ندى حطيط في:" لا مدينة تلبسني": جدلية الذات بين الأمكنة الضائعة والآخر المفتقد

     

ندى حطيط في:" لا مدينة تلبسني": جدلية الذات بين الأمكنة الضائعة والآخر المفتقد

 

ايلاف/عبدالله السمطي:تمتثلُ كتابة الشاعرة ندى حطيط في ديوانها:" لا مدينة تلبسني" ( دار الفارابي، بيروت، ط 1 يناير 2017) للإضاءة الشفيفة لمكامن الذات في مقابل حالات ومواقف تشكل بنية موازية لما تقوم الذات باجتراحه، ومواجهته، وكشفه أو تعريته. هذه البنية الموازية يشكلها الواقع، والأمكنة، وتداعيات الاغتراب، والآخر الوجداني .
وينفي عنوان الديوان في صورته المجازية حضور المكان في أفق الذات، وهو حضور مخصص بمدينة، الذات بلا مدن، وتركيبة الجملة المنفية هنا تشي بتحول المفرد المؤنث (المدينة) إلى جمع مجازي .. فلا مدينة تعبير يعني التعدد، وينفي في الوقت ذاته وجود أية مدينة داخل الذات. والوجود هنا مرتبط بفعل استعاري هو :" تلبس" بدلا من :" تسكن" الفعل الذي يقترن بالمدينة ويرتبط بالسكنى. ويتجاوز وجود المدينة حد السكنى ليصل إلى حد اللبس، واللبس في حالة المدينة ليس بانسحاب معنى اللبس كغطاء خارجي، ولكنه ينصرف إلى الداخل لتأخذ المعنى التالي وهو: التلبس من الداخل. الشاعرة هنا في هذا العنوان قامت بتقديم فعلين استعاريين الأول غير المذكور وهو:" تسكن" والثاني :" تلبس" . بعد إزاحة الأول والانحراف عنه. وتلبس أكثر حميمية واقترابا من تسكن.
ما الذي يجعل الشاعرة تتعرض للمدينة (المدن) بالنفي؟ هذا ما ستوحي به إلينا نصوص الديوان.
مساحات دلالية:
إن الواقع بأحداثه وأخباره، مآسيه ودرامياته، وبما ينزفه من حدث يومي ، يخترق مساحة دلالية ناجزة بالديوان، وكذلك الأمكنة بما تثيره في الذات من شجن الرحيل والسفر والاغتراب من جهة، وبما تحويه من تفاصيل أو ذكريات، أو نقوش على لحظات الزمن نفسها، سواء كانت هذه الأمكنة مما ألفته الذات الشاعرة أو عايشته في الشوارع والبيوت والمقاهي والمدن، أو بما تصبو إليه من مثال أو نموذج.
أما الآخر/ الرجل، بما يثيره من اكتناز عاطفي أو احتشاد وجداني في الضمير والروح والقلب والذهن، فهو يفجر لدى الذات الشاعرة طاقة تداع، لذكريات أو آمال وآلام، وحنين وفقد.
إن إضاءات الشاعرة لهذه الحالات الثلاث السابقة تشكل العالم النصي لديها، وتشكل المساحات الدلالية التي تنتظم فيها النصوص، وتشكل المدرج الرؤيوي على الأغلب الذي تمهر عبره حروفها وكلماتها، ويتسنى لنا مع قراءة نصوص الديوان أن ننوّر قليلا هذه الإضاءات التي تتشكل عبر قسمين من أقسام الديوان أولهما : ربما يشير إليه عنوان الديوان نفسه:" لا مدينة تلبسني " ويتشكل من (52) نصا، والثاني بعنوان:" سأنقع مدينة أنت فيها بماء الزهر" ويتكون من (15) نصا. وليكن إن الواقع يطل من نصوص متكثرة ، وهو واقع مغترب منفيٌّ إذا ارتبط بالذات الشاعرة، وواقع يجليه الفقدُ إذا ارتبط بالآخر، كما تبدى الشاعرة ذلك في نصوص كثيرة :" أعراسي أنا يا سيدي تكحلت بالهزائم، وخصلات شعري أنجبت قرشا من طين، والآتي من عمري مكسور الخاطر قبل أن يجيء" / ص 7

احتفاء بلغة المكان:
تشكل الأمكنة فضاء دلاليا أثيرا لدى الشاعرة، ولا يتسنى لنا أن نطالع نصوص ندى حطيط من دون أن ننجذب لعنوان الديوان :" لا مدينة تلبسني" فالنفي هنا نفي رفض لمكان ما، وهو مكان منكّر لا معرّف أي عام يشمل كل المدن، ترفض الشاعرة كل الأمكنة ترفض المدن لتبقى مدينة واحدة هي:" بيروت" موطن الشاعرة، وقد احتفت ببيروت في نصين يحملان الاسم نفسه، ص( 102) و( ص 122) وسواء كان تكرار الاسم كعنوان لنصين عن قصد أو من دون قصد، فإن هذا يؤكد على هذا الاحتفاء الوجداني ببيروت من قبل الشاعرة، بغض الطرف عما كانت بيروت تحضر بصورة إيجابية أم سلبية لديها. ، تقول عن بيروت:
يا بيروت
كم وجهًا أحتاجُ لأغسل قمحك؟
في البال ينغلُ النمل
في البال تنامُ يمامة مسلولة
أفتحُ أنا أزرار رئتيكِ
ألتاعُ
يشقيني إجهاضك من قيعاني
يا انحناءة النسر
لئيم بحركِ مازال فيه ماء من بعدي
سأقربكِ كذئب يبتلعُ فتنة
وأخلعُ عندكِ كل أقفال الجنوح. / ص.ص 102-103
بيروت متغلغلة في البال، فثمة حالة عشق تتلبس الشاعرة إذ لا مدن غير بيروت تلبسها، على رغم من السفر والاغتراب اللندني، ويبقى البحر البيروتي هو الذي يغمر الشاعرة ويبلل كلماتها، حين تشير إليه في قصيدتيها عن بيروت.
وفي النص الذي يحمل الديوان عنوانه، تتذكر الشاعرة مدينتها بقدر من الإضاءات الدلالية البارزة التي تعبر عن حلم آخر بالتغيير، لمدينة تصفها بأنها أصغر من الروح وأقل من البقاء ، كأنها شفت كثيرا عبر تجريدها لتتحول إلى أيقونة مصغرة على الرغم من الشعور بالفقد والغياب:
رأيتُ المارة يمرون على مدنهم
ففاض حمامي الزاجل بتغريدة الغراب
أنا التي لا مدينة تلبسني
ولا مدينة تقضم بأسنانها شهوة الغياب
مدينتي أصغر من البرد
مدينتي أصغر من الروح وأقل من البقاء
مدينتي كل أزرار أثوابها احترقت بالسل
رأيتهم يعبرون الغيم كالسنونو المبتل بالعظمة
وأنا أعبر ذاكرتي إلى مدينة
أصغر من الروح، وأقل من البقاء / ص 58
وعلى الرغم من هذا الاحتفاء الضمني، فإن نصًّا ثالثًا يحمل عنوان:" أن تعشق بيروت" يمكن وسمه بأنه يندرج ضمن " هجاء المدن" أو " رثاء المدن" فالشاعرة تهجو وترثي في الوقت ذاته مدينة تسكنها:
أدارت بيروت ظهرها
وأفرغت عمرها من بنادق الساحات
وانتحرت نساؤها شنقا عله ينقطع نسل الضفادع
وعله لا ينقطع لسان حكاياها عن ساحة الشهداء
وعله لا تخصى الزوابع من عروق الأرز / ص.ص 63-64
أفق إيروسي:
لا ريب أن الكلمات الإيروسية بالنص الإبداعي العربي تجذب انتباه القارئ، وتحصل على انتصارات قرائية مركزة خاصة إذا فارقت سياقاتها لتستولد سياقات أخرى تقع في نطاق ما هو استعاري. والدلالات الإيروسية تعمل على تعتيق النص بتصورات حسية صاخبة أكثر من إشاراتها إلى عالم الروح خاصة حين يختفي التجريد أو تقل درجات الحسية التعبيرية في النص الشعري. وهنا نلمح إشارات عدة حول الاشتهاء، والجسد، وخدر المسام، والشبق، والعري، واللذة، وإرهاصات السرير، والرغبة، وتعبيرات مثل: " وشاحي المطرز بحلمتين قديستين/ تطأه والجوري بين نهديها، أيها المستفحل في ركبتيّ/ الياسمين تحت السرة يتوجع" وهي لفتات تلقيها الشاعرة حيال القارئ لتعضيد هذا الأفق بقصد فني بالضرورة، يمتزج مع حالة فقد عرم ربما من لدن الذات الشاعرة تجاه وجوه وملامح وشخوص وذكرى.
ويضم القسم الثاني :" سأنقعُ مدينة أنت فيها بماء الزهر" (15) نصا قصيرا، تترى ما بين (5-13) سطرا شعريا بجمل شعرية قصيرة على الأغلب، وهذا القصر يعطي الشاعرة قدرا من استثمار التركيز والدقة، والاشتغال على بنى الحذف والتكثيف والتجريد والاختزال . إن محو الزائد، وقص الأطراف، وإلغاء الإطناب، والاتكاء على الكلمات المشفرة ذات الطاقة المشحونة رمزيا ودلاليا يجعل النصوص بمثابة أيقونات دلالية مسنونة حادة سواء جاءت في شكل هادئ أم في شكل صاخب. النص هنا دفقة أو طلقة ومجرى القراءة يذهب إلى ما يثيره من انفعال أو تحريك للهاجس والسؤال.
هذا ما نراه في " روزيتا العانس" حيث اليمامة معادل للمرأة، والمرأة معادل للذات الشاعرة، التي تصل للقول:
لي وجهان
واحد يلبسني كمعطف مجنون
وآخر ألبسه لأكون روزيتا / ص 118
وكذلك: تجسيد الأشياء، وتجريد المجسد، واستثمار أعضاء الجسد في خلق صور شعرية متعددة، من الفاعليات التقنية التي تدرج الشاعرة عليها نصوصها " على وجهي ضجيج نهد مدينة / ص 119 "
كما نعثر على تناصات دالة، هي ما نراه في حضور لوركا، في مشهدين نصيين، وقصيدته المعروفة:" عرس الدم" ص 128 ، وأنطون تشيكوف، وكاوباتا، والإشارة إلى بعض الشخصيات كشكسبير وموزارت،ودافنشي، والتناص عبر توظيف المقدس القرآني كما في نص بعنوان :" الفرح" /ص 130 أو بعض الكلمات ذات الإيحاء المقدس ، وربطها أحيانا بالآخر المفتقد، ويشكل التوجه للآخر مجالا رحبًا من مجالات توجيه الخطاب الشعري لدى ندى حطيط، وبرؤية إحصائية نجد أن ( 30) نصا من بين 67 نصا هي جملة نصوص الديوان توجه دفة الكلام الشعري إلى آخر مخاطب، أو آخر غائب.

بنية التكرار :
استثمرت الشاعرة في ديوانها التكرار بشكل ملفت، حتى لقد أضحى إحدى البنى التقنية الأسلوبية التي تتشكل منها نصوص الديوان، وإذا كان التكرار يشكل أحد أعصاب النصوص الشعرية، بما تفضي إليه من التأكيد على المعنى، ومن تأكيد حضور الذات التي تعي تكرارها وتبثه في النصوص عبر الكلمات، وإذا كان يشكل نمطا من أنماط الإيقاع الأسلوبي في جسد النصوص، فإن ثمة وظيفة رائعة يحدثها التكرار في النص الشعري وهي تكوين مراكز ثقل إبداعية في النص بحيث تقوم هذه المراكز بجذب فاعلية القراءة إلى تقدير أهمية المشاهد التي يحدث فيها التكرار، وإلى إيلائها قسطًا من اهتمام الوعي القارئ من أجل التنقيب عن مكامنها وما تضمره من رؤى. إن الشاعرة توظف التكرار في مشاهد متكثرة بالديوان، حيث يأتي التكرار بعدة صيغ يمكن أن نتمثلها في التالي:
- أولا: تكرار المدخل النصي :حيث تتكرر العبارات الأولى للنص مرة ثانية في نهاية النص، وهذا التكرار يفضي إلى أن نتلقى النص بشكل دائري حيث يفضي أوله لمنتهاه وبالعكس يؤدي منتهاه إلى أوله، كأنها قراءة لا تتوقف لاستعادة قارئة لتدفق النص وسيلانه وعودته تارة أخرى لمجرى الوعي . ويتبدى هذا – تمثيلا - في نص:" هو صوتك على جلدي ولا شريك له" ص.ص 11-12
والعبارات المكررة:
بعد حين
تغرق الوجوه في الخدر المشاكس
تسقطُ في صور تثاءب الرب عند رسمها
تتوه في حفلة فانتازيا لملامح أتحدث في غيها.
وكذلك في نص:" لا أدري من منا أنجب الآخر" / ص.ص 55-56
- ثانيا: تكرار الفعل مع الضمير، أو تكرار الأفعال بشكل متتابع، كما في :" لا تأتِني وأنت ضجيج مبحوح" / ص.ص 7-8 و" ينقصني أنت " / ص.ص 16-17 ومنه:
ينقصني أنت لكي أحبو على الغيم، ثم أمشي
ينقصني أنت لتكتمل استدارة السرة ويبدأ الخلق
ينقصني أنت لأقهقه منتشية
ينقصني أنت لتمارس حواسي فيضانها
-ثالثا: تكرار أسلوب التشبيه: حيث تتكرر الفاعلية التشبيهية من أول النص حتى آخره، كما في نص:" أموء أنا من بعدك" / ص.ص26-27 إذ تتكرر هذه الفاعلية في (15) سطرًا شعريًّا متتاليا، ثم ترتبط جميعا بجملة فعلية واحدة تكللها الاستعارة في نهاية النص لتصبح كل هذه الفاعليات الخمس عشرة مرتبطة بجملة:" أموءُ أنا من بعدك" ، وإذا كانت هذه الطريقة النصية تمثل أسلوبا من أساليب قصيدة النثر فإن المعول الإبداعي فيها يتمثل في القدر المفارق الكثيف الذي تبديه الأسطر الشعرية المتتالية وهي في أفق تشابهها تحدث اختلافا ما يوتر المعنى، يعطي معنى الدرامية، يقدم تشكيلاته التصويرية الأبعد، حتى يحدث الانفجار الدلالي نهاية النص أو تحدث الصدمة التعبيرية الدالة وهو ما قدمته الشاعرة بجلاء في هذا النص.
إن قراءة ديوان:" لا مدينة تلبسني" تكشف بجلاء عن جملة من القيم الجمالية والتعبيرية لدى الشاعرة التي تسكنها مدينتها على الرغم من هذا النفي الموارب بالعنوان، وتسكنها كلماتها التي تبحث عن خلاص – ضمني- من حالة الاغتراب والفقد والخسران التي تكابدها الذات في مواجهة العالم.

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

348 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع