أخبار الفنانين في أيام الزمن الجميل / ليلى مراد

         

أخبار الفنانين في أيام الزمن الجميل /ليلى مراد

    

هذه الفنانة الاسطورية.. اسطورية  في شخصيتها، وفي ملامحها وسماتها، وفي انغامها واحلامها.. ومن اجل ذلك  تعيش اكثر حياتها غريبة عن كل ما يحيط بها، لو انها خيرت لاختارت ان تظل  روحا هائمة في عالم الارواح، او نغمة صافية تنساب قبل الشروق، او الهة تطوف  حول المعابد والهياكل وتهبط الى الارض لتشجيها حينا بعد حين.

ربما يفسر هذا سر عزلتها.. فعلى الرغم مما تمتز به ليلى مراد من اناقة ورشاقة وجاذبية فانها قلما ترتاد المجتمعات يقولون ان عواطفها من نوع قابل للاشتعال، فلا تكاد ترى مأساة صغيرة حتى تتوهم انها كارثة.. ويقولون انها انطوائية يزعجها ان يقتحم احد خلوتها لدرجة انها تكره حتى الرد على التليفون.. ويقولون انها نرجسية تعشق ذاتها وتهيم بمشاعرها في عالم مزدحم بالهواتف والاوهام.. وكل هذا قد يعبر عن ملامحها البشرية ولكنه لا يحدد معالمها الاسطورية.

ميلاد اسطورة
ظهرت الاسطورة كالومضة المشرقة منذ ولدت ليلى مراد.. وفتحت عينيها على الدنيا فرأت اول ما رأت اسرة حانية عليها، وسمعت اول ما سمعت انغام الموسيقى، كان ابوها المرحوم زكي مراد مطربا انيقا في هندامه وفي الحانه، يحب فنه لدرجة العبادة، لدرجة جعلته خصما عنيدا للالحان المستحدثة، لدرجة اذهلته حتى عن نفسه، ومع هذا احس بشعور غريب عندما ولدت ليلى.. كان ينظر اليها نظرات عميقة، ويسرح في خيالات حالمة يتصور فيها ان مولودته تحمل بين جوانحها حقيقة مجهولة واسترسل مع خواطره، وشعرت اسرته بان شيئا يشغل باله، وحينما صارحهم بان المولودة التي اصبحت طفلة في الرابعة من عمرها ستدخل تاريخ الفن من اوسع ابوابه ابتهجوا لمجرد ارضائه فقط، فان مظهرها لم يكن يبشر بشيء.. بالعكس، كانت تنزوي عن الجميع وتتوارى مع العوباتها تحت الكراسي وخلف الدواليب وتميل الى الظلام، وترفض ان تشترك مع اطفال الحارة في مرحهم. كان يخيل الى من يرونها انها سقيمة ويشفقون على مصيرها، انها كالزهرة البيضاء غير ان اوراقها تنذر بالذبول، فلما تبتسم، قلما تتحدث، ويعود ابوها بعد منتصف الليل فيجدها ساهرة وحدها، ويمضي بقية الليل في مداعبتها بالغناء، ويسمعها الحان عبده الحامولي ومحمد عثمان وتواشيح القدامى حتى يغلب عليها النعاس.

على مسرح رمسيس
وبدات الاسرة تتحدث عن الطفلة التي تردد اغنيات ابيها طبق الاصل، حتى التواشيح المعجزة كانت تغنيها دون ان تضطرب بين شفتيها"المقامات"الموسيقية ، وعندما تغني تزوغ نظراتها في الفضاء وتنسى نفسها، وتخرج الاصوات من وجدانها وكأنها تنبعث من ماضي سحيق.
وذات يوم اعد ابوها فرقة موسيقية واجريت التدريبات، وفوجئ افراد التخت بسماع الصوت المنبعث من الماضي واستعادوها اكثر من مرة وفي كل مرة يزداد سحرها وتزداد نشوتهم وتنبأوا لها بمستقبل غير عادي، ودهشوا عندما ابلغهم ابوها انها بدأت مستقبلها فعلا، فقد قرر اقامة حفلة غنائية لها على مسرح رمسيس في نفس الاسبوع كان ذلك في عام 1932 وظهرت على خشبة المسرح فتاة في الثانية عشرة من عمرها ناصعة البياض فاحمة الشعر شاعرية الجسد، وقدمها ابوها للجمهور لتغني وصلة، من التواشيح، وصفق عشاق القديم، فقد كانت هذه الفترة احدى الفترات التي اشتد فيها الخلاف بين القديم والجديد، واتفق الاجماع على ان سبب القلة في الوسط الفني هو انعدام الاصوات التي تقوى على اداء الالحان المرهفة.. وعزفت الموسيقى، ووقفت المطربة كالطيف الرفيق الدقيق، وزاغ بصرها في الفضاء وانشدت توشيح"يا غزالا زان عينه الكحل". وصفقت الجماهير وهي سابحة معها في الماضي السحيق، وخرج الناس يستعيدون اغنية الزهرة البيضاء التي روت ظمأهم وزادت شجونهم وحركت اشواقهم في توشيح قديم.

امام الميكروفون
نفس التوشيح قدمته للميكروفون في عام 1924 وخلال هذه الفترة كانت ليلى مراد تستكمل ثقافتها الموسيقية بفضل والدها الذي لمح عبقريتها منذ مولدها، واخذت تحفظ الحانا خاصة بها اغلبها من تلحين المرحوم داود حسني، واذاع الميكروفون في الفضاء الاثيري انغام الصوت الذي عاش في نفس الفضاء، وانشدت اغنية قديمة"ياما انت واحشني"باسلوب جمع بين صناعة محمد عثمان وموهبتها الفطرية، ثم غنت"انهى يوم يا قلبي"من تلحين داود حسني وهكذا قدمها الميكروفون يضع سنوات فرضت فيها نفسها على الموجات الاثيرية، واعترف الوسط الفني بها، وعرف كل مستمع رنين صوتها المنبعث من الماضي السحيق.
كل هذا وهي لا تزال كالعهد بها في طفولتها، لا تزال الفتاة الاسطورية، تخشى ان تشتعل عاطفيتها، وتعشق ذاتها وخلوتها، وتناجي هواتفها واشواقها واوهامها، وكلما تزايد عدد عشاق صوتها شعرت بانها ترغم اسطوريتها على الخروج عن نطاقها لترضيهم، واحتدمت معركة عنيفة في اعماقها بين شخصيتها المزدوجة وانتهزت اول فرصة اختلفت فيها مع الاذاعة، واحتجبت عن الغناء امام المايكروفون وهي لا تدري سببا جديا لاحتجابها.

                  

نجمة سينمائية
وخرجت من الميكروفون الى الكاميرا سجلت اغنية السفر في فيلم الضحايا وسمعت نفسها، ورأت صدى الاعجاب في جمهورها فارتاحت شاعرها للغناء في البلاتوهات، وكما ظهرت في عالم الغناء نجمة في اول حفلة على المسرح واول اذاعة في الراديو، ظهرت امام الكاميرا بطلة في اول فيلم، ادرك عبد الوهاب اعجازها فاسند اليها دور البطولة في فيلم يحيا الحب، ونجح الفيلم، نجحت كل اغنياته، ولكن الدبالوج الذي اشتركت فيه مع عبد الوهاب لفت انظار الجماهير لانهم رأوا على الشاشة فرحة المطربة التي حركت شجونهم واصبح ظهورها في اي فيلم كفيلا بتغطية نفقاته وارباحه، تقاضت في هذا الفيلم 400 جنيه فقط، ولكن شخصيتها التي لم يعرف احد سرها رفعت اجرها الى 12 الف جنيه.

السر الاسطوري
لا احد يدري هذا السر، ان ليلى نفسها لا تدري لماذا تثير الدموع وتجسد الاشواق، كل ما تدريه انها عندما تغني تصبح اداة للمشاركة الوجدانية بين الجماهير، وانهم انتخبوها في استفتاء سنة 49 احسن ممثلة غنائية على الشاشة، وان عبد الوهاب عرف كيف يقدم لها الالحان التي تناسبها، وزادت حيويتها عندما نجحت ايضا في الحان زكريا والسنباطي واحمد صدقي ومحمود الشريف، وكثرت التكهنات وامسك عبد الوهاب بطرف الخيط حينما قال: صوتها من نوع نادر الوجود، من المغنيات القلائل اللاتي يفرضن على اللحن شخصيتهن.
وفعلا.. في هذه"الشخصية"يكمن سرها، انها مزدوجة الشخصية، شخصيتها الاسطورية هي التي تحول صوتها الى نداء، وتحول احلام الناس الى امل، وتقيم لها في ذاتها محرابا معلقا بين الارش والسماء، وشخصيتها البشرية هي التي تحدثها فتشعر بانها صديقة منذ عهد بعيد، وتسمع اغانيها فيخيل اليك انها تغني من اجلك.
توهمت بشخصيتها البشرية ان السعادة في الشهرة فنالت الشهرة وفقدت السعادة، وتوهمتها في المال ففقدت الراحة، وتوهمتها في الحب، وبحثت طويلا واخيرا التقت بشريتها باسطوريتها ودخلت عش الغرام مع فطين عبد الوهاب، وتوجت غرامها في خاتمة المطاف بمولود جديد يروي ميلادها ايضا في سجل الاساطير.

الحب جميل
بسبب ازدواج شخصيتها تراها سريعة الغضب سريعة النسيان عنيدة الى ابعد الحدود ومسالمة الى ابعد الحدود، وحينما تغني"الحب جميل"وليه خليتني احبك، ورايداك والنبي رايداك، تذوب شخصيتها ويسمع الناس نغمان منبعثة من عالم الاساطير.

الجـــــيل/ أيار- 1956
المصدر:المدى

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

388 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع