الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - حوار في حدائق الگاردينيا مع اللواء الركن المتقاعد علاء الدين حسين مكي خماس

حوار في حدائق الگاردينيا مع اللواء الركن المتقاعد علاء الدين حسين مكي خماس

  

حوار في حدائق الگاردينيا مع اللواء الركن المتقاعد علاء الدين حسين مكي خماس

            

   

                               
 
كثير هم القادة الذين عرجّوا شموخاً على سفر الجيش العراقي الباسل. القائمة تطول والإنجازات كذلك تطول، ومواقف تتعدد في أوقات السلم والحرب وفي حالات التهيئة والاعداد.

قوائمٌ وان بدت طويلة، الا أن الواقفين في مقدمتها هم القلة، هكذا هو مبدأ التميّز والكفاءة في عالم يمتد آلاف السنين، ومن بين القلة يقف اللواء الركن المتقاعد علاء الدين حسين مكي خماس، ضابطاً عُرف بحسن خلقه ورجاحة عقله، وامتلاكه المعرفة العسكرية من أوسع الأبواب ذات الصلة بالدراسة والمتابعة والاطلاع، وكذلك ذات العلاقة بالموروث العائلي فالوالد ضابط أثر كثيراً في رسم الميول العسكرية المبكرة والاتجاهات.

                           

قبل أن ننغمس في دهاليز الأسئلة وعرض الإجابات كما يراها هو من جانبه، وددنا إعطاء القارئ العزيز نبذة عن حياة السيد اللواء الركن علاء الدين حسين مكي خماس تنسجم وما تركه من ارث علمي غزير في هذه المؤسسة العريقة.
فالسيد اللواء شرّفَ الى هذه الدنيا في بغداد عام 1937،

  

اجتاز مدارسها بتفوق، حتى بلغ به المطاف طالباً في الكلية العسكرية البريطانية "ساند هيرست"ليحصل على البكالوريوس في العلوم العسكرية كذلك بتفوق، وفي العام 1966 نال درجة الماجستير في العلوم العسكرية من كلية الأركان العراقية.

 
لقد استهوته العسكرية وعلومها وسار في طريقها ليحصل على الدكتوراه في العلوم العسكرية من كلية الحرب الفرنسية عام 1977، واستكمالا للمعرفة ورصانتها خاض غمار علوم القانون والسياسية، حاصلا على البكالوريوس والماجستير في مجالها عام 1988، معززا مواقعه القيادية في الجيش التي برع بجميعها، كان آخرها رئيس جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا.
أهتم السيد اللواء بالرياضة فكان سباقاً في تقديم الاستشارات والانجازات، من خلال عضويته في اللجنة الأولمبية العراقية، ورئاسته للاتحاد الجوي العراقي، ونادي فرناس الجوي،

        

حضر مؤتمرات داخل العراق وخارجه أعطاها من عنده الكثير، ترك بصمته على المؤسسة العسكرية قائداً ومعلماً وباحثاً ومؤلفاً من بين أهم مؤلفاته التي يتم تداولها بكثرة هي على قسمين :
*الأول  /الكتب والكراسات الرسميه  (سياقة وأدامة دبابات السنتورين العلامه /٧ ،فوج  المشاة الآلي  ،أستخدام كتيبة الدبابات ،الدفاع ضد السمتيات بصواريخ هيل فاير ،أسس أستخدام القوه -الدراسه الاساسيه .
*الثاني / كتاب الدروع خلال السبعينات ،وكتاب استخدام القوه في القانون الدولي ،وكتاب أفكار حول الحرب ،وكتاب فن الحرب عند العرب ،وكتاب مبادرة الدرع الصاروخي ،وكتاب معارك التحرير الكبرى العراقيه ،وكتاب الاستخبارات الاستراتيجيه ( مترجم) ،وكتاب رؤساء الاركان المشتركون ( مترجم)
يشرفنا حضوركم معنا سيادة اللواء في حدائق الگاردينيا مع ايماننا بأنك ومن خلال هذا الحضور ستعطي مثلما تعودت أن تعطي دائماً، فأهلا بك وسهلا:

      
س: تخرجت في زمن الملكيه ،واستمريت في عهود الجمهوريه المتعددة الشخوص بدء من المرحوم عبدالكريم قاسم وآخرهم  صدام حسين ، فمنذ اعلان الجمهوريه ولحد الان اضطرب العراق وبشكل منظم ،كيف هي وجهة نظرك من الناحية الاستراتيجيه ولماذا العراق بالذات طيلة هذه العهود ؟

                          

ج: دخلت الكلية العسكرية الملكية حال تخرجي من الدراسة الثانوية عام 1954، وقد كانت العسكرية هي الطريق الوحيد الذي كنت قد رسمته لحياتي المقبلة ، كوني مذ فتحت عيني وادركت وجودي في هذا العالم وانا أعيش في جو العسكرية والجيش ،

  

           هدية من الأمير عبدالأله في احدى المناسبات الرياضية

اذ ان الوالد اللواء الركن حسين مكي خماس رحمه الله كان عسكرياً لم يعرف غير العسكرية طريقا للحياة، وكان يصحبني منذ نعومة اضفاري معه في معظم الفعاليات التي يمكن وجود الصغار والشباب فيها وأول ما اذكر هو ذهابي معه الى معسكر الهندسة ومدرسة الهندسة العسكرية في معسكر الرشيد،والقيام معه بالتجوال في شمال العراق وجنوبه لاسيما أيام  العطل الصيفية عندما كان يقوم بتفتيش قطعات الهندسة العسكرية،وبعدها عندما اصبح قائدا للفرقة الثالثة في بعقوبة فقد عشنا في معسكر سعد حيث يقع بيت قائد الفرقة وبيوت ضباطها ،

      

ومشاركتي في الأنشطة العسكرية الرياضية ومنها معرض الخيل الملكي الذي كان الجيش يقيمه كل سنة وكانت احدى فقراته هي سباقات أولاد الضباط على الخيول العربية،وهكذا فلم تكن الحياة العسكرية غريبة عني، لذا لم اقدم بعد انهائي الدراسة الثانوية سوى الى الكلية العسكرية ولو ان معدل تخرجي في حينها كان يؤهلني للقبول في كليات مهمة أخرى مثل كلية الطب او الهندسة .. الخ. وقد قضيت السنة الأولى في الكلية العسكرية الملكية في الرستمية وتفوقت على اقراني في الصف الحربي المستجد،

  

ورشحت مع 10 طلاب اخرين للذهاب الى الكلية العسكرية البريطانية ساندهيرست، وفعلا انتخبت انا والمرحوم صديقي حتى النهاية محمود وهيب العزاوي للذهاب الى تلك الكلية العتيدة. كان الجيش الذي ابتدأت به حياتي اذن هو الجيش العراقي في العهد الملكي، ومنه تنبع أسس العسكرية العراقية الحقة وتقاليدها وتربيتها الصارمة التي استمرت مع هذا الجيش حتى حله من قبل بريمر عام 2003، واستمرت حتى بعد الانقلابات والثورات المتعددة التي تطرقت اليها جنابك الكريم. نعم كانت تلك التقاليد تهتز ربما قليلا بعد او اثناء الحدث لكنها لا تلبث ان تعود لان الجيش والقوات المسلحة لا يمكن ان تعمل دون تقاليد ودون تاريخ تستند اليه ويكون هو المرجع لها، وهذا ما كان عليه جيشنا الباسل. هذه مقدمة سريعة لم يكن لي بد من ذكرها وانا أحاول الإجابة على سؤالك المهم هذا والذي وان كان قصيرا لكنه يحتاج الى مجلدات للإجابة عليه لأنك قد رفعت السؤال الى مستوى الاستراتيجية، وهذه لا يمكن تناولها بعجالة هكذا، المهم ان سؤالك يقول لماذا العراق بالذات طيلة هذه العهود؟ والجواب على ذلك واضح من موقع العراق الجيوسياسي ومن مكانته التاريخية ومكوناته الاثنية والاقتصادية ومن تراثه الثقافي والديني ومن مكونات شعبه الثري، فقد كان العراق موطن نشوء الحضارات في العالم وما زالت الشواخص الحضارية في العراق ماثلة حتى الان أمثال زقورة اور ومسلة حمورابي واطلال بابل ونينوى وثيران اشور المجنحة ومن بعدها الاثار الإسلامية وغيرها كلها شواهد على عظمة العراق القديم، واذا ما اضفنا الى هذه العوامل امتلاك العراق الثروات الطبيعية الهائلة والنفط أهمها اذن لرأيت لماذا العراق مهم هكذا. ومن الناحية الأخرى فان العراق وهو ذو الموقع الجيوسياسي المهم والموقع الاستراتيجي الأكثر أهمية، جعل الدول الاستعمارية في بداية القرن العشرين تتهافت على احتلاله واستثمار ثرواته والاستفادة من موقعه الاستراتيجي والجغرافي، لذا احتلته بريطانيا في بداية ذلك القرن، والقصة معروفة لاستقلال العراق وتكوين دولته الحديثة. لكن الدولة العراقية الحديثة عندما تكونت كانت الحركات القومية في العالم في طور القوة والنمو سواء في اوربا والشرق الأوسط ، لذا فالعراق وهو جزء من الوطن العربي تنامت فيه الحركات القومية التي رأت في الوطن العربي وطننا اكبرا ممزقا الى دول كان يجب ان تتوحد ، وهكذا وجد العراق الملكي نفسه مليئا بالقوى السياسية الثائرة ضد المستعمرين

       

، فكان انقلاب بكر صدقي عام 1936، ومن بعده ثورة او حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 تلتها الحرب العراقية البريطانية الثانية ذلك العام واحتلال الإنكليز للعراق عمليا، وعندما جاءت قضية فلسطين ومأساتها وما تبعها من أمور معروفة فقد تحركت القوى الثورية في مصر وسوريا فلم يكن مناصا للعراقيين من الثورة والانقضاض على الحكم الملكي عام 1958 بسبب مرارة فقدان فلسطين وبسبب وجود التصور الواسع لدى جماهير العراق بان الحكم الملكي حليف الغرب، الذي ساعد إسرائيل ومازال حتى الان، كان احد الأسباب المهمة في هذه الخسارة الجسيمة، وبسبب الحملة الدعائية المؤثرة والفاعلة التي كان تشنها اذاعات الجمهورية العربية المتحدة ، والاذاعات والمقالات النارية التي كان يبثها يوميا المذيع احمد سعيد من إذاعة صوت العرب من القاهرة ، وبسبب الأناشيد الحماسية التي كانت تذاع من القاهرة في حينه .

  

ولعل السبب الرئيسي والأكبر كان إقامة حلف بغداد بين العراق وبريطانيا وايران وباكستان تساندهم امريكا من ناحية ، ومن الناحية الاخرى نشوب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 والذي شاركت به كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ، حيث تم اجتياح شبه جزيرة سيناء من قبل الجيش الإسرائيلي بعدما قامت الطائرات البريطانية والفرنسية بعزل وشل فاعلية القوة الجوية المصرية ومن ثم احتلال قناة السويس ، حيث كان موقف العراق في هذه الحرب ضد مصر وعبد الناصر بالذات . كل هذا اجج الشعور القومي لدى الشباب العراقي داخل وخارج الوطن . هذه الأمور وامور أخرى سياسية استغلتها الحركات السياسية الأكثر تنظيما في العراق ومنها الشيوعيون العراقيون، حيث تكاتفت كل هذه القوى واسندت حركة الضباط الاحرار التي كانت قد تأسست بين صفوف بعض ضباط الجيش العراقي ابان عمله ثم عودته من فلسطين بقيادة الشهيد العقيد رفعت الحاج سري ،

  

فتم الانقلاب / الثورة في 14 تموز 1958 لتحقيق حلم الشعب العراقي بالوحدة مع مصر وسوريا وتأسيس دولة العرب الكبرى ... الخ والقصة طويلة وليست مجال بحثنا هنا. لكن ما ثبت بعد هذه الثورة ان الإطاحة بالحكم الملكي في العراق كان من اكبر الأخطاء السياسية والاستراتيجية والاجتماعية والتي بدأت فيها مرحلة تدهور العراق والوصول الى ما وصل اليه اليوم ، ( ولكن لهذا حديث آخر ربما) . وطبعا فان الثورة تقضي على أسس النظام السابق فهنا جاء المرحوم عبد الكريم قاسم والضباط الاحرار الذين دبت الخلافات بينهم منذ الأسبوع الأول للثورة ، ونشطت القوى السياسية الأخرى ، فاصبح النشاط السياسي في العراق نشاطا محموماً، استغلته القوى الخارجية ايما استغلال فتارة تشجع هذه الجهة وتارة تشجع تلك، كل ذلك في سبيل السيطرة على العراق ثانية من اجل الاستفادة من عناصره التي بينتها أولا الا وهي عناصر الاقتصاد والثروات الطبيعية والعناصر الجيوسياسية والاهمية الاستراتيجية، والمكونات الاثنية والديموغرافية ، والمكونات الحضارية .. الخ.

  

حتى جاء الغزو عام 2003 لأسباب مفتعلة ثبت انها كاذبة ولتحقيق اهداف طوباوية دينية متخلفة تمثلت في أفكار بوش الخرافية التي عبر عنها مقال الكاتب الفرنسي (موريس) الذي نشرت مقتطفات منه مجلة الكاردينيا الغراء لرغبته في القضاء على (يأجوج مأجوج .. الخ) فتم تدمير دولة العراق الحديثة التي تأسست عام 1921 وشكلت دولة جديدة لم تعرف الاستقرار حتى الان والله يعين العراق والعراقيين. ربما في هذا بعض جوانب الإجابة لماذا العراق. ولكنني أرى ان سؤالك يحتاج الى اكمال، الا وهو السؤال اذن ما العمل؟ هل كتب علينا ان نبقى ثائرين متحاربين متقاتلين نهدم وطننا بيدنا كي نعيش مبعثرين هكذا، ام ماذا؟ وارى ان الجواب المختصر على ذلك هو القول ربما، الا اذا ادركنا نحن العراقيون اجمع ان بلادنا هذه بما لها من اهمية كبرى وعناصرها التي سبق وبينتها، هذه بلادنا العزيزة ووطننا الغالي وان علينا نحن العراقيين جميعا بجميع اطيافنا ومكوناتنا ان نتفق على صيانة هذا الوطن وعدم تضييعه، بان نتوصل الى عقد اجتماعي جديد يكفل لنا العيش سوية بسلام يتمتع جميعنا بحقوقهم القومية والسياسية والاقتصادية والدينية بعدالة حيث يكون فيه الشعار (الدين لله والوطن للجميع ).وإننا ان لم نفعل ذلك فسيضيع العراق الى الابد وستظهر بديلا عنه دويلات هي اشبه بدويلات المدن القديمة.

     

س: كافة الخريجين من العسكرين يؤدون اليمين لخدمة الوطن ،والحفاظ على نظام حكمه ،لكن نجدهم اول من يتآمرون عليه ،وهي تناقض لليمين والقسم ،ماهو السبب الرئيسي في ذلك من وجهة نظر صريحة ومحايدة ؟
ج: لو تسأل من قام بالثورات من العسكريين فسوف يجيبك انه لم يتآمر على الوطن، بل ان ما قام به انما كان ثورة من اجل الوطن وحمايته وما هذا بتآمر، و في بلاد مثل بلادنا، يرى العسكريون أنفسهم انهم الاقدر على حماية البلاد وتحقيق مصالحها من السياسيين المدنيين، ولك من الدول العربية ذات الانقلابات مثال واضح، فليس العراق وحده يمتاز بهذا الحال. لكن السؤال يبقى لماذا يرى العسكريون في بلاد مثل بلادنا انفسهم هكذا؟ وهنا قد يكون الجواب معقدا وطويلا، ونحن نريد التلخيص والاختصار، لكن يمكن الإشارة الى التربية الوطنية والتدريب العسكري وجعل مصلحة البلاد هي العليا وهو ما يتعلموه في الكليات العسكرية واحد من الأسباب. كما ان الامر متعلق بطبيعة أنظمة الحكم التي انبثقت في الغرب في القرن التاسع عشر وتنامت في القرن العشرين تحت شعار الديمقراطية، والتي ترى ان الحكم يجب ان يكون بيد المدنيين من السياسيين الذين يحكمون البلاد بموجب انتخابات اوصلتهم الى السلطة، وان نظام الحكم هذا تحميه قوات مسلحة تعمل بإمرة السياسيين المدنيين وتنفذ سياسات السلطة المدنية الحاكمة التي جاءت الى السلطة بانتخابات ديمقراطية شعبية . فهل كان الوضع عندنا هكذا؟ ربما نعم في بعض الجوانب ابان الحكم الملكي حيث كان لدى العراق برلمان منتخب وسلطات حاكمة مدنية، وان كانت هناك الكثير من الشوائب عليها، لكن الوقت لم يتسع لها لتثقيف العراقيين بالثقافة الديمقراطية الكافية بحيث تشعر القوات المسلحة ان واجبها هو تنفيذ سياسات المدنيين وليس اخذ السياسة على عاتقهم، وربما كان غياب القائد الرمز المقتدر في العهد الملكي في العراق هو الذي شجع العسكر على الإطاحة بالحكم المدني فيه، ضمن الظروف التي كانت سائدة في حينه والتي شرحناها سابقاً ،

               

فهناك من يرى لو ان الملك غازي رحمه الله كان ما زال حيا لما حدث الانقلاب او الثورة في العراق، وذلك لتربية الملك غازي العسكرية وطبيعته المتحركة الوثابة وقربه من الشعب ومن الجيش بدرجة اكبر مما كان عليه الأمير عبد الاله الوصي على عرش العراق لفترة طويلة قبل تسنم المرحوم الملك فيصل الثاني زمام العرش، والذي يعزي الكثير من الباحثين سبب نقمة الناس على النظام الملكي في حينه اليه، أي الى عبد الاله، وهناك من يقول عكس ذلك من المدافعين، بكل الأحوال فان قلة الثقافة الجمعية لدى المجتمع العراقي، وربما طبيعة الناس هي هكذا، تطلب ان يكون هناك من يحميهم دوما ، ومن غير الجيش اقدر على ذلك ؟ ربما هي قلة الثقافة السياسية لدى النخب الحاكمة من المدنيين والتي تجعلها لا ترى متطلبات الشعب الحقيقة عند استلامها السلطة وتنسى موضوعة الديمقراطية وتستبد بالحكم والظلم ما يجعل من العسكريين يتحركون غيرة على الوطن وحماية له. هكذا هي الأمور في الدول النامية، وهناك امثلة واضحة على هذا الموضوع تدخلت فيها القوات المسلحة لاستلام السلطة او لإعادة الأمور الى نصابها، لا تخفى على القارئ اللبيب .

           


س: ضمن مسيرة حياتك الطويله تقلدت مناصب متعددة عليا في الوحدات والفرق ،المديريات ،كلية الاركان ،جامعة البكر،ومجال الرياضه ، والكثير ،ماهو المنصب الذي احببته متميزا عن غيره ولماذا ؟  
ج: هذا السؤال من الصعب الإجابة عليه، بل من الصعب جداً، وذلك لأنني، وانطلاقا من حبي لمهنتي وحياتي العسكرية فقد أحببت معظم ولن أقول جميع المناصب التي تبوئتها خلال عملي وخدمتي الفعلية سواء في الجانب العسكري ام الجانب الرياضي، ولاسيما تلك المناصب التي كانت تقدم لي الفرصة لتقديم الجديد او افادة الاخرين لذا اسمح لي ان اذكرها كالاتي:
* آمر فصيل في الكلية العسكرية الملكية عام 1958 ومن ثم عام 1963-64
* آمر رعيل دبابات في السرية الثالثة كتيبة الدبابات الأولى عام 1958- 1961
* معلم في جناح السياقة والادامة في مدرسة الدروع في أبو غريب عام 1961- 1963 ( كان هذا المنصب من المناصب المثيرة والمهمة والممتعة بالنسبة لي) فقد تمتعت بسياقة الدبابات بكافة أنواعها، وعلمت ودربت اخواني ضباط الصنف المدرع على ذلك الفن ومنهم الكثيرون ممن اصبحوا قادة في الجيش فيما بعد .
* آمر السرية الأولى كتيبة الدبابات الرابعة.

  

* مقدم اللواء المدرع السادس 1967- ،1968 هذا المنصب أتاح لي العمل في مقر لواء مدرع في ظروف خدمة فعلية في ظروف عمليات عسكرية حربية حقيقية في الأردن، حيث كان لوائنا منفتحا في منطقة المفرق ، ضمن قوات صلاح الدين ( الفرقة المدرعة الثالثة ) مع تكليفي بقيادة كتيبة دبابات هي كتيبة دبابات المقداد لفترة قصيرة في حينها والتي صادفت اثناء معركة الكرامة حيث كانت كتيبتنا مكلفة بواجب حماية خط انابيب النفط ومحطة ضخ القريتين الكائنة بعمق الموضع الدفاعي لقوات صلاح الدين وتعين علينا التنقل الى هذا المكان ليلا في ظروف حربية وعبر أراضي يصعب سير المسرفات عليها بسبب الطبيعة الصخرية البركانية للأرض، فكانت تجربة مثيرة لازالت عالقة بذهني حتى الان رغم مرور هذه المدة الطويلة عليها.
* آمر جناح التعبية في مدرسة الدروع 1968، هذا المنصب أتاح لي تدريب الكثير من ضباط الصنف المدرع على قيادة قطعات الصنف بمستوى كتيبة فما دون والكثير منهم تبوأ فيما بعد مناصب قيادية وتعليمية في الجيش.
* معلم في كلية الأركان 1968-1970.

           


* مدير شعبة التمارين في مديرية التمارين والبحوث والمناورات ( أصبحت فيما بعد تسمى التطوير القتالي) عام 1970 ، شاركت في تصميم وتنفيذ والسيطرة على تمارين واسعة النطاق تجري بمستوى الجيش لأول مرة أولها كان تمرين مكحول، ويتضمن حركة فرقة مدرعة باتجاه فتحة حمرين وجبل مكحول، ويتضمن عبور لواء آلي لنهر دجلة ونهر العظيم بأساليب جديدة منها العمليات البرمائية المدرعة وعبور الدبابات بأسلوب الغوص في النهر وكان آمر اللواء القائم بالعبور في حينه هو العقيد الركن طارق محمود جلال * ثم شاركت بوضع وتصميم والسيطرة العليا على تنفيذ تمرين نسور (1) الذي كان تمرينا مشتركا يجريه الجيش العراقي لأول مرة بمستوى فرقة مدرعة في التقدم والهجوم والحركات المدرعة السيالة بالتعاون مع القوة الجوية ، ويتذكرها ضباط الجيش كافة في حينه ،وقد حضره مارشال الاتحاد السوفياتي ( كريشكو) وزير الدفاع السوفياتي في حينه..

              

بصحبة وزير الدفاع العراقي المرحوم الفريق حماد شهاب، وقد اعجب ( كريشكو) بالمستوى الذي وصلت اليه الفرقة المدرعة الثالثة بقيادة العميد الركن في حينه إسماعيل تايه النعيمي. كما قمنا بتخطيط وتنفيذ تمارين أخرى مهمة منها لعبات حرب وتمارين هيكلية لا يمكن نسيانها فقد كانت من الذ أيام الحياة العسكرية ، فهل يمكنني القول ان هذا المنصب لم يكن ممتعا ؟ وما هي المناصب التي افضلها عليه؟
* آمر مدرسة الدروع 1971- 1972 أتاح لي هذا المنصب المهم تنفيذ ونشر الكثير من افكاري المتعلقة باستخدام دباباتنا الشرقية وجعلها ملائمة للعمل بموجب عقيدتنا العسكرية المنبثقة من العقيدة العسكرية البريطانية ، كما تم وللمرة الأولى فتح دورات تعبوية متطورة جدا ( دورات جحافل المعركة )، حيث شاركت بالتدريس الفعلي فيها لدورة جحافل المعركة الأولى التي فتحت في مقر مدرسة الدروع عندما كانت في معسكر الغزلاني بالموصل وشارك بها جميع قادة الدروع الشباب في حينه والذين تقلدوا فيما بعد مناصب قيادية رئيسية في الجيش منها قيادات الفرق والفيالق وغيرها .
* ضابط الركن الأول في مقر الفرقة المدرعة السادسة، وشاركت ضمن هذا المنصب في التخطيط لحركة الفرقة وقطعاتها الى هضبة الجولان في سوريا في حرب عام 1973 حيث كلفني قائد الفرقة المرحوم اللواء الركن دخيل على الهلالي، ورئيس اركان الفرقة العقيد الركن عبد الحميد الجليلي، بحساب عدد عجلات الحمل الإضافية التي نحتاجها لنقل الفرقة الى الجولان، فقمت باجراء (تقدير موقف اداري للتنقل) مطبقا ما تعلمناه وعلمناه في كلية الأركان من أساليب لحساب المتطلبات الإدارية واللوجستية للمعارك .

            

والحق فإنني اعددت تقدير الموقف هذا تحسبا للتساؤلات التي توقعت ان يطرحها رئيس اركان الجيش في حينه الفريق الركن عبد الجبار شنشل (رحمه الله) على قائد الفرقة او رئيس أركانها او علي شخصيا فيسأل (منين جبت هالرقم؟ حيث كان المطلوب هو 200 عجلة 3 طن حمل) وهذا رقم كبير في حينه، وكان الموضوع سيعرض حتما على رئيس اركان الجيش، وكان سوف يسأل حتما هذا السؤال، واذا لم نتمكن من اجابته بشكل علمي ومقنع فسوف لن يستجيب لطلبنا وكان سيقول هذا طلب مبالغ فيه، وفعلا حدث ما توقعته فوجه المرحوم الفريق شنشل هذا السؤال الى القائد دخيل الهلالي، الذي عرض عليه تقدير الموقف الإداري للتنقل، فسكت برهة وعقد ما بين حاجبيه ونزع نظارته وقال، منو سوى هذا التقدير، فاخبره القائد ان المقدم الركن علاء هو الذي سواه ، فسكت رئيس اركان الجيش، وقال (زين ، موافق ). بعدها تنقلنا الى الجولان وكنت ضمن المجموعة الدباخية المتقدمة لمقر الفرقة ، حيث وصلنا أولا الى دمشق ومنها ذهبنا الى القاطع الذي تم تخصيصه لفرقتنا المدرعة السادسة في الجولان، ثم خرجت الى الغوطة بعدها لاستقبال الويتنا المدرعة التي وصلت سيرا على سرف الدبابات والدروع حيث وصل أولا اللواء المدرع الثلاثون وبعده وصل اللواء المدرع السادس عشر، اما اللواء الالي الخامس والعشرون فقد وصل الى الرطبة وانتهى القتال في الجولان بالطريقة المعروفة ومن ثم انسحبنا الى العراق . وهذه قصة طويلة لا يتسع المجال لذكرها هنا. وهناك الكثير من الأمور التي تجعل من هذا المنصب منصبا متميزا في حياتي العسكرية، فلا يمكن ان اتجاهله.
* منصب عضو في زمرة تأسيس جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا عام 1977. وهذا منصب لا يمكن تجاوزه مطلقا لأننا كزمرة تأسيس الجامعة فقد انجزنا منجزا اكاديميا كان له تأثير كبير جدا على عمل جيشنا الباسل، ولا يمكن في هذه العجالة ذكر حيثياته، وربما في وقت آخر يمكن ذكر بعض جوانب مرحلة التأسيس، لكن ما يمكن ذكره الان هو اننا في مرحلة التأسيس كنا في سباق مع الزمن اذ ان الهدف المحدد لنا كان تأسيس الجامعة وافتتاحها خلال عام واحد فقط أي بين أيلول 1977 وأيلول 1978 ومن كل النواحي ، ولك ان تتصور مدى الجهد والعمل الذي قمنا به علما كان عدد زمرة التأسيس لا يتجاوز الستة ضباط عدا رئيس الجامعة. وفعلا فقد نجحنا في هذا الجهد وتم تأسيس الجامعة وافتتحت بالوقت المحدد وكانت متكاملة من كل النواحي التدريسية والتنظيمية واللوجستية، فهل يمكن تجاوز هذا المنصب عن الذكر؟
* رئيس اركان الفيلق الثالث، وما ادراك ما أهمية هذا المنصب، انه روح هيئة ركن الفيلق التي بدونها لا يتمكن قائد الفيلق من انجاز مهماته، ويعرف ضباطنا الاشاوس ذلك، ولا اود التوسع بهذا هنا، فقد كان منصبا لا يمكن تجاوزه بحق، استمتعت بالعمل فيه، وكان عملا مثمرا مهما تتحدث عنه نتائج عمل الفيلق الثالث البطل في حينه ولاسيما معارك شرق البصرة الأولى عام 1982 وشرق البصرة الثانية عام 1984  

     

* مدير التطوير القتالي ، وفي هذا المنصب بقيت أطول فترة تراوحت ما بين عام 1984-1988 ، حققت فيه فيها الكثير من افكاري وانجزت الكثير من الأمور التي أفادت القوات المسلحة العراقية اجمع، ولعل اهم ما أنجزته في هذا المنصب هو اصدار سلسلة تاريخ القوات المسلحة العراقية التي كان قد مضى على البدء بها 7 سنوات قبل تبوئي منصب المدير ، وكان اول ما سألت عنه عند التحاقي للمنصب هو اين وصل موضوع اعداد كتب التاريخ ، وتمكنت بالتعاون مع زمرة اعداد الكتب ان نصدر الكتاب الأول بعد اقل من سنة من التحاقي للمنصب، وهذه أيضا كانت ملحمة لا يمكن نسيانها، حيث اصدرنا ثلاثة أجزاء للقوات البرية وجزء للقوة البحرية وجزءان للقوة الجوية ، وكان الجزء الرابع في المطبعة عندما نقلت من المديرية الى منصب رئيس جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا. وبعد تركي المديرية صدر العدد الرابع فقط ، وبعدها لم يصدر أي عدد، بل ان المديرية قد الغيت بعد سنة من مغادرتي لها . والسبب ؟؟ لا يمكنني ذكره لئلا يقال بأنني امدح نفسي بما ليس هو حقيقي. فلنترك السبب جانبا. ومن الإنجازات الأخرى المهمة في هذه المديرية الإصدارات الكثيرة جدا للمجلات والكراسات الرسمية وغير الرسمية، ولعل كتاب أسس استخدام القوة كان من أهمها، اذ انه وحّد ولأول مرة تعاريف العقيدة العسكرية والسوق العسكري وادخلنا مفهوم العمليات كمستوى من مستويات عمل القوات المسلحة .. الخ ، كما اصدرنا كراسات واجبات الأركان في الميدان وهي كراسة مهمة جدا لجميع هيئات الركن وتضمنت جميع اعمال الركن سواء للقوات البرية او الجوية او البحرية ... الحديث يطول لكن هذه خلاصته .

 

 * المنصب الأخير لي في الجيش هو منصب رئيس جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا، حيث نقلت اليه بداية عام 1988، لكنني لم اعط الفرصة الكافية للاستمرار به اذ أحلت الى الى التقاعد عام 1989 لأسباب لازلت اجهلها حتى الان . تألمت في حينها ، لأنني كنت ما زلت في عنفوان عطائي ، ولم يكن هناك سبب لإحالتي الى التقاعد في حينه ، لكن لا يهم الان فالخير فيما اختاره الله . ان تبوئي منصب رئيس الجامعة كان استحقاقا حصلت عليه بكل جدارة ، فإنني من مؤسسي الجامعة الأصليين الذين لولاهم لما تأسست الجامعة اذ تم تأسيسها بالاستناد على ما جلبناه انا وصديقي العزيز اللواء الركن مكي مصطفى حمودات من فرنسا من معلومات بعد اشتراكنا بدورة الحرب العليا الفرنسية هناك ، هو كان قبلي بدورة وانا بعده ، وعندما عدنا كنا انا وهو محركا عملية التأسيس بالنسبة لكلية الحرب، وكان المرحوم اللواء الركن عبد اللطيف شطيب محرك تأسيس كلية الدفاع الوطني حيث انه كان قد عاد توا من دورة الدفاع الوطني في الهند، اما الباقون من الضباط الستة من زمرة التأسيس فكان عملهم مكملا وضروريا ومنهم الفرقاء الركن ( عقداء ركن في حينه) طارق محمود شكري، والمرحوم سالم حسين العلي ، وضياء توفيق ونصيف جاسم الربيعي ، والفريق الركن ( لواء ركن في حينه محمد فتحي امين) الذي كلف بمهمة قائد الاكاديمية كما كانت تسمى قبل تبديل اسمها الى جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا واصبح المنصب يسمى برئيس الجامعة). المهم ان اللواء الركن مكي مصطفى حمودات اصبح عميدا لكلية الحرب خلفا للواء الركن دخيل علي الهلالي (رحمه الله)، في الوقت الذي أصبحت فيه انا رئيسا لأركان الفيلق الثالث. وقد تسلمت منصب رئيس الجامعة أخيراً، لذا قلت انه كان استحقاقا واضحاً . أنجزت في خلال فترة بقائي في الجامعة إنجازات كبيرة جدا ألا وهي تحويل الجامعة ليس الى مكان تدريبي فقط بل الى مركز بحثي أيضاً، وبنيت على ما اسسه قبلي الأخ الفريق الركن نعمة فارس المحياوي من دراسات واصدارات. ولعل اهم ما قامت به الجامعة عند رئاستي لها هو إقامة الدورات الإدارية العليا للقيادات المدنية في الدولة والتي أصبحت شرطا لكل من يراد تسليمه منصب مدير عام في الدولة العراقية، كما اقمنا عدة ندوات ومؤتمرات مهمة لعل اهمهما ندوتي تحليل معارك التحرير الكبرى ( الفاو ) فكانت هناك الندوة العامة وشارك بها ضباطا وقادة وباحثون من الدول العربية والأجنبية ، والندوة العراقية التي اقتصرت على الضباط العراقيين ونوقشت فيها أمور اكثر خصوصية ومعلومات ذات درجة كتمان عالية . وقد أقيمت الندوة العراقية في البناية الجديدة لنادي الضباط القادة في الكسرة الذي كان قد أنجزت بنايته منذ فترة ولم تستعمل، فكانت الندوة المذكورة اول استعمال له. اذن هذا هو منصب متميز آخر.
*من المناصب المهمة والحبيبة الى القلب في الجانب المدني هو رئيس الهيئة الإدارية لنادي فرناس الجوي، والذي سمي فيما بعد نادي الشهيد عدنان خير الله الجوي ، بعد استشهاده ، واعترافا بفضله على حركة الرياضة الجوية في العراق وذلك منذ عام 1984 حتى عام 2000، واعيد تسميته الى نادي فرناس الجوي بعد عام 2003 وكذلك منصب رئيس الاتحاد الجوي العراقي في اللجنة الأولمبية الوطنية من عام 1985 حتى عام 1999. والذي خلفني فيه الأخ اللواء الركن نبيل خليل سعيد، وقد استمتعت في هذين المنصبين بممارسة هوايتي المفضلة في الطيران بكافة اشكاله، وساعدت في إبقاء جذوة الهواية متقدة وحركة الطيران والعاب الهواء مستمرة في وقت حوصر فيه العراق حصارا قويا لم نتمكن فيه من استيراد اية أدوات او قطع غيار للطائرات الخفيفة التي كانت في النادي، فلجأنا الى اسلوب الابداع العراقي بكل شيء، بل حتى بنزين الطائرات قمنا نحن بتصنيعه بالمشاركة مع فنيي مصفى الدورة،ولهذا قصة أخرى ان شاء الله فهل يمكن تجاوز هذه المناصب ؟

    

س: اخفق العراق في معارك كثيره ،وخاصة انسحاب الجيش من الكويت امام قوات التحالف عام ١٩٩١ ،وكذلك امام الولايات المتحده عام ٢٠٠٣ ،وأساسها هي عدم التكافؤات في القدرات العسكريه من ناحية التسليح ،التجهيز ،التدريب ،هل كان بتقديرك قرار احتلال الكويت صحيحا من ناحية الاستراتيجية والقانون الدولي ،ولماذا جازف النظام بذلك وهو على علم بعدم التوازن ؟
ج: لقد كان قرار غزو الكويت  قرارا خاطئا تماما ذو نتائج كارثية تتضح الان، وقد اتخذ هذا القرار في حينه من قبل القيادة العراقية ممثلة بالرئيس صدام حسين دون ان يستشير أحدا من قادته الكبار في حينه فلم يعلم لا وزير الدفاع المرحوم الفريق اول الركن عبد الجبار شنشل ولا رئيس اركان الجيش المجرب والمقتدر الفريق اول الركن نزار الخزرجي (يرجى مراجعة كتاب الفريق نزار الموسوم مذكرات مقاتل عراقي يتحدث فيه عن الموضوع).

 

ولكن الدلائل تشير الى ان هذا القرار لم ينبع من لا شيء بل انه اتخذ نتيجة لضغوط مباشرة وغير مباشرة مورست على العراق ودفع، بل ان القيادة العراقية دفعت دفعا على عمل ما عملت ( يرجى مراجعة تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية لكلية الحرب الامريكية وهو القسم الأول من كتابي الموسوم معارك التحرير الكبرى العراقية ) والذي نشرت مجلة الكاردينيا الغراء نبذة عنه . اذن القرار كان قرارا اجباريا ، لكنه كان خاطئا، اتخذ بشكل غير مناسب في الوقت غير المناسب والظرف العالمي غير المناسب ، ونفذ بأسلوب غير مناسب ، لذا أدى الى ما أدى اليه، وانقلب حال العراق من بلد منتصر محترم مهاب الجانب في المنطقة والاقليم بل وفي العالم ، الى بلد جيشه محطم، محاصر اقتصاديا ... الخ . وبعد 11 عاما من الحصار وجهود الشيطنة الدولية التي بذلت تجاه العراق وقيادته، تم الهجوم عليه من قبل اقوى دولتين في العالم ( أمريكا وبريطانيا) ومعهم جوقة الحلفاء المعروفين ، باستخدام كل أساليب التكنلوجيا الحديثة لتدمير العراق تدميرا شاملا ومبرمجا، فكانت حرباً لا متماثلة Asymmetric war بكل المقاييس ، لا يوجد فيها من التكافؤ في القدرات العسكرية والتقنية كما هو معروف، لذلك جاءت النتيجة كما هو معروف. والأنكى من ذلك انه بعد ان حقق التحالف الدولي النصر في الميدان بدأت عملية تفكيك الدولة العراقية بشكل ممنهج ومنظم فتم حل الجيش العراقي والقوى الأمنية التي لا يمكن لأية دولة العمل دونها، وأعيدت صياغة الدستور بما يضمن قيام دولة غير فعالة وضعيفة و  و  و حتى وصلنا لما وصلنا اليه اليوم

  

س: شكل الأمريكان القوات المسلحه العراقيه على أساس التوازن، الطائفي ،القومي، حيث يعتقدون ان الكثير قد مسهم الغبن في عهد النظام السابق ،كيف ترى هذا التباين ،وهل ان التوازنات مطلوبه ،ام ماذا ؟
ج:القوات المسلحة هي قوات وطنية عامة شاملة لا يمكن ان تؤسس على أساس طائفي ولا علاقة للغبن في تأسيسها. انظر الى الجيش العراقي الذي اسسه الإنكليز في 6 ك2 عام 1921، هل كان جيشا طائفياً ام جيشاً وطنيا عراقيا؟ ضم جميع أبناء الشعب بكافة مكوناته وقومياته وهذا امر معروف تماما ومن خلال التجنيد الالزامي الذي لم يكن مقتصرا على أحد، بل شمل الجميع. وقد استمر هذا الجيش منذ 1921 حتى عام 2003 ولم ينحل او يتداعى بالرغم من كل النوائب والمحن التي تعرض لها خلال تاريخه، لماذا؟ لأنه كان جيشا وطنيا مؤلفا من كل شرائح كل الشعب العراقي، تمثلت فيه القصيدة الرائعة والتي هي نشيد الجيش (الجيش سور للوطن - يحميه أيام المحن) الخ اذا اردنا جيشا عراقيا جديدا فينبغي ان يؤسس على أساس المواطنة كالجيش السابق

                          

س: كان والدك المرحوم حسين مكي خماس عسكريا ،تقلد مناصب متعدده منها منصب رئيس أركان الجيش العراقي ،وله بصمات في تاريخ هذه المؤسسة العسكرية العريقه ،وكتابه الشهير الذي درسه كافة طلاب الكلية العسكرية بعنوان ( التخطيط ) منذ العام ١٩٣٦ومؤلفات متعدده آخرى ، ماهو تأثيره على مسيرة حياتك وكيف ؟
ج:سبق ان تطرقت الى بعض الجوانب التي تخص هذا السؤال في جوابي الأول أعلاه ، لكن اود ان اضيف هنا الى ان المرحوم الوالد اللواء الركن حسين مكي خماس كان مثلي الأعلى دوما ، فمنذ نعومة اضفاري ومقتبل حياتي كنت أحاول ،اقلده واسير على خطاه ، وقد ربانا رحمه الله تربية عسكرية منضبطة في البيت وفي حياتنا العامة ، كما كانت شخصيته شخصية قوية ومحبوبة بالوقت نفسه .

  

مع المرحوم الوالد ساحة الكشافة عام 1946 حيث كان يقام احد سباقات مهرجان الجيش في اسبوعه الرياضي

وان اول ما اذكره عنه هو عندما كان مديرا لصنف الهندسة العسكرية ، وكان يصحبني الى معسكر الهندسة في معسكر الرشيد أيام عطل المدارس وهناك كنت احضر معه في مطعم الضباط اثناء تناول الفطور الصباحي ، وهو تقليد يعرفه جميع ضباط الجيش ، حيث يكون الفطور الصباحي بعد ساعات التدريب فيجتمع الضباط جميعا على مائدة الفطور في مطعم الضباط ويجلس الآمر في مقدمة المائدة ويتم تقديم الطعام من قبل المراتب العاملين في مطعم الضباط وبموجب قائمة الطعام الأسبوعية التي يعدها ضابط المطعم ( رئيس لجنة المطعم) من الضباط وهذا مركز يتبدل دوريا ، ويتم جمع اشتراكات الطعام الشهرية من كل ضابط فيدفع عن نفسه وعن ضيوفه ، المهم كانت هذه من أولى تجاربي في التواجد مع العسكر في مقتبل أيام ، وهكذا نشأت في جو عسكري ولم يكن غريبا علي ، وكما بينت سابقا كنت ارافق الوالد في جولاته التفتيشية عندما كان مديرا للهندسة العسكرية .

           

ومن المناصب التي استلمها المرحوم الوالد كان منصب مدير الحركات العسكرية وقد استلمها مرتان الأولى في بداية اربعينات القرن الماضي، والثانية في نهايتها اثناء حرب فلسطين عام 1948 – 1949 وقد عمل بشكل وثيق مع المرحوم الفريق اول الركن (العميد الركن بحسب تسميات الرتب في ذلك الوقت) صالح صائب الجبوري رئيس اركان الجيش من عام 1944-1951. وبعدها عندما استلم منصب قيادة الفرقة الثالثة وعشنا في معسكر سعد بين الجنود والضباط كنت أيضا ارافقه واخوتي الأصغر في بعض زياراته لمعسكر المنصور (منصورية الجبل) او جلولاء حيث تكون القوة الالية ومعسكر الجسور السنوي للهندسة، او عندما كان يصحبني برحلات الصيد في المناطق القريبة من بعقوبة حيث كنا نصطاد طائر الدراج المعروف، حيث علمني رحمه الله الرماية وكنت ما أزال بالصف الأول المتوسط، فأصبحت راميا ماهرا بجميع أنواع الأسلحة فيما بعد ، و  و  وهكذا . فقد اثر هذا بي تأثيرا قويا، وليس بي فقط بل بكل اخواني فاصبحوا ضباطا مهنيين أطباء منهم المرحوم اللواء الطبيب الجراح عصام حسين مكي خماس والعميد طبيب الاسنان عامر، اما اخي الأصغر عياض حفظه الله فلم يصبح ضابطا بل مهندسا. اما كتاب الوالد الموسوم (قراءة الخريطة والتصاوير الجوية وتخطيط الميدان) والمعروف اختصارا بكتاب ( التخطيط) فقد الفه أولا عام 1936 واستمر بإعادة طبعه وتنقيحه الى مدة طويلة، وبعد وفاته قمت انا بتنقيحه والاضافة اليه عندما أصبحت برتبة مقدم ركن ، واستمر مستخدما ككتاب منهجي في الكلية العسكرية الى بداية الثمانينيات من القرن الماضي ، حيث استبدل بكراسة رسمية أصدرتها مديرية التطوير القتالي زمن المرحوم اللواء الركن رحيم طه الأحمد . رحم الله الوالد حسين مكي خماس واسكنه فسيح جناته

  


س: أختلفت العقيده العسكريه العراقيه من غربيه الى شرقيه وبالعكس،وأحيانا مابين الاثنين ،ماهو رأيك من الناحية التعبويه والاستراتيجية وما تأثير ذلك على الفعاليات ألقتاليه او التدريبيه ؟
 ج: انك تعلم ان العقيدة العسكرية لأية دولة انما تبنى على أسس معينة خاصة بتلك الدولة، لعل أولها من هو العدو المطلوب مجابهته، وما هي الإمكانات المتوفرة للدولة، وما هي ظروفها ونظامها السياسي والظروف الاقتصادية والاجتماعية والاثنية، ناهيك عن محيطها الجيوسياسي وواقعها الاستراتيجي العام . من هنا يمكن القول ان العقيدة العسكرية في العراق لم تكن عقيدة غربية او شرقية محضة. نعم ربما في البداية واثناء العهد الملكي كانت عقيدة غربية بريطانية محضة بسبب ظروف التأسيس وعدم تيسر خبرات عسكرية عراقية سابقة للبناء عليها، لكن منذ ابتداء عهد الثورة أي منذ 1958، بدأ تكوين عقيدة عسكرية عراقية تختلف عن البريطانية وان استندت عليها، ولم تُقبَل الأفكار الشرقية كما هي مثل ما حدث في الجيش المصري او السوري بالرغم من المحاولات التي بُذِلَت عام 1959 لنشر وتبني العقيدة الشرقية ، اذ جاء خبراء ومستشارون عسكريون روس الى العراق ليعلمونا التعبية الشرقية ،

       

وكنت من أوائل المشاركين بدورة آمري السرايا المدرعة التي فتحت في مدرسة الدروع عام 1959 و1960 ، وقمت بواجب الترجمة فيها حيث كان الخبير الروسي يلقيها باللغة الروسية ، وهناك مترجم يترجم الى الإنكليزية وانا اترجم الى العربية . لم نتقبل الأفكار الشرقية، وحاولنا تحوير الدبابات الشرقية لتلائم أسلوب عملنا بموجب العقيدة البريطانية. استمر العمل بالعقيدة البريطانية واستمر تحويرها تدريجيا فدخلت الأفكار الامريكية وموضوع جحافل المعركة والحركات السيالة وأسلوب تخطي المقاومات في حركات القطعات المدرعة وغيرها، وبعد الحروب التي خاضها العراق ضد إسرائيل او حركات الامن الداخلي او مع إيران تبلورت عقيدة عسكرية عراقية واضحة، هي أقرب الى العقيدة الغربية منها الى الشرقية، واعتقد إنك تؤيدني في ذلك . وان كان الكتاب الغربيون يحاولون دوما القول بان عقيدة الجيش العراقي كانت عقيدة شرقية وذلك للانتقاص من قدرات ضباطنا وقواتنا المسلحة وبيان انها لم تكن قادرة على تطوير عقيدة قتالية وعسكرية خاصة بها.

   

س: على ضوء قرائتك لأحداث العراق الأخيره باحتلال داعش لمحافظات ،ومساحات كبيره من العراق ،وهروب القطعات وقادتها ،كيف تقرأ مستقبل نتائجها ضمن المنظور العسكري للعراق والمنطقه العربيه ؟
ج:هروب القطعات العراقية امر لا يمكن القبول به او السكوت عليه، هناك أكثر من علامة استفهام، طيب القطعات هربت، ولكن لماذا تسليم السلاح والاليات؟ لماذا يتم نزع الملابس العسكرية؟ ما الذي حدث؟ ان الجنود في الجيش العراقي الحالي هم من نفس العينة التي كان الجيش السابق يتكون منها، ولكن الان لديهم أسلحة اكثر تطورا ومعدات اكثر تعقيدا وحداثة، فما الفرق؟ هل بالقيادة فقط؟ هذه أمور تثير التساؤل ، واشير هنا الى مقابلة الفريق مهدي الغراوي مع بعض الصحافيين وفي قناة البغدادية الفضائية والذي حاول ان يبين فيها بعض أسباب ما حدث ، واعتقد ان الأسباب الرئيسية ( وهنا اشير الى بعض ما قالة وزير الدفاع خالد العبيدي مؤخرا وفي حديث لقناة البغدادية أيضا ، حيث قال ما معناه ان الأسباب تكمن في ان الجيش الذي صممه الامريكان لم يكن مبنيا على عقيدة عسكرية واضحة تبين من هو العدو بل انه بني بناء لمواجهة عدو تقليدي وليس الإرهاب ، من هنا كانت أسلحته غير ملائمة تماما لمجابهة الإرهاب ، كذلك تدريبه واستخدامه ، ناهيك عن ابتعاد الجيش عن الأساليب الصحيحة في العمل والسياقات العسكرية المجربة والموثوقة في قيادة القطعات التي اكتسبها الجيش العراقي الأصيل خلال عمره الطويل من عام 1921، حيث تبين لنا مما قاله الفريق الغراوي أمور لا يقبلها العقل العسكري السليم ولعل أولها فقدان أسلوب القيادة والسيطرة وتعدد مراكز القرار وتعدد الولاءات التي جعلت تعاون القطعات فيما بينها امرا مستحيلا ) هذا من الناحية العسكرية المهنية المحضة ، وبكل الأحوال تبقى هناك جوانب مخفية لحد الان لم يكشف اللثام عنها ، والوقت لا زال مبكرا كي تعرف الحقيقة الكاملة والواجب يدعو الحكومة العراقية الى التحقيق الشامل بالموضوع وتحديد المقصرين ومحاسبتهم وإعطاء كل ذي حق حقه ، واستنباط الدروس المفيدة لتدارك نقاط الضعف وإيجاد السياقات والتنظيمات والأساليب الصحيحة لتصحيح نتائج الكارثة التي اصابت العراق
س: ماذا بصددك في هذه الغربه  وكيف تراها وانت محب لبلدك وعشقته مواطنا ،عسكريا ،لك فيه ذكريات الشباب والخدمه والتقاعد ؟
ج: نعم ان الغربة من اصعب الأمور اخي العزيز وانني اعاني منها كما انت وكما يعاني باقي الاخوة امثالك وامثالي،عيوننا على العراق الغالي ونخشى عليه من التشظي والتشرذم ومن اقتتال الاخوة لاسباب لم تكن معروفة قبلا كلها بسبب التدخل الخارجي وعلينا ان نعمل جميعا لإنقاذ بلدنا من الوضع الذي اصبح عليه الان فلن ينقذه غير العراقيين، واملنا هو في الشباب،والذي نخشى عليه من الاحداث الان ، فمن الشباب تاتي القوة التي تعيد للعراق وضعه ومكانته ، الشباب العابر للطائفية والعرقية .

                              

سؤالي الاخير ، أمنية ،يتمناها اللواء الركن علاء الدين  ؟
ج: أتمنى ان تساعد الظروف في بلدي العراق وان تتحسن وتساعد في عودتي الى بلدي لأقضي فيه ما تبقى من العمر في بلادي الحبية وبين اهلي واصدقائي وان يلف جسدي تراب وطني العزيز عندما يحين وقت الرحيل الابدي .
وبهذه المناسبه أتقدم بالشكر والتقدير اليك اخي اللواء الركن المتقاعد فؤاد حسين علي ،لحضوري معك في حدائق مجلة الكاردينيا وهذا الحوار الشيق ،كما أتقدم بالشكر والتقدير لرئيس التحرير الاخ جلال چرمكا والى كافة الكتاب والقراء الأعزاء وشكرا

               
ختام حواري مع الاخ العزيز اللواء الركن المتقاعد علاء الدين حسين مكي خماس.... ،العسكري المتميز،الباحث ،المؤلف،المعلم ،المربي ،الرياضي ،أتقدم باسمي وباسم اخوتي في مجلة الگاردينيا بالشكر والتقدير لشخصكم الكريم واتاحة الفرصه للحوار معكم واتمنى لكم الصحة والسلامه ،وانتهز الفرصه لأهديك قصيدة بعنوان ( بغداد ) للشاعره المبدعة الهام زكي .
ومن الله التوفيق

(بـغــــــداد)
( للشاعره المبدعة ألهام زكي )
بـغـدادُ إليـك اشتيـاقـي
قـد زاد حبـي ولهفـة التـلاقـي
فـاضـت ينـابيـعُ الحنيـنٍ والـذكـرى
وقبلتـي لتـرابـكِ الغـالـي
وأشتهـي مـذاقُ تمــرٍ مـن نخـلكِ العـالـي
بغــدادُ يـا لحنــاً سـرمـديــاً فـي خيـالـي
حيـن أنـطـقُ بـغــداد
تـزهـو بـي الـروح فخـراً
وتصفـو سمـائـي
طـالـت غـربتـي ومـا جنيـتُ
غيـر جـوازٍ أجنبـي
أطـالَ فـي بـعــادي
وإني لأشكـو عـلـة ً
مـا راق لـي شيءٌ
ولا سعــدتُ بفـراقــي
ومـلءُ النفـسِ أفـراحٌ مـزيفــة ٌ
وحكـايـاتٌ مـا خلتهــا واهيـةً
مقطـوعــة .. الرجــاءِ
وكـم وددتُ لـو أنـي مـا هجــرتُ
ولا ذقـتُ مـر الشـقـاءِ
مـن غـربـة قصمتنـي
وشـتت أوصـالــي
تصفــو لـي مــرة ً وألفــاً أخــرى
متقـلبـة الأهـــواءِ
فمـللتـُهـــا
وغـدوتُ أسـامـر
صفحـات مـاضٍ ذوى رأيـتُ
فيهـا أمــلا  ودواءً لـدائــي
 
أعد الحوار وقدمه
اللواء الركن المتقاعد
فؤاد حسين علي

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

473 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع