء واحتواء محن الحياة وعذاب الفقدان ، ولذلك كانت الحياة امرأة ولذلك أكد أراجون "أن المستقبل امرأة" ، لكني أصر على أنها امرأة تضمر رجلا كما يضمرها الرجل.  فالكون لا يستكمل بهاءه في رؤية المرأة الواعية والمتصالحة مع أنوثتها إلا بوجود الرجل الواعي المؤازر والمشارك ، والوجود لا يكون متوازنا الا بوجودهما معا ، إنهما منتجا الحياة ، بوعيهما الفاعل يشكلان الجمال ويمنحان الطبيعة معناها ، والأشياء الجميلة قيمتها. أما الحياة الثانية التي تنتج عالما ثقافيا من خلال نص ينتج أنوثة بتمام القصد والمعنى ، نص يعمل على تغيير واقعها ويؤسس لوجودها ، فإن السؤال الذي يُثار حول هذا الموضوع سؤال ذو أبعاد شتى وهو : هل يستطيع النص الأدبي أن يغير حياة ذات أبعاد متشابكة ..؟ لا أعتقد ذلك ، لكن لمثل هذا الطرح مقاصد عدة ، منها الرجوع لما ذكرنا في الجواب الأول من نسف البنى التحية لتحويلها من استهلاكية إلى منتجة ومنها ما يعود لطروحات النسوية على اختلاف مرجعياتها ولا سيما المتطرفة منها.  فالثقافة انتماء للحرية واحتفاء بالطاقات الكامنة التي تستفزها حركية الملامسة ، ملامسة الحياة بصفائها وهوائها النقي وبكل نتائج معتركها الايجابية والسلبية ، والكتابة حضور وهوية وانتماء ، حضور في قلب الحياة وتفجير للمقموع والمسكوت عنه وكشف عن الإشارات الذاهبة إلى الداخل والمتمركزة في الخفايا ، وغرفٌ من مرجعيات لم تستطع المختبرات بأنواعها : التشريحي والنفسي و النقدي والابداعي الكشف عن كيفية تفاعلها واشتغالها لتظهر فيما بعد بأشكال  لغوية ترميزية منزاحة هي الشعر والفنون اللغوية الأخرى.  وإذا كان الإبداع لا يتشكل الا في جو من الحرية ، وكانت الحرية ما تزال مفقودة ومحاصرة في الوطن العربي ليس على النساء حسب ، بل وحتى على المبدعين والمفكرين والعلماء عموما ، فكيف ستكون المرأة حرة في التعبير وفي إنتاج عالم ثقافي خاص يغير ويؤسس لوجود. إن نظرة متأنية لحجم المبدعين والعلماء العراقيين والعرب وشتاتهم في المنافي تجعلنا ندرك حجم القهر الذي يعيشه الإبداع والمبدعون ، وحجم القيد الذي يجثم على الفضاء الإبداعي الذي لا يمكن ان يعيش إلا في صميم الانفتاح والحرية . ألا يوحي إنتاج نص أنثوي خالص بعزل وفصل ..؟ وأنا لا أومن بفصل الأنثى عن رفيق عمرها وصديق مكابدتها حتى لو كان منه ما كان عليها من قسوة وما يزال ، وهذا الغفران يجعلني مؤمنة بلغة إبداعية تنتج نصا يسمو ويتعالى على الميز الجنسي القسري للطرفين رجالا ونساء.  نص كلما فارق النوع المحدد انتمى لكينونة الإنسان بشموليتها وهذا منتهى الرقي الإبداعي ، كون المرأة بانتمائها الإنساني هذا تثبت وجودها الأنثوي المتسامي ولا تلغيه ، لأن إلغاء وجود الرجل يعني إلغاء وجودها كليا وإلغاء سيرورة الحياة وتغييب تواصل الإنسانية مع المستقبل. إن محاولة عزل قضية المرأة عن قضية المجتمع باعتقادي من أخطر القضايا التي يمكن أن تواجهها الإنسانية في الوقت الحاضر ، لأن المجتمع الإنساني اليوم يواجه أخطار إبادة حضارية من قبل حضارة استعلائية متغطرسة مادية وعدوانية لا بد من التكاتف رجالا ونساء ومجتمعات من اجل التصدي لها وإحلال مبادئ التوازن والانسجام محلها. إن وجود أدب انوثي خالص بالرغم من حضور المصطلح تداوليا يقتضي افتراض وجود أدب ذكوري خالص ، وهذا لا يمكن أن يتحقق ضمن حياة مشتركة وعلاقات مشتبكة من غير الممكن فصلها على الاطلاق. لان هيمنة النص الانثوي يعني خلق تمركز جديد ليس هو المطلوب في المجتمع الانساني الذي نبغيه.

3 – يقع النص الأنوثي تحت طائلة مظلة من الألم والقنوط و الانا المقهورة والحس المفرط بالانجراح ، بمعنى أن نصها كثيرا ما يكون تهريبا للذات إلى النص ، وممرا لأناها وذاتها القلقة المستلبة بتجل جمالي من ناحية أن " الشعر هو الشكل الجمالي للأسئلة القلقة كما يرى الناقد محمد العباس .."

ج: نعم ، يقع النص الانوثي تحت طائلة كل ما طرحه السؤال صحيح ، لكنه ليس حكما خاصا بالمرأة الشاعرة حسب ، بل هو الحكم العام الذي ينطبق على الشاعرات والشعراء في مجتمع يفتقد التوازن عموما ولا يختلف إلا بحجم المكابدة ، كون معاناة المرأة فيه أشمل وأكبر من معاناة الرجل نتيجة الشروط القهرية التي عاشتها وتعيشها فنصها فسائل لتجذر تاريخي يعيش داخلها بوعي شديد الشقاء ، ولأن الجروح كثيرة وقد مرت عليها دهور طويلة ولما يزل كثير منها للأسف ماثلا في الواقع حتى اليوم ، فإنها تحتاج زمنا طويلا كي تشفى ، يُضاف لذلك أسباب مهمة يمكن تلخيصها بأن مشكلة المرأة الحقيقية في الأمس واليوم باعتقادي هي أن الحب والاهتمام المتاحين لها من الرجل ومعه الأسرة لا يكفيان حاجتها ، نعم ، الحب لا يكفيها ، سواء كان هذا الرجل أبا أو أخا أو حبيبا أو زوجا وإبنا ، وأنها تحتاج لقدر أكبر من الحب يوازي ما أعطت وتعطي لتتمكن من إحداث توازنها النفسي المطلوب وانسجامها مع ذاتها ومع الآخر ، وهذه الحاجة شكلتها عوامل وأسباب عدة ليس لأن الرجل مهموم بذاته ومصالحه حسب ، بل لأن أسبابا أخرى نفسية واقتصادية واجتماعية وتربوية تتواشج لتبعد الرجل عن الاهتمام بتخصيص زمن حميم تستحقه المرأة . فضلا عن كون نشأتها الاجتماعية تحتم عليها أن تكون مرغوبة على الدوام مما يلغي حاجتها وحقوقها الإنسانية الفاعلة في أن تكون راغبة وأن تكون رغبتها موضع تقبل واحترام واهتمام ، فعلى المرأة في العرف الجمعي ألا تُقبِلَ ولا تختار ، ليس لها أن تكون فاعلة ولا مبادرة ، وهناك فرق شاسع بين الفاعل والمفعول به ، الفاعل منتج والمفعول مستهلك ، الفاعل مثابر والمفعول به ساكن متلقٍ ، ينجم عن ذلك قضية مهمة هي شعورها بأن جسدها هو المطلوب وليس فكرها ومشاعرها ومعارفها وروحها النبيلة ، بل على العكس قد تكون مواهبها ومعارفها وإقبالها على تطوير ذاتها عقبة في طريق تحقيق حياتها الشخصية ، فبينما تفخر المرأة بالرجل الموهوب وتؤازره نجد الكثير من الرجال يبتعدون عن المرأة الموهوبة ، فهي للحوار والزينة والزمالة الممتعة فقط ؛ كونها غير قادرة على التفرغ كليا للخدمة ومتطلبات البيت والأطفال في مجتمع لم يُدرج في إعتباره أصلا أن هناك بيتا وأسرة وطفولة تحتاج لخدمات توكل للدولة ولمؤسساتها . فضلا عن أن المرأة وأخص الشاعرة هنا بما لها من حس مرهف تدرك بعذاب هذا الاضطراب وانعدام التناسق والجروح التي تنزف من حولها بشدة في مجتمع انعدام العدالة على كل المستويات ، مما يجعل البحث عن الحلول يثقل كاهلها في ضرورة الاعتماد على الذات ؛ وذلك بأن تعمل بكل مثابرة على تفعيل طاقاتها الكامنة من أجل تشكيل قوة حصينة في داخلها تستمدها معينا وقت الحاجة . كل ذلك جعل المدى بين واقع المرأة الشاعرة وحلمها شاسعا ، وربما مستحيلا مما جعل الحاجات الروحية التي تعاني من فقدانها ما تزال تحفر في روحها خنادق للألم والقنوط لتكبر الأنا المقهورة ويتسع الجرح .    
نعم ، الشعر هو الشكل الجمالي للأسئلة القلقة منذ أول قصيدة كتبها الإنسان وحتى اليوم ، ومنذ أن وقف الإنسانُ مرتلا خوفه أمام قسوة الطبيعة ، ومذ وقف الشاعر العربي القديم على الأطلال وحتى آخر طلل إنساني ، إنه جواب امرئ القيس وطرفة وعروة بن الورد والمتنبي وابي العلاء وسواهم على الجراحات الداخلية التي كرسها ويكرسها الاغتراب والفقدان وألم المصير ، فما الشعر في صيرورته إلا السؤال الوجودي الآخر الذي يتشكل لغةً جماليةً  داخل تلك الأسئلة الوجودية الجارحة ليمرَّ عبرها في رحلة انعتاق نحو الخارج. إنه محاولة للتخفيف من عذاب المسكوت عنه وترويض تناقضاته. وإذا كان الرجل الشاعر قد عانى ويعاني من هذه المكابدة المُرة فكيف للمرأة المرهفة بكل استلابها وما ورثته من رواسب العلاقات التراثية القامعة أن تواصل الحياة دون عملية تسريب لاشتباكات الحزن والحرمان وضيق الفضاء المفروض عليها والشعور العميق بالغبن الذي يلازمها.  إن الشعر وبقية الفنون التي صنعها الرجال والنساء معا ما هي إلا وسائل تسريب ومقاومة ثقافية وجمالية ليس لمكبوتات الداخل حسب ، بل لمشاكل الرصد التي تقف أمامهما متمثلة بالرقيب النفسي والثقافي والمجتمعي والسلطوي، مما يجعلها تعيش معاناة أخرى هي كيفية إلباس نصوصها طاقية الإخفاء والتقنع بأقنعة لانجاز أدب يجيد الترميز بحيث يعبِّر عن معاناتها ويخفي، ويقول ولا يصرح معا. إن اندماج الأنثوي بالشعري أمر بغاية الأهمية في شعر المرأة ، إنه أبلغ خطورة من نصوصها الأخرى سواء الروائية أو القصصية ، ذلك لعمادية الفن الشعري واشتغاله السري وسطوته على المكبوت وما خفي في الضمير أكثر من الأنواع الأدبية الأخرى .

 4 –حسب مقولة مدام دي ستال " الحب هو كل حياة المرأة " بمعنى أن المرأة لا تبلغ كمالها الأنثوي إلا عندما تحب ، فكيف برأيك تتحرك نصوص المرأة – الشاعرة وفقا لهذا المفهوم .؟ وهل الحب لديها مجرد فكرة افتراضية .؟ أو هو المعنى المثالي الخيالي في واقعية حياتها ..؟ من يقرأ نصوص بشرى البستاني يجد وثيقة حضورها في مفردات الحب ( للوطن ، للحبيب ، للمكان ، للطبيعة ، للجمال ..) .

ج: الذين اتخذوا من مقولة مدام دي ستال هذه منطلقا لتجريح المرأة لم يفهموا للأسف مرامي المقولة الشاملة والعميقة والتي أوجزت فلسفة المرأة كأنثى في الحياة ، لأنهم ما كانوا يؤمنون بان الحياة بشموليتها – اقتصادا واجتماعا وسياسة وثقافة ومحمولات متنوعة - هي الحب لو كانت منطلقات الحياة إنسانية ، جمالية حقا ، و ذات رؤىً فعلا ، و أن الحب برحابته هو الحياة كله.  إنهم فسروا المقولة على أنها شهادة امرأة بأن المرأة لا تصلح إلا للمنح العاطفي وعطاء المشاعر والجسد كونها قاصرة عقل.  ولما كانت القرارات تحتاج لعقل متأنٍ بعيدا عن الانفعالات ، فما على المرأة إلا أن تترك الحياة العامة وتتفرغ في البيت لتمنح العاطفة للرجل وأولاده.  من الطبيعي أننا لن نحاور مثل هذه الآراء التي دحضتها الحقائق العلمية والعملية معا، إذ لا توجد مشاعر ولا انفعالات خالصة ومنفصلة كليا عن العقل كما لا يوجد عقل خالص لا تلامسه الانفعالات والمشاعر ولو بنسب متفاوتة.  تلك الأقاويل التي كرستها أساليب النشأة الاجتماعية التي ربت أجيالا من النساء في ظل الرعب والخوف وتكريس الشعور بالضعف والتبعية للرجل القوي عضليا. لكن بالرغم من كل ذلك يمكن القول إن من الفخر الشديد للمرأة أن يكون الحب كل حياتها ، ولو تسنى لها بهذا الحب النبيل أن تحكم العالم لما تعرض لهذا الدمار الفادح والحروب الإجرامية على يد الطغاة من الرجال. وهنا بودي أن أصلح المقولة التي وردت في السؤال لأقول : المرأة لا تبلغ كمالها – الإنساني - الخلاق وليس الأنثوي حسب ، ولا تتجلى إبداعيا إلا عندما تحب.  لكن كلام الناقد محمد عباس لا ينطبق بالضرورة على كل الشاعرات ، بل هو حكم قد نجده موقفا لدى بعضهن ، ويكمل العباس معقبا على هذا الحكم " وهنا سرُّ الوله المؤدي بها إلى الرهبنة ، أو منع ذاتها من التداول، فهي كذات عشقية مغالية في النرجسية لا تهب نفسها إلا لذات تشبهها وتستحقها، أو تموت دون ذلك " نعم ، الحب لدى الشاعرة البالغة الرهافة ليس فكرة افتراضية ، بل هو فعل إبداعي يسمو بها نحو الإيثار والإبداع والسمو والتعالي على مجرد الرغبة. إنه دافع لها نحو التقدم وتطوير الذات والعمل على تطوير الآخرين من حولها والارتقاء بمنجزهم والحرص على تنمية فعل القيمة لديهم من أجل تطوير الحياة وتعزيز بنائها.  كما تعمد الشاعرة وهي في حالة الحب إلى توظيف أسمى قيم الجمال في الحياة لتكون بهيةً بفرح الإنسان وسعادته.  وما تعبير " منع ذاتها من التداول " إلا تمجيد لبهاء موقف حميم من الحب واحترام خصوصية الجسد والروح إلا للحبيب.  لكن الباحث محمد عباس نسي حقيقة مهمة هي أن الرجل النبيل كذلك لا يبلغ كماله الرجولي والإنساني الخلاق ولا يتجلى إبداعيا وجماليا وعملياً إلا عندما يحب بأصالة وصدق.
نعم ، تشخيصك لحركية الحب في شعري تشخيص يقترب من الموضوعية كثيرا ، لأن كل منجزي الإبداعي والأكاديمي والثقافي والإنساني لم ينجز منذ طفولتي وحتى اليوم إلا في حالة حب دائم مندمج بوعي كان وما يزال يشتغل اشتغالا مكابدا ومتواصلا لتطوير جوهر أدواته بالعلم والمعرفة والخبرة والوعي بالضعف الإنساني القائم للأسف على العجز والحسد والترصد للتفوق الأصيل.  والحب عندي شبكة متألقة من العلاقات لا أستطيع الحياة إلا في فضائها ، بدءاً من أفراد أسرتي ومَنْ حولي من طلبة وزملاء وناس وطبيعة ووطن وأمة وأشياء ثم كبرت موجات الحب واتسعت بتطور المعرفة لتشمل الإنسانية المسالمة في أطراف الكون كله ، فالشعر لا يعيش إلا في جدلية حب دائم ، وعبر اشتباك هذه الجدلية ينتج نصوصه عارمة بالحياة والجمال ومفعمة بحوارية لا تكف عن التطور والاشتعال .

   
     
5– قصيدة النثر العربية منذ أكثر من ستين عاما ويزيد تحولت بقوة الى نوع شعري ، وهناك آراء كثيرة تقول بان اصول هذه القصيدة عربية ، ويستشهدون بنصوص للنفري والتوحيدي وعدد من شعراء وناثرين متصوفة ، لا بل هناك من يذهب أبعد من ذلك ويقول ، أصولها عراقية المنشأ ، مستندا إلى النصوص البابلية التي كانت تتلى في المعابد القديمة فضلا عن الشعائر الدينية . ماذا تقولين في هذا النوع الشعري؟

ج: من الطبيعي أن تتطور الأنواع الفنية ، وأن تولد من خلال عملية التجريب الواعي أنواعٌ جديدة ، فتلك طبيعة الحياة الحرة السليمة وطبيعة الثقافة والإبداع غير المقيد بأغلال ما كان ، وطبيعة التراكم الفني الذي لا بد أن يؤول للتجاوز.  وإذا كانت مرحلة الشعر العمودي قد طال انفرادها في الساحة الشعرية العربية زمنا ، فإن هذا شأن الفنون الكلاسيكية التي استغرقت هيمنتها أمدا طويلا، وما ذلك الاستغراق في الحالين الا نتيجة طبيعية لسمات الزمن الذي عايشته وخصائص إيقاعه، والذي يختلف اختلافا جذريا عن زمننا المعاصر الذي انفجرت قواه وصارت المعرفة تتطور فيه تطوراً هائلاً وبتسارع مدهش مما جعل للفنون حوافز متوثبة على مواكبة ذلك التطورالمتصل بمنظومة المعلومات في زمن متسارع التقدم ، فكان شعر التفعيلة ثم قصيدة النثر الأكثر جرأة على كسر القواعد والأطر والرؤى.  وأضيف إلى أصول هذه القصيدة التي طرحها السؤال ، المرجعية الغربية التي جلبت لنا نصوص الشعر الغربي المهجن وترجمت لنا كتاب سوزان برنار الذي ظل زمنا مصدر الثقافة العربية في تأصيل وتعريف قصيدة النثر حتى استطاعت طروحاته أن تهيمن على ما كتب عنها في معظم الربع الأخير من القرن العشرين.  وكان لتأخرنا في التنظير والتأصيل له أثر كبير في سلب حق النثر العربي القديم وجمالياته التي اصابها غبن كبير على مر العصور ، تلك العصور التي انهمكت بدراسة الشعر و ابراز صوره الجمالية  وتحليل رؤاه.  بينما كان مركونا في الظل الاهتمامُ بذلك النثر الرائع ، صوفيا وأدبيا وتوقيعاتٍ والتماعات زاخرة بالشعرية ، وخطباً ووصايا.  وحتى هذا اليوم لا أجد الاهتمام بهذا التراث العظيم موازيا لأهميته وروعة مراميه.  وهذا القول ينطبق على النصوص العراقية القديمة التي تفوق الكثير مما يكتب تحت عنوانات قصيدة النثر.  ولنعد الى ملحمة جلجامش والتراتيل الدينية العراقية ونصوص الرثاء والحب البابلية لنجد أروع البُنى الشعرية في أجمل رؤاها.  لكن كما أسلفت قبل قليل وفي أجوبتي لكتاب في الشعر والنقد والسيرة ، تأخر تنظيرنا الموضوعي لقصيدة النثر العربية ؛ فسادت تنظيرات برنار ، بينما كانت النماذج الاولى لمحمد الماغوط رائد قصيدة النثر العربية لا علاقة جذرية لها بقصيدة كتاب برنار ، بل كانت عربية الروح ، عربية الرؤى إنسانية المرامي . ومن يقرأ نصوص ملحمة جلجامش والنصوص البابلية سيجد بُنى شعرية تفوق الكثير الكثير مما يكتب اليوم باسم قصيدة النثر. إن كل نوع أدبي جديد يولد لن تكون ولادته شرعية الا حين تكون طالعة من صميم التغيرات التي اشتبكت وانتجت في مخاضها هذا الوليد الذي حمل تغيرا صميميا في طرائق تشكيل النص وفي جوهر مخاضه.  نعم للأثر الخارجي تأثيره في فتح الابواب على الثقافات الاخرى، شرط أن يكون الارهاص الاول ناهضا من الداخل. إن مشكلة رفض الجديد بشدة لدينا في واحد من جوانبها هي أن الحداثة الشعرية لم ترتبط بحداثة شمولية ثقافية  وسياسية واجتماعية حقيقية.  حداثة تعمل بجد على تغيير الحساسية ورفع مستوى الذوق وتغيير وجهة التقبل من الصوت العالي والإيقاعات المتدفقة إلى الخافت والهادئ الذي يحتاج التأمل الصامت أكثر مما يحتاج التصفيق.  علما أن النص الجديد الأصيل لا يدير ظهره للتراث بل يتعامل معه باحترام رصين حين يستوعبه ويشعره بمهارة..
6 –وهل يمكن في المسار المزدوج لقصيدة النثر في شكلها وتناقضاتها الخطيرة والعميقة من نثر وشعر ، حرية وصرامة ، فوضى وتنظيم .... سر تألقها وخطورتها ومستقبلها ..؟ هل تعتقدين أن العقلية الثقافية العربية ستنصرف بقوة الى قصيدة النثر مستقبلا ..؟
قلتُ في مدخل كتابي " الحب واشكالية الغياب " الذي صدر عن دار "التنوير" في الجزائر ما معناه أن الحرية المتاحة لقصيدة النثر وغياب المعايير التي تشكل لها منظومة نقدية قضية ذات حدين ، الأول سلبي ، جعل الباب مفتوحا لكل من أعجبه دخول عالم الأدب بلا مواهب ولا مؤهلات ولا معارف ولا أدوات ، ساعده على ذلك إتاحة النشر ورقيا وألكترونيا وغياب الخبير الأدبي المسؤول فامتلأت الصحف والمجلات والمواقع الألكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي ، الفيس بوك والتويتر وغيرهما من وسائل الإعلام بجمل مفككة وعبارات سائبة ونصوص لا تنتمي إلى أي نص أدبي بصلة مما أساء كثيرا لقصيدة النثر وجعل مهاجمتها أمرا مبررا من قبل المصرّين على المعايير الشعرية المتعارف عليها وزنا وقافية، أو تشكيلا ورؤى . أما الحد الايجابي فذلك الذي هيأ للموهوبين الواعين باشتراطات الشعرية الحقة المؤمنين بأن الحرية الأدبية مسؤولية كبيرة تُلزم الأديب باحترام اللغة وعلومها، والفنون و شروطها ، أقول ، تلك الحرية هيأت لهم فضاء مفتوحا للتجريب الواعي والتعبير الرؤيوي والالتزام بضرورة تحويل الحرية لمنجز فني فيه من الجدة والابتكار ما يعمل على اكتشاف مديات جمال أبعد وبهاء أوفى وعلاقة جديدة بتراثنا الابداعي القديم ، بحيث نجد لكل قصيدة نثر يكتبونها معاييرها الشعرية الخاصة بها فهي تخلق ايقاعها الجديد بذاتها، وتشكل تحولاتها الترميزية برؤاها، وتفعّل تناقضاتها المزدوجة في الشعرية والنثرية والحرية والالتزام والتنظيم والفوضى لصالح جوهر الشعر تشكيلا ، وليس لصالح انفراد مفهومها وعزلتها وانفصامها وانغلاق إبهامها داخل النص، لأن في تلك العزلة وذلك الانفصام يكمن مقتل هذا الفن حقا. أما عن الشطر الأخير من السؤال، فإن الحاضر المعاصر بما يكتنفه من تطور معرفي وإشكال معا يجعلنا غير قادرين على الاستشراف ولا التكهن بما سيكون، لأن التحولات أسرع من تأملاتنا والمفاجئات خطيرة تبزغ دون توقع.  ولا بد من الإشارة إلى أن قصيدة النثر الجيدة هي فن النخب الثقافية، فأين سيكون مصير هذه النخب غدا ، وما المانع من بزوغ نوع فني لغوي جديد الى جانب قصيدة النثر ما دامت مصطلحات النصوصية والكتابة وانهيار الحدود بين الأجناس تشتغل باطراد، وما دام الحوار سيبقى قائما بين الفنون فإن التعايش بين الاجناس صار أمرا واقعا.  المهم أن على قصيدة النثر ومبدعيها أن يقبلوا الحوارية مع كل الأشكال التي تلتزم بالقيمة الفنية هدفا.  على أنها اليوم وإن استطاعت أن تحضر وتتواصل و تهيمن على الساحة الثقافية في الوطن العربي إلا أنها مع تطور الحياة و الثقافة و الإبداع لابد من تطور الأنواع الأدبية و الفنية و تطور الاساليب التي تشتغل داخل مصطلحي النص والكتابة، والانفتاح على فنون وتسميات جديدة ، كما حدث مع الهايكو و الالتماعات و الومضة و الشذرة و النتف.  المهم في الأمر كما أسلفت هو القيمة الأدبية لكل نص جديد.  ذلك هو ما سيبقى للمستقبل، القيمة المستندة على مواهب وأسس معرفية وعلمية وانسانية جمالية خالدة .

7- هل تؤمن بشرى البستاني بابتكار ما يسمى بـ "المخيلة الانثوية" المستقلة القادرة على الفكاك من سطوة التصور الذكوري ..؟

ج: لا شك أن المصطلحات الخاصة بما تكتبه المرأة من أدب و نقد تعددت و تنوعت حتى أصابها الكثير من التشتت؛ كونها لم تصدر عن مرجعية وعي محدد وموحد وواضح الهدف.  وفيما يخص قضية أي مصطلح، أجدني مؤمنة بكل مصطلح يولد من صلب الحاجة اليه و في صميم ما يبرره، لأن المفاهيم واسعة وحالما تنضج وتقرّها الأعراف الثقافية وتتمتع بما يقرب من إجماع الجو المعرفي المختص، في ذلك الحين تنتج رمزا يعبر عنها. هذا الرمز المعبر عن المفهوم هو المسمى بـــ"المصطلح".  وحين يكون للنص خصوصية أنثوية تتعلق في شأن من شؤون الأنثى الخاصة بجسدها وتحولاته ومشاعرها وهواجسها ومعاناتها الأنثوية فإن مخيلتها حتما ستشتغل اشتغالا خاصا يختلف عن اشتغال مخيلة الرجل لو عبر عن الموضوع ذاته؛ لأنه اشتغال يتصل بالإحساس المباشر.  هنا لا بد من الحاجة إلى مصطلح المخيلة الأنثوية، أما في الموضوعات العامة أو المشتركة وطنية وانسانية واجتماعية، فإن الاختلاف قائم حتى لدى الجنس الواحد بما يسمى الأسلوب، ولكل أديب أو شاعر أسلوبه، كما أن لكل شاعرة أسلوب صياغتها . إن العزل في مؤسسة يعمل فيها اثنان يحتم وجود أحدهما وجود الآخر أمر لا يمكن أن يكون موضوعيا على أرض الواقع، وإن صح حضوره تداوليا في الأدب والنقد والثقافة.  لكن لو حدث وفاجأنا التقدم العلمي بسمات خاصة بالمخيلة الانثوية تباين سمات المخيلة الذكورية لتغيرت موجهات البحث كما حدث في قضية القدرات اللغوية وقدرة الانثى على مزجها بالعاطفة أكثر من الرجل .

8– فيما يخص اللغة نجد اغلب الكاتبات والشواعر واقعات تحت وطأة ضمير المذكر في كتابتهن دون ان يشعرن وهذا على ما يبدو هو الذي دفع غادة السمان الى القول : ما أروع و ما أسوأ أن تكون امرأة ..

ج: يهمني التأكيد هنا على أن الرؤى هي التي توجه اللغة و هي التي تشكلها.  وامرأة تمتلك رؤية حرة و وعيا فاعلا بقضية الإنسان لابد من امتلاكها اللغة التي تعبر بامتياز عن قضيتها.  مرة أخرى أكرر ليس العزل وفصل قضية المرأة و لغتها عن الرجل هو الهدف، بل الهدف المهم هو بناء مجتمع إنساني حر و خالٍ من العقد والاستلابات التي تهدد سعادة الإنسان رجلا و امرأة و أسرة. تقول جوليا كرستيفا " اللغة مفتاح التغيير " لكن الخلاف ما يزال قائما حول قدرة اللغة على إحداث تغيير حقيقي.  ذلك ان الإمساك بالواقع الاجتماعي من خلال اللغة امر ليس من السهولة بمكان، إذ يؤكد باختين أن أي عضو من الجماعة الناطقة بلغة واحدة لا يجد أبداً كلمات من اللغة تكون محايدة، معفاة من تطلعات وتقويمات الآخرين، وغير مسكونة بصوت جمعي، وهذه الكلمة المحملة بماضيها الدلالي باقية فيه. إنها تتدخل في سياقه الذاتي انطلاقاً من سياق آخر هو سياق الجماعة واهتماماتها . إن تحويل اللغة إلى أداة جامدة يقيدها ويفقدها الكثير من حيويتها وطاقتها الحركية فضلا عن كونه دليلا على سكونية الفكر.  فالعلاقة جدلية بين اللغة والتفكير لأنها لا تتشكل إلا بإشارات من الفكر الناجم عن التفكير الذي يشتغل في فضاء العقل الإنساني.  و إذا كان العقل الإنساني عبر التاريخ قد اشتغل في حيز الرجل ومصالحه ، فان المرأة في اللغة غالبا ما تظهر في ظلال الرجل وضمن حضوره في ما أشرنا إليه بظاهرة التغليب في اللغة والانضواء في ظلال تراكم تاريخي طويل لا يمكن الاتفلات منه بسهولة.  تغليب التذكير على التأنيث سمة في لغتنا لا أعتقد أنها تسيء للمبدعة في المجالات كلها ولا تقيدها.   ولا تعيقها عن التعبير، فالتطورات التي شهدها القرن العشرون ولاسيما الربع الأخير منه في الميادين كافة و لاسيما العلمية والحقوقية حققت قفزة نوعية للمراة العربية في ميداني العلم والاستقلال الاقتصادي معا بالرغم من المجازر وأجندات الردة التي صاحبت نمو الوعي الثقافي و التحرري للمرأة في المنطقة العربية مؤخرا. ان أيديولوجية اللغة القياسية كما أطلقت عليها "لوزيتالبي غرين" تعني الانحياز الى لغة مجردة و متجانسة ، و ذلك لا يمكن الركون له كما أرى حتى في المجتمعات النشطة حضاريا.  فاللغة هي ابنة الحياة وناتج حضارتها ، والعلاقة جدلية بين الأدب و الحياة و الأدب و السياسة و بين اللغة و الحضارة.  و ما دامت الحياة قائمة على التطور و الحركية في كل تلك الجوانب، فان اللغة ستأخذ مداها في التطور هي الأخرى مطردة مع التطور الحضاري لكنها بالنسبة للمرأة تحتاج لمزيد من المثابرة و الجرأة كي تكتب بأسلوب يعبر عنها و عن مشاعرها و حاجاتها.  من هنا نجد أنه من الصعوبة الإقرار بوجود لغة خاصة بالرجل و أخرى خاصة بالمرأة ؛ لأن اللغة عموما إنسانية مشاعة للجميع و وجودها في المعاجم بثراء يتيح لمستعمليها النهل من ثرائها.  لكنها تتباين حين تكون كلاما أو كتابة كما أكدت اللسانيات و معها الاسلوب، لان لكل متكلم وكاتب أسلوبه الخاص.  والمبدعة الحقة هي التي تتمكن من تطويع اللغة لمقاصدها.  و هذا التطويع هو الذي يشخص طريقةً عن طريقة و يميز بين أسلوب و أسلوب.  المهم هنا رحابة الرؤيا وكيفية التعبير عنها فضلا عن سعة الأفق الذي يجب أن يتوفر للمبدعة لتجيد التعبير عن قضاياها.  من هنا ستظل اللغة الأنثوية في علاقة جدلية مع الحياة لا تنفصل عنها والحياة امرأة ورجل.  لذلك كان انخراط المرأة في الحياة هو الركيزة الأساسية لإطلاق طاقتها ومواهبها وتفعيل خبرتها و وعيها بالعالم و الأشياء، و من ثم تطوير وتحقيق تلك المواهب . فضلا عن كون الاندماج الأنثوي بالشعري أمر بغاية الأهمية في شعر المرأة كما سبق القول أكثر من الخطاب السردي مثلا.  و لذلك أطلق على الرواية حالما اقتربت من البوح المعمق والغوص داخل الذات و اصطناع الترميز مصطلح رواية شعرية.  فاللغة إنسانية محايدة  لكن طرائق التعامل معها هي التي تميل بها نحو الانحياز أو التوازن.  وإذا كانت الثقافة الذكورية قد وظفت قوانينها اللغوية بانحياز للذكورة؛ فعلى المبدعات العربيات وعالمات اللغة - وهن كثر – أن يجتهدن في الإصرار على اصطناع صيغ جديدة تعطي المرأة حقها اللغوي في الحضور ، و ذلك متاح في قوانين التشكيل مرة ، و في استعمال الضمائر المؤنثة و هي موجودة باللغة ، و في قوانين الاشتقاق اللغوي و صياغاته الثرية في اللغة العربية المعروفة بمرونتها و ثرائها و قدرتها على التواصل .
هنا لا بد من الإشارة إلى كثرة التجارب التشريحية التي توصل اليها أكثر من عالم وأكثر من مختبر – من ذلك ما توصل اليه العالمان "ريتشارد هير وروبين جون" من أن الرجل يستخدم الجانب الأيسر من المخ للتعبير اللغوي فهو مسؤول لديه عن اللغة بينما تستخدم المرأة الجانبين في آن واحد ، الأيمن مسؤول اللغة والأيسر المسؤول عن العواطف معا ، و لذلك تظل المرأة اقدر من الرجل على مزج اللغة بالمشاعر – حسب العالمين - مما يزيدها قدرة على التعبير ، فضلا عن كون الجانب الأيسر المسؤول عن الكلام والقدرات اللغوية لدى المرأة يحتوي على حزم عصبية أكثر مما لدى الرجل مما يساعد المرأة على التعبير أكثر من الرجل.  وأثبتت تجربة أخرى أجرتها "العالمة لورا آلان والعالم روجر جورسكي" عزلة الجانب الأيمن في المخ عن الأيسر لدى الرجل فلا يعرف الأيمن ما يدور في الأيسر بينما يدور حوار عصبي دائم بين الجانبين لدى المرأة . وتؤكد هذه التجارب – حسب العالمين - ان مخ المرأة كالغرفة الواحدة يستطيع ان يركز في موضوع واحد بكفاءة عالية تتسم بالشمولية ليحقق انجازا كبيرا، بينما مخ الرجل صندوقي فهو كالبيت ذو غرف عدة. مما يجعل خلايا المرأة المخية تشتغل بتواشج وتركيز على القضية الواحدة بشمولية وبما يجعلها صانعة قرار  جيدة ، بينما يفصل الرجل بين قضية و أخرى. و يطول البحث و تكثر آراء العلماء في هذا الموضوع ، و يرى معظم المفكرين و الباحثين في هذا الأمر أن نتائج هذه البحوث تؤكد ألا أفضلية لأحد الجنسين على الآخر ، بل هناك تكامل إنساني مبهر بين الطرفين يدعوهما للتعامل بالعدل و الإحسان و المحبة من خلال حاجة احدهما للأخر.  
 إن الشعر واحد من أبرع وسائل المقاومة الثقافية  لأن اللغة هي أداته البنيوية التي تعد من ابلغ أدوات البنى الفنية قدرة على التواصل الإنساني  لكونها الأداة الأكثر تداولا من وسائل الفنون الأخرى.  لذا فإن نص المرأة ليس محايدا، بل هو نص مقاوم يناضل على أكثر من نسق.  يقاتل سلطة الخارج بأزماته المركبة  ويقاوم سلطة الداخل المجروح بالأسئلة النفسية و الوجودية المحكومة بالتوتر الدائم.  لذلك فإن الشعر يعمل على التفريغ و الخلاص و الاستبدال معا.  وهو فضلا عن ذلك يشكل انهماكا في لعبة فنية تشتغل بذروة الدقة و الجد لتستنفد مداها بين أمرين بغاية الأهمية هما  قمة اللذة مندمجة بجوهر القيم في شبكة من العلاقات المعقدة تشكلها صناعة الشعر المثابرة للكشف والتصدي معا .  

9– بوصفك شاعرة وناقدة كيف تنظرين الى رأي جاك دريدا القائل : ان الشاعرة من الذوات الفردية التي تسكن المناطق الأكثر تعذرا على التجاوز ، أي هي كائن ذاتي النزعة تريد أن تفصل نفسها عن جسد تعيش فيه ، كونها تعدها صيغة من صيغ التحدي ، وأن لها أحقية امتلاك القوة والكفاءة إزاء الآخر ..؟

ج: أرى أن مثل هذه الأحكام لا تصح على الشاعرة العربية ولا المرأة العربية لاختلاف ظروفها الحياتية اختلافا جوهريا عن ظروف الشاعرة أو المرأة الغربية.  ان ما وقعت به بعض الناشطات العربيات من أخطاء هي محاولة تطبيق التنظيرات الغربية على واقع المرأة العربية المختلف.  فبينما تتهيأ ظروف الغربية المجتمعية والعملية و المعاشية و الحقوقية و القانونية لصنع قرار حياتها الذاتي بحرية تامة في العيش وحيدة أو مساكنةً مع رجل أو امرأة، نجد ما هو أحقّ من ذلك متعذرا على العربية التي ما يزال قرارها يعاني من ارتباطه المصيري بقرار الرجل و الأسرة حتى في أدق أمورها الشخصية المتمثلة بالزواج.  هذا من جهة ، و من جهة أخرى لا أرى في حكم دريدا إلا ردا أو تعقيبا شخصيا على تطرف المنظمات النسوية الغربية الراديكالية شاعرات وناقدات.  تلك المنظمات التي دعت إلى فصل قضايا المرأة عن الارتباط المصيري بالرجل و منظومات قيم العائلة فيما يخص الزواج و تشكيل الأسرة و أعباء الأمومة ، مما يشكل عوائق كبيرة – برأيها - أمام تحقيق ذاتها و تشكيل مواهبها بحرية كما هو متاح للرجل ، و كأن المرأة الغربية حتى هذا اليوم لم تستطع أن تغفر للرجل أزمات اضطهادها و قمع إرادتها و حرمانها حقوقها في كرامة روحها فهي تعمل ساعات أطول من زمن الرجل و تتقاضى أجورا أقل منه و حقها في صنع القرار ضئيل جدا، إذ يبلغ عدد الوزيرات مثلا في أوروبا 57 وزيرة فقط مقابل 515 وزيرا.  وأن نسبة 2 في المئة فقط من الإداريين ذوي المستوى العالي هن من النساء  فضلا عن كون المرأة الغربية ولاسيما في امريكا تُضرب وتهان حتى يومنا هذا مما يذكرني بقول المؤرخ الكبير توينبي " لم اجد في التاريخ ما يدل على أن الإنسان المتحضر كان يوما ما اقل همجية منه في عصر الغاب " ذلك أن كل تلك القوانين الجائرة هي من صنع الرجال الذين شكلتهم قيم الاستهانة بالأنوثة و إنسانيتها و بقدراتها التي ضاعت في خدمة الرجل.  تقول المفكرة مارجوري نيكلسون من جامعة كولومبيا : " ان السبب الرئيس لعدم إنتاج النساء إنتاجا يعدل في عظمته إنتاج الرجال هو أن النساء ليس لهن زوجات " مشيرة في ذلك إشارة بليغة لتخصيص الرجل زوجته خادمة لأمجاده متناسيا كونها إنسانة تمتلك طاقات و قدرات تحتاج مثله زمنا و مكانا و تفرغا لتحقيقها.   و لذلك كانت الشاعرات و الناقدات النسويات مصرات على هجر الرجل و قوانين الزواج و الأسرة ، تخلصا من التحيزات السافرة لصالح الرجل و لو على المستوى الشخصي لا العام.  لكني أخالف دريدا القول في فردية المرأة و كونها الأكثر تعذرا على التجاوز و أنها كائن ذاتي النزعة - و هنا أشير لغياب لا النافية قبل الفعل تريد لكي ينسجم المعنى – فذاتية النزعة هي التي لا تريد أن تفصل نفسها عن جسد تعيش فيه كونها متحدية.  و قد راجعت النص و وجدته كما ذكرتُ فعلا و لها حق امتلاك القوة و الكفاءة أمام الآخر.  إن معظم الأحكام التي أطلقها دريدا في هذه الفقرة تعد أحكاما ذاتية لا تندرج في ظل اشتراطات علمية او نفسية أو واقعية حقيقية.  إن دريدا يحكم على الشاعرة النسوية الغربية "المتطرفة حصرا" ، لأن الحقيقة التاريخية عبر العصور تؤكد عكس هذه الطروحات تماما.  فالمرأة في العالم كله عبر التاريخ كانت مخلوقا كادحا و أُماً مضحية و زوجة و ربة أسرة مسؤولة مما أغرى الرجل بعطائها فأوكل إليها واجب العطاء العاطفي و حرمها معظم ميادين الحياة الأخرى.  أسكنها بيته حارسة أمينة و أخذ منها الدنيا و صنعَ القرار و كتابة التاريخ و تفسير الأديان و الخطابات حقبا طويلة.  فلما أفاقت و رفضت الواقع نسي الكثيرون تاريخ عطائها الطويل و اتهموا قراراها الذي هو مطلب حقيقي و ليس رد فعل على الاستلاب بالأنانية.  أما حق امتلاك القوة و الكفاءة أمام الآخر فذلك حق مشروع ظل مضمونا للرجل عموما.  لكني أحرص على أن تكون القوة والكفاءة متشكلة مع الآخر و بشراكته و بمؤازرة الطرفين و لا تتم من خلال فصل أو منافسة و تحديات أو صراع يؤذي ثنائية الحياة الأساسية المؤتلفة : المرأة و الرجل  فهما يشتغلان داخل مشروع واحد هو تمجيد الحياة. وإلا عدنا لخلق تمركز جديد هو تمركز الأنوثة الذي سيؤدي الى خلق هامش آخر هو هامش الذكورة و هذا باعتقادي ليس هو الحل الذي تسعى إليه الإنسانية المتوازنة.  

10–في النص الشعري الانوثي تتجلى مهمة الشاعرة لإعادة المرأة الى الكتابة بوصفها حضورا في قلب الحياة فكرا و تجربة و عاطفة و حرية، فهل حققت الشاعرة العربية حضورها بحرية الشعر المعهودة و مثلت الكتابة بوعي و تحرر و قيمة نوعية و هل توافقينني الراي بان للشاعرة نصا سرياً لم يأخذ دوره بعد؟  تقول سيليفيا بلاث : أكتب وحسب ، لانه في داخلي ثمة صوت لن يهدأ أبدا.  

ج: نعم ، الكتابة حضور وتحرر ومسؤولية وانتماء.  و المرأة في هذه الكتابة تضيف متعة أخرى لحضورها الأنثوي المرهف و المفعم بالحنو هي متعة العطاء الإبداعي و المعرفي و الجمالي ، في الكتابة الأنثوية تكشف المرأة عورة التاريخ و موروثاته المتخلفة بشجاعة، وتزيح الغطاء عن ظلمٍ جعل الإنسانية تهدر نصف طاقاتها عبر القرون.  وتدحض بقلمها الجهل الذي أدام تلك التشوهات.  وهي في مواهبها الحقيقية تضيف لخصوبتها البايولوجية خصوبة أخرى تلقحها بجهدها الذاتي وسهرها المعرفي والثقافي ، وهي بذلك تزيد من بهائها وجمال حضورها حين تضاعف أنوثتها بالشعرية وسطوة الكتابة.  لان الجسد يحضر عبر كل مفردة وكل تركيب من تراكيب النص المكتوب بأنامل الأنثى.  الكتابة عنفوان لأنها وليدة الحرية وخلاص من الوأد و سلطة الحجب ووحشة الجدار.  والكتابة الأنثوية ليست تعبيرا عن ضعف واستلابات حسب، بل هي تفجير لكل القوى الكامنة في صميم إنسانة عاشت قرونا من الكبت و القهر و الحرمان.  فالكتابة قوة و ثورة و حب و ولع وا نعتاق و تشكيل للجمال.  و هي بالكتابة تقاوم عوامل السلب في المجتمع.  فالكتابة من أهم وسائل المقاومة الابداعية.  إنها إصرار على الحضور و تدوين الأثر. هذا الأثر الذي كانت تنجبه للرجال بوجع و معاناة كي يخلد أسماءهم عبر العصور بينما يختفي اسمها في سجلات ميلاد يعلوها الغبار.  لكنَّ هذا المنجز الجديد الذي يتشكل جنينا في دمها و خلايا رأسها و عصبها ، و من ثمَّ بأناملها غدا اليوم أثرا وليدا يُنسب إليها و يحمل اسمها و يحقق ذاتها و سمات هويتها.  إن المرأة في الكتابة تنجز أمرين لا أهمَّ منهما ، الأول إعلان المساءلة للتاريخ و المجتمع و كشف عن جبن النساء و تبعيتهن لتسلط الثقافة الذكورية الحريصة على إدامة موروث فظ و جامد و قبلي لا علاقة له بالتراث الحي، بل مهمته الوقوف عقبة أمام مستقبل أفضل.  والثاني عقد المصالحة  و الانسجام مع ذاتها التي تحولت من السكون الى الحركة و من الرضوخ الى الثورة.  فالثورة ان لم تكن انوثة مخصبة ستصاب بالعقم و القطيعة و الموت حتما.  لذلك فالشاعرة الثائرة تشعر بالرضى عن ضراوة فعلها المتحرر وسط ظلام الجهل و القطيعة.  
نعم ، أوافقك وسيليفيا بلاث على أن للشاعرة نصا سرياً لم يأخذ دوره حتى الآن.  وأتساءل دون حذر ، كيف تكتب الشاعرة و الشاعر كذلك ان لم يكن في داخلهما صوت مقيد ملهوف لا يكف عن طلب الإغاثة بالانعتاق و البوح ، فالإبداع صرخة سرية في الظلام يقول الامريكي المبدع أرشيبالد ماكليش ، في الداخل صوت يولد عن إشارة سرية او أخرى منظورة ثم ينمو بصمت و غموض كذلك عبر تجربة معاناة داخلية ، فإذا اكتمل النمو تشكلت التجربة في بنية فنية هي القصيدة او اللوحة  أو أية بنية أخرى.  وإن لم تكتمل فإنها لا تموت أبدا  بل تذوب لتندرج في غمار تجربة أخرى ستنجح في تشكيل ذاتها.   ولذلك فإن هذا النص السري باعتقادي ما هو إلا الرصيد الفاعل و المحرك للنص المعلن.  لكن الفرق بين المبدعة و المبدع أن المباح و المتاح للرجل أوسع دوما من المباح للمرأة  ولذا فإن مكبوت المرأة ظل هائلا عبر القرون.  ذلك و ان الثقافات الإنسانية التي دونها التاريخ كلها تعاملت بارتياب مع القضايا التي تخص الأنثى جسدا و حرية و هواجس و نظرت بارتياب الى الأنثى المتحدية التي تعمل بقصدية على كشف المكبوت و التصريح بالمضمر.  من هنا نجمت قضية التصادم بين جرأة المرأة المبدعة و مطالبتها بحقوقها الإنسانية و حرص المجتمع على تصميتها ، ذلك التصادم التي أنتج نصوصا مشتبكة بأنواع الرفض كما أنتج منظمات نسوية متطرفة عدة وأطلق أصواتا عالمية عالية مطالبة بإحداث التوازن في الحقوق والواجبات،ج.  و المبدعة تدرك بوعي أن اشتغالها أصلا قائم على التصادم بين السكونية والحركة  بين التقليد والتحرر منه ، بين الإتباع والإبداع ، وبين القدامة والحداثة وهكذا في جدلية دائمة.  وقد نتج عن ذلك حضور مفاهيم أخرى لا مجال للحديث عنها الآن.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

367 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع